عاجل
المقالات

الانترنت ...ساحة جديده للتجسس الدولي

أخذ الاهتمام العالمي بالبعد الأمني لشبكة الإنترنت يتصاعد بعد أحداث‏11‏ سبتمبر‏2001‏ والحملة الأمريكية علي ما يعرف بالإرهاب الدولي‏,‏ الأمر الذي فرض تحديات جديدة لكل البلدان دون استثناء‏.‏ وقد كشف نجاح استخدام تنظيم القاعدة لشبكة الإنترنت عن مدي قدرة الفاعلين من غير الدول علي التهديد بالتحكم في المعطيات التكنولوجية لخدمة أغراض التنظيم‏.‏ ومن ناحية أخري فجر الطابع الاستخباراتي لشبكة الإنترنت الذي كثيرا ما حاولت الدول الكبري إخفاءه العديد من الأسئلة والمسائل القانونية‏,‏ حيث برز تساؤل مهم يدور حول إن كانت المنظمات‏'‏ الإرهابية‏'‏ وهي محدودة الإمكانيات قد استخدمت الإنترنت علي هذا النحو المذهل من النجاح فما بال الدول ذاتها وما تملكه من أجهزة استخبارات قوية وعلي درجة عالية من التقنية ولديها موارد مالية أكبر؟

 


وقد ظهر دور الإنترنت في الاستخبارات بشكل ملموس في القضية الأخيرة التي أعلنت عنها الأجهزة الأمنية المصرية‏,‏ والمتهم فيها مهندس مصري بالتخابر لصالح الموساد عبر اختراق أنظمة الكمبيوتر لهيئة الطاقة النووية من خلال دس برنامج علي أجهزتها للإطلاع علي المعلومات الخاصة بنشاطها‏,‏ وإنشاء موقع باسم حركي علي البريد الإلكتروني والتراسل منه باستخدام شفرة سرية‏,‏ وليعيد للإذهان ما كشفته صحيفة معاريف الإسرائيلية في أبريل‏2006‏ عن نجاح أحد المهندسين في نقل أسرار منظومة‏'‏ حيتس‏'‏ الصاروخية إلي مخابرات دولة أخري عن طريق اختراق برنامج كمبيوتر رئيسي لتشغيل هذه المنظومة‏.‏ والحالتان تعبران معا عن أثر الإنترنت كبيئة عمل وأداة حرب جديدة ذات تأثير كبير علي تطور منتج وسياسة وأهداف وطريقة عمل أجهزة الاستخبارات الدولية‏.‏

الإنترنت ثورة الاستخبارات
لقد فرضت الثورة التكنولوجية تحديات أمنية علي جميع دول العالم‏,‏ خاصة مع تراجع دور ما يعرف بالقوة الصلبة التقليدية وتصاعد عناصر القوة اللينة‏,‏ فضلا عن اعتماد البنية الأساسية الحرجة في تشغيلها علي شبكة الإنترنت بما فيها قطاع الاتصالات والطاقة إلي خدمات الطوارئ‏,‏ ومن الصفقات المالية إلي العمليات العسكرية والخدمات الحكومية الإلكترونية‏.‏

وفي ظل هذا التطور ظهر مفهوم‏'‏ المخابرات عبر الإنترنت‏,‏ ليعبر عن تحول شبكة المعلومات الدولية إلي مسرح لحرب معلومات من نوع خاص يمزج بين بيئة جديدة وأداة غير تقليدية‏,‏ لاسيما إذا ما تم استخدامها إلي جانب العمليات العسكرية التقليدية‏,‏ أو حتي كسلاح مختار في الصراع بين عناصر ضد عناصر أخري حتي داخل الدولة الواحدة أو ضد قوي خارجية‏,‏ أو حتي استخدام الدول للمنظمات الإرهابية أو أفراد أذكياء ليؤثروا علي مصالح الخصوم‏,‏ وذلك كبديل للحرب التقليدية ضد الدول الأخري والخصوم الآخرين‏,‏ وبذلك تصبح الأهداف السياسية هي الغاية والإنترنت هي الوسيلة‏.‏

ومن المعروف أن الإنترنت وفرت سيلا عالميا للمعلومات لا يقتصر علي وجهة النظر الرسمية للدول والحكومات‏,‏ بل تعدي ذلك لدور الأفراد في إنتاج المعلومات وترويجها‏,‏وفي توافر كم هائل للتحليلات السياسية والاقتصادية‏,‏ وبما جعل الإنترنت ساحة افتراضية هائلة غير محدودة يتم فيها التعبير عن جميع التيارات السياسية والفكرية والدينية‏,‏ فضلا عن وجود الخرائط الفضائية التفصيلية للأرض بما فيها المنشآت المدنية الحيوية والعسكرية‏.‏ وبهذا تحولت الإنترنت لأداة وشبكة عالمية يتعامل معها ما يزيد علي مليار مستخدم حول العالم وما يزيد علي مليون موقع للإنترنت‏,‏ مع رخص التكلفة وسهولة انتقال المعلومات والأخبار عابرة الحدود‏,‏ فضلا عن تجاوز العوائق الأمنية التقليدية‏.‏

وشكل ذلك ثورة معلوماتية هائلة لا حدود لها‏,‏ مادامت عكفت عليها أجهزة الاستخبارات الكبري للحصول عليها أولا‏,‏ والبحث فيها ثانيا وتوظيف نتائجها ثالثا‏,‏ ومن ثم استخدمت إمكانات البحث الهائلة لدي محركات البحث الكبري كجوجل أو ياهو‏,‏ نظرا لما يتمتعان به من قدرات كبيرة وسريعة علي تصنيف المعلومات وتبويبها‏,‏ بل ومعرفة توجهاتها الصديقة أو العدائية‏.‏ وفي إطار عمل الأجهزة الاستخبارية أصبح من الممكن استخدام الإنترنت بما تحمله من إمكانات لتوظيف الألفاظ والصور والتقديرات والايماءات والتحريض والحقائق والأكاذيب‏,‏ وذلك من أجل إلحاق الخسائر المادية والنفسية لدي الخصوم‏,‏ وهو ما يمثل تطبيقا حديثا للمكونات الأساسية الشهيرة لعمل المخابرات وهي جمع المعلومات والاستخبار المضاد والتحليل والتحرك المستتر‏.‏

وفقا لهذا التطور الوظيفي‏,‏ فقد أثرت الإنترنت في عمل المخابرات فيما يتعلق بنوعية منتجها عبر جمع المعلومات ثم استغلالها ليتم بعد ذلك معالجتها وتحليلها‏,‏ وكذلك في السياسة الاستخباراتية ذاتها وتأثيرها علي إدراك سلوك وخيارات الدولة‏,‏ بما يتيح لها وضع خطة منضبطة للتأثير علي الرأي العام وصانعي القرار‏.‏ وفي هذا الإطار أيضا لم تعد مسألة استقطاب المعلومات وتجنيد العملاء أمرا معقدا‏,‏ فبعد أن كان العميل شخصا يتوجب تجنيده بشكل مباشر‏,‏ أصبح يبدو جاهزا وقابلا للاتصال به بطريقه سهلة ومستترة أيضا‏,‏ حيث يجد من يتحاور معه بشكل يمنحه الثقة ويخرجه من بيئته المحيطة بمشاكلها وتعقيداتها ليخرج لعالم أرحب‏,‏ وإلي هوية وانتماء يختارها هو وبشكل يمنحه الحرية النسبية‏.‏

حرب بلا دماء
لقد أصبحت المعلومات في كل مناحي الحياة‏,‏ وليست فقط العسكرية أو الأمنية‏,‏ أداة من أدوات حروب المستقبل وساحة يتصارع فيها الأعداء من الدول والجماعات والأفراد‏,‏ وقوة قومية لصانعي القرار خاصة مع تسارعها وتشابك المجالات المدنية والعسكرية‏,‏ ووجود سوق عالمية مفتوحة للأفكار‏,‏ تتنافس فيها الشركات العالمية والدول للحصول عليها والتي تنفق عليها الكثير لتطويرها‏,‏ وقد تصبح في لمح البصر بإيدي من لا يحق له امتلاكها‏.‏ وفي حرب المعلومات الجديدة لم يعد من الممكن التحكم الكامل في مجالها ومداها ونتائجها‏,‏ وذلك نظرا لعدد أطرافها وصعوبة اكتشاف الهجوم إلا بعد تفاقم الخسائر‏.‏ فكل ما يتطلبه الأمر فقط وجود جهاز كمبيوتر ونقطة اتصال بالإنترنت‏.‏

في ظل هذا التطور غير المسبوق‏,‏ باتت أجهزة الاستخبارات الدولية تستخدم الإنترنت لتحقيق عدة أهداف‏,‏ منها‏:‏

‏1‏ـ الحرب النفسية من خلال نشر معلومات وبيانات مضللة والدعاية والترويج لسياسة الدولة الإعلامية والخارجية بهدف التأثير في الخصم أو الرأي العام الداخلي أو العالمي‏.‏

‏2‏ـ المساعدة في جمع المعلومات والتنقيب عنها الخاصة بالدول أو الجماعات المعارضة في الداخل أو الخارج عبر مواقع المخابرات المباشرة علي الإنترنت أو تبنيها مواقع أخري تقدم لها خدمة المعلومات والتخابر‏,‏ أو أنها تقوم بإنشاء مواقع قد تبدو أنها معادية ولكنها تكون تابعة لها لجذب المؤيدين ومعرفة أفكارهم‏.‏

‏3‏ ـ إنشاء قاعدة بيانات عن الدول والأشخاص الذين قد يكونوا هدفا محتملا لأجهزة الاستخبارات الدولية‏,‏ وذلك بسهولة تقديم إغراءات منح دراسية أو الهجرة خاصة الأشخاص ذوي الكفاءة والخبرة التقنية‏.‏

‏4‏ ـ خلق شبكة عملاء دوليين‏,‏ وإحدي الوسائل المهمة ما يعرف بغرف الدردشة والمراسلات البريدية لتشكل أهم المحاور لأجهزة استقطاب المعلومات واحتفاظ العميل بخصوصيته وسهولة تلقي التحويلات المالية والتدريب عبر الإنترنت‏.‏

‏5‏ ـ تعميم المعلومات وتبادلها بين أجهزة المخابرات داخل الدولة ذاتها أو بينها وبين دول أخري حليفة‏,‏ وهذا ما يساعد علي تقديم خدمة المتابعة والملاحقة والتخطيط والتنسيق‏.‏

‏6‏ ـ عمليات التجسس ببث برامج علي الجهاز في حال اتصاله بشبكة الإنترنت أو بث برامج خفية بمرحلة تصنيع الجهاز ويتم تصديره إلي منشآت حيوية في بلد ما أو التجسس علي الاتصالات البريدية والصوتية عبر الإنترنت‏.‏

‏7‏ ـ شن حرب المعلومات للتأثير علي عمليات التخزين والإدخال والمعالجة والإرسال والتحكم في نظم المعلومات للمنشآت الحيوية والاستراتيجية للطرف المستهدف‏.‏

البقاء للأقوي
لتنفيذ أهداف الدول الكبري في استخدامها للإنترنت انتهجت سياسات ثابتة لدعم التجسس وأنظمته عبر الإنترنت والاتصالات السلكية واللاسلكية والموجات والترددات والأقمار الصناعية‏,‏ وليصبح العالم في حالة انكشاف معلوماتي تستطيع الدول الكبري توظفيها اقتصاديا وسياسيا وعسكريا‏.‏

وقد تناثرت معلومات حول اتفاق سري وشراكة مع موقع جوجل علي الإنترنت لإدارة معلومات العالم لصالح وكالة المخابرات المركزية الأمريكية‏,‏ والذي استخدمته بالفعل في وضع قائمة العقوبات الدولية علي شخصيات إيرانية‏,‏ كما طالبت بريطانيا من موقع جوجل للخرائط إزالة موقع القواعد العسكرية من علي برنامجها خشية تعرضها لهجمات‏,‏ وأنشأت الولايات المتحدة موسوعة علي الإنترنت‏'‏ انتيليبيديا‏'‏ في إبريل‏2006,‏ وذلك لإحداث تغيير جذري في ثقافة أجهزة الاستخبارات الأمريكية بتعميم المعلومات بين أجهزتها‏.‏

ومازالت الولايات المتحدة تحتفظ باحتكار إدارة الإنترنت‏,‏ وتقوم بتوجيه أقمار تجسس لرصد اتصالات الأجهزة السلكية واللاسلكية عن طريق التقاط الإشارات الكهرومغناطيسيه وإرسالها حول العالم لتدخل إلي أجهزة كمبيوتر متطورة لتحليلها‏,‏ ويشارك في عملية الالتقاط هذه مشروع إيشلون بالتعاون مع الولايات المتحدة وبريطانيا ونيوزيلاندا واستراليا وكندا‏_,_‏ كما أن هناك تحالفا استخباراتيا يتكون أعضاؤه من الدول المتحدثة بالإنجليزية يسمي يوكوزا‏(UKUSA),‏ وفي إبريل‏2004‏ قرر الاتحاد الأوروبي إنفاق‏11‏ مليون يورو لتطوير نظم اتصالات مؤمنة وفق مشروع‏'SECOQC'‏ وهو نظام يعتقد أنه لا يمكن اختراقه من أي برامج تنصت أو تجسس في العالم‏.‏

وفي فبراير‏2005‏ قامت اجهزة لاستخبارات الامريكية باجراء‏'‏مناورة الكترونية‏'‏ سميت بالعاصفة الافتراضية‏'CyberStorm'‏ ووضعت البني التحتية الحيوية لمحاكاة هجوم الكتروني‏,‏ وتقوم كل من الصين وروسيا بفحص شامل للأجهزة الإلكترونية المستوردة من الولايات المتحدة أو من حلفائها قبل دخولها أراضيها وذلك منعا لمحاولات التجسس أو إرسال رسائل مشفرة إلي مصدر استخباراتي معاد‏.‏

وقامت إسرائيل بتأسيس مكتب المخابرات عبر الإنترنت عام‏2001‏ بالتعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لاستقطاب شباب العالم الثالث‏,‏ حيث تم تقسيم هذه العملية إلي عدة محاور منها محور الصراع مع إسرائيل ومحور العداء لأمريكا في أمريكا اللاتينية‏,‏ والتعاون عبر الأقمار الصناعية والمواقع البريدية وغرف الدردشة وتجنيد عملاء الإنترنت‏,‏ وهم من أهم الركائز الإعلامية لأجهزة المخابرات الإسرائيلية والأمريكية‏.‏

ويطرح ذلك عددا من التحديات الخاصة بإمكانية التعرض لحرب معلومات خاصة أن الطرف الأقوي له ميزة الضربة الأولي‏,‏ حيث يأتي الضعيف دائما متأخرا‏,‏ وهذا ما يستلزم وجود متطلبات وشروط الأمن الرقمي ليدخل ضمن الأمن القومي للبلد في مفهومه الشامل‏,‏ وضرورة انتهاج سياسة وطنية لأمن المعلومات بعد تحديد مصادر وأشكال الخطر التي تهدد البنية التحتية للمعلومات‏,‏ والتي لم تعد مقصورة علي الأشكال التقليدية‏,‏ بل أصبح لها اوجه رقميه الكترونية غير مسبوقة في شمولها وعمقها واختلافها واتساع نطاق تغطيتها‏,‏ فضلا عن فداحة أضرارها وذكاء منفذيها وتعقد آلياتها وتواصل هجماتها‏.‏
المصدر جريدة الاهرام
5مايو 2007

طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك