المقالات
«داعشوود» تسرق نهج تارانتينو في الإخراج الهوليوودي
إثر تصريحات مسؤولين فرنسيين وأميركيين عن المواقع الجهادية وقدرتها على جذب الشباب وتجنيدهم، شعرتُ، أنا المخرج السينمائي، بحاجة إلى الاطلاع على ما يحمل الشباب على التطرف. ووقع علي وقع الصدمة أسلوب داعش الإخراجي
جوناثن نوسيتر
الأربعاء,6 يناير 2016 - 12:00 م
مشاهدات: 545
إثر تصريحات مسؤولين فرنسيين وأميركيين عن المواقع الجهادية وقدرتها على جذب الشباب وتجنيدهم، شعرتُ، أنا المخرج السينمائي، بحاجة إلى الاطلاع على ما يحمل الشباب على التطرف. ووقع علي وقع الصدمة أسلوب داعش الإخراجي. فهو إخراج يجمع بين الغرابة والخيال وعناصر متناقضة ومتباينة، وهو إخراج بالغ الألفة ولا يحمل جديداً. ويلفى المرء منظراً عريض الإطار مثل مناظر سينما الوسترن يظهر فيه الطيار الأردني في ثياب برتقالية اللون، كأنه يبزغ من الدمار السوري في أسلوب يحاكي الشرائط المصورة. فيمشي خطوات بطيئة، وينظر إلى ما يحيط به من دمار... لكن هذا الرجل يُحرَق حياً بعد لحظات قليلة، وهو يجبر على «أداء» دور في «ديكور» أمكنة يفترض أنه قصفها. وفجأة، تظهر صور مولفة تتوالى سريعاً، وفيها مدنيون سقطوا ضحية قصف، ثم تعود عدسة الكاميرا الموجهة من زوايا متباينة إلى «السجين- الممثل»... والتأثيرات السمعية هي، في آن، سوريالية وبالغة الواقعية. ويرتجى منها بث الخوف في أوصال المشاهد وتسليط الضوء على نهج في فن الإخراج أو بصمة إخراجية. ونرى موضوع الفيلم محاطاً برجال مقنعين ومسلحين. وينتهي التوليف الذي يتنقل بين صور الضحية وقَتَلته المتحمّسين- وكل هذه المشاهد على وقع موسيقى- إلى إضرام النار في قفصه وسط الدمار. فيقع المُشاهد أسيرَ داعش، على نحو ما يقع في أسر أفلام هوليوود وعروضها الكبيرة. والإخراج الداعشي هو أقرب إلى الجيل المعاصر من أعمال تارانتينو وألعاب الفيديو مما هو إلى أعمال سبيلبرغ في «قائمة (أو لائحة) شندلر».
ومشاهد داعش تعبيرية مزخرفة أقرب إلى الـ»باروك» (جمع أشياء متنافرة ومتناقضة)، وهو نهج إخراجي ما بعد حداثي: المصور أو الممثل هو البطل وموضوع الفيلم و»فاعله». وفي شريط فيديو نشر على الويب بعد وقت قليل على نشر فيلم الطيار الأردني، يرى المشاهد شاطئاً انقلب إلى مسرح واسع في ليبيا، ثم يدخل المسرح 21 مصرياً وهم يرتدون أزياء برتقالية فاقعة شأن الطيار الأردني، وجزاروهم الملتفون بالسواد على غرار مقاتلي «النينجا». تنساب عدسة الكاميرا بخفة على وجوه الضحايا وتتنقل بينهم ثم تعلو رؤوسهم. ويبدون كأنهم تمرّنوا على «اللعب» أمام الكاميرا. وحركتها تحاكي نهج «كاميرا أوبسكورا» (المعتمة) في أفلام الرعب وتعيد إنتاج مشهد العودة إلى الأصول على نحو سينمائي مشهود. والحركة هذه دقيقة: فهي تجمع الثبات إلى الحركة، فتتحرك مع حركة الشيء الذي يصور، شأن تلك المستخدمة في تصوير أفلام تعرف بـ»ترافيلينغ»، والنهج هذا هو من ابتكار جيل سبيلبرغ. ثمة مشاهد مصورة بواسطة كاميرا مثبتة على رافعة تحرك عن بُعد تنقل إلى المشاهد رؤى عريضة وضخمة كأنه في عالم مانوي يقسم العالم إلى خير وشر. ومرجع هذا النهج الإخراجي هو أعمال كوانتين تارانتينو، والعلامات كثيرة على ما أسوقه: العدسة من كثب لدى تصوير عمليات الذبح، محاور التصوير المتنوعة والبطيئة التي تسلط على الطيار إذ يتفحم على مرأى منا، وصراخه الذي يختلط بموسيقى حماسية، وخدر نفسي وأخلاقي يلف المشاهد، واحتفاء بالعنف.
وحين بث «داعش» شريطاً يهدد باريس بالدمار في تشرين الثاني (نوفمبر) الأخير، لاحظ مخرج كاليفورني أنه يستعيد كل تفاصيل الشريط الإعلاني الخاص بفيلم تارانتينو «الحاقدون الثمانية». ولا يسعى «داعش» إلى تصوير الفعل الإجرامي بل إلى إنتاج شريط فيديو يشاهده ملايين الأشخاص على يوتيوب وغيره من مواقع الإنترنت، فيشعرون بمتعة العنف والفظاعة. وتستقطب جماليات المغالاة والانتهاك الجمهور نفسه الذي يتوجه إليه تارانتينو وزملاؤه في عالم السينما وألعاب الفيديو، أي المراهقين ومَنْ هم في مرحلة ما بعد المراهقة وما بعد بعدها الذين ينجذبون إلى العنف في ألعاب الفيديو. وهذه الأفلام الداعشية هي أنجع السبل لتجنيد الشباب وتحريض مجتمع الفرجة (المشهد) على نفسه.
وليس عهد «داعش» والحركات الإرهابية بهذه التقنيات التصويرية والإخراجية قديماً. فمشاهد ذبح الصحافي جايمس فولي نفخت الرعب في العالم، وتصدرت صفحات الصحف الأولى، على خلاف صورة قتل الصحافي دانيال بيرل في باكستان عام 2002. وصار «داعش» ينافس مخرجي أو منتجي عالم المشهد والعرض على استقطاب الشباب. فالغرب ينظر إلى العنف على أنه مصدر متعة فحسب. واليوم، يسلط «داعش» عليه سيف العنف وصوره كأفعال انتقام بعيدة من المتعة، وهو يستعيد ما تقصره سذاجة الغرب على عالم الخيال. فيحاكي نهج هوليوود في تصوير العنف محاكاة حرفية تنقل العنف من الخيال إلى الواقع. وقد يختلط الأمر على شاب ضيق الحيلة، فيتصوّر نفسه نجماً في عالم داعشوود يذبح أمام العدسة ويحلم بإخراج مشهد الذبح الإعلامي. والالتباس بين العالمين الهوليوودي والداعشووي مضحك ومبكٍ، ومأسوي. فعلى سبيل المثل، صار المخرج كوانتن تارانتينو الناطق باسم حركة تندد بعنف رجال الشرطة في أميركا. ويؤيد رئيس فرقة «إيغلز أوف ديث ميتال» (نسور الموت)، جيسي هوغز الذي نجا من الاعتداء على مسرح باتاكلان، الحق في حمل السلاح في الولايات المتحدة، ويقول إن «ثقافة البوب (ثقافة الفن الشعبي) حملت إلينا الإنترنت والبورنوغرافيا الجماهيرية وبورنوغرافيا القتل في أعمال تارانتينو».
* مخرج وكاتب أميركي، عن «لوموند» الفرنسية، 19/12/2015، إعداد منال نحاس.