المقالات
الرد القانوني على الإرهاب المعولم ... إعلان حقوقي عالمي
من العسير جداً تعريف الإرهاب المعولم تعريفاً قانونياً وقضائياً. فهجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 كان جائزاً تعريفها بجرائم في حق (أو ضد) الانسانية، والاستدلال بوصف المحكمة الجزائية الدولية
ميراي ديلما - مارتي
السبت,28 نوفمبر 2015 - 06:56 ص
مشاهدات: 652
: هجوم «عام ومنظم» على مدنيين «مقصودين (به)» «تقوم به دولة أو «منظمة جعلته هدفاً لها». ولكن الولايات المتحـدة آثرت تعريف الهجمات بالعمل الحربي. فهذا التعريف يتيح إطلاق يد الرئيس (الأميركي) في الرد على العدوان، على معناه في القانون الدولي، ويسوغ الدفاع المشروع عن النفس ويحمله على سياسة وقائية غير مقيدة. وأفضت هذه السياسة الى التدخل في العراق، وترتبت عليه النتائج المعروفة.
وقانون الجزاء الفرنسي يدين الإرهاب، ويتناول في السياق نفسه الجريمة في حق الانسانية. ويجوز الكلام على الحرب، على سبيل التشديد على الوجه المأسوي من العمل. غير ان الدولة الإسلامية ليست دولة، في نظر القانون الدولي، على رغم نازعها المطرد الى امتلاك سمات الدولة الفعلية. والمنطق القانوني والحقوقي الذي يُعمل في الوقائع، ويتناولها بالتحليل هو منطق سبق العولمة، ويفترض دولاً تتمتع بالسيادة الوطنية، وقانوناً دولياً يقضي أو ينظر في علاقات هذه الدول المشتركة. والعولمة قوَّت التبعية بين الدول. وتدريجاً تتبلور جماعة عالمية، أو اتحاد عالمي، من غير المفاهيم الحقوقية والقضائية المناسبة والمواكبة لهذه الحال التي تحمل على «ما بعد الحداثة»، وتمزج الحروب بالجرائم، على شاكلة ما كانت تفعل المجتمعات قبل استتباب بنى الدولة.
وربما نحتاج اليوم الى اعلان عالمي ينص على التبعية المتبادلة بين الدول، والى ملحق بالإعلان يكرس مبدأ التضامن الكوني والمسؤولية المشتركة. وعلى هذا، فالإرهاب والإحتباس الحراري يطرحان مسألة واحدة: من هو حارس الأرض من اضطرابات المناخ؟ من يحرس السلم المستقر من الإرهاب المعولم؟ ماذا يقتضي تكييف الحوكمة العالمية في سبيل ضمان المصلحة الكونية في كوكب مأهول؟ ثمة حاجة ملحة الى اطار قانوني وقضائي يتولى رعاية المصالح المشتركة والكونية هذه وحمايتها. ففي القرن الثامن عشر حارب المجتمع الدولي من كانوا يسمون أعداء الجنس البشري، أي القراصنة. وقد يكون الإرهابيون قراصنة القرن الواحد والعشرين.
وإقدام الدولة الفرنسية على إعلان حال الطوارئ بموجب المادة 16 من الدستور الفرنسي التي تمنح رئيس الجمهورية السلطات كلها، إجراء أملته ارادة الرد بسرعة فائقة، وعلى نحو مشهود، على المعتدين. ولكنني كنت أفضل على الإجراء الاستثنائي والرئاسي إعلان حال الطوارئ بموجب قانون 1955، وهو يجيز الإعلان (من غير تخصيص رئيس الجمهورية بأحكام حال الطوارئ). وعلى الأمد الطويل، لا شك في أن الحال الاستثنائية تستدعي تجديد مؤسساتها وتكييفها مع المقتضيات الطارئة. وينبغي الاضطلاع بالتجديد والتكييف، على ما نوه الرئيس، في اطار دولة الحق والقانون، والالتزام التام بعهود فرنسا الدولية، وفي مقدمها العهد الأوروبي لحقوق الإنسان.
ويقر هذا العهد بجواز مخالفة بعض بنوده «في حال الحاجة (أو حال) خطر عمومي يتهدد الأمة» ولكن شرط «التقيد الصارم بموجبات الحال». ففي مقدور الدولة ألا تتقيد ببعض الحقوق الأساسية وإقرار اجراءات، على سبيل المثل، تنتقص من احترام الحرية وحرمة الحياة الخاصة أو حرية التعبير. وهذا كله جائز شرط ألا ينتهك (الحق في) حرمة الكرامة، فلا يبيح التعذيب والأعمال الوحشية وغير الانسانية الأخرى، ولو في «البرابرة». والمداهمات من غير إجازة قضائية، ويترتب عليها تقييد حرمة الحياة الخاصة شأن فرض الإقامة الجبرية وحظر حرية الرواح والمجيء (التنقل)، لا تخالف العهد الأوروبي على شرط إبلاغ مجلس اوروبا بها وبحيثياتها ومسوغاتها. أما في الولايات المتحدة، فحال الطوارئ ملحقة بحال الحرب وجزء منها، ولا رقابة دولية عليها.
ودوام حال «الحرب» يتهدد بالخطر الدفاع عن القيم الانسانية («الانسانوية»)، على ما حصل للأميركيين حين أجازوا التعذيب وفتحوا معتقل غوانتانامو. فقد يتحول قانون الطوارئ، أو الإجراء الاستثنائي، قاعدة دائمة من غير اليسير طيها أو الرجوع عنها. ويُخرج من الحرب الى السلم من طريق معاهدة سلام. وتقتضي الضرورة في حال لا تُرى نهايتها تكييف الإطار القانوني والقضائي الدولي. وفي الانتظار، لا مناص من «الارتجال» والتجريب والتوسل بالإطار السابق الى مجابهة الحال الجديدة. وحري بالتشريع في شأن نقل السلطات أن يحدد الأوقات والمدد التي يسري في أثنائها هذا النقل، وشروطه وضماناته وحدوده، والحقوق غير القابلة للانتهاك ولو ظرفياً.
??* أستاذة القانون (الحق) الخاص والعلوم الجنائية في معهد فرنسا (كوليج دي فرانس) 2003-2011، أستاذة زائرة في معظم الجامعات الكبيرة الاوروبية والاميركية، عن «لوموند» الفرنسية، 18/11/2015، إعداد منال نحاس.