المقالات
كيف تكون عضوا في مجتمع عصر المعلومات
قبل أن نتكلم عن الأشكال الجديدة المطروحة للعملية التعليمية في عصر المعلومات، سنبدأ بذكر المواصفات المطلوبة في إنسان مجتمع المعلومات، والتي تجعله متوافقاً مع متطل
بقلم : راجي عنايت (كاتب صحفي مصري)
السبت,19 مايو 2012 - 04:37 م
مشاهدات: 1
قبل أن نتكلم عن الأشكال الجديدة المطروحة للعملية التعليمية في عصر المعلومات، سنبدأ بذكر المواصفات المطلوبة في إنسان مجتمع المعلومات، والتي تجعله متوافقاً مع متطلبات ذلك المجتمع، ثم نطرح أفكاراً حول طبيعة العملية التعليمية التي يمكن أن تحقق تلك المواصفات. صفات إنسان مجتمع المعلومات التي نستمدها من طبيعة العمل والحياة فيه، هي: متفرد وغير نمطي نتيجة للتحول من النمطية، وتعميم التوحيد القياسي على البشر، إلى التنوع والتباين في ذوات البشر بسبب تدفق المعلومات والمعارف، فإن إنسان مجتمع المعلومات تختلف صورته عن إنسان مجتمع الصناعة، الذي كان خاضعاً للنمطية والقولبة التي يفرضها المجتمع الصناعي. صالح للعمل الصناعي مجتمع المعلومات يستفيد أكثر من الإنسان الحريص على ذاته، الذي لا يرضى أن يكون صورة مكررة من الآخرين. هو الذي ينفتح على سيل المعلومات والمعارف المتدفق عليه، ويكون قادراً على التعامل مع التكنولوجيات المعلوماتية التي تساعده على الاستفادة من هذه المعلومات والمعارف، مستعدا للتفاعل مع المعلومات التي يستخلصها. ممارس للتفكير الناقد نتيجة لتسارع تدفق المعلومات، وتطور التكنولوجيات المتعاملة معها، سيصبح من الضروري لإنسان المستقبل أن يعيد النظر- دائماً- فيما استقر عليه رأيه من قبل. لأن حقائق الحياة تتغير بما يستجد من معلومات ومعارف. وأهم عناصر التفكير الناقد هي: أ) التعرف بوضوح على الافتراضات والمسلمات التي تقوم عليها الأفكار الحالية، ثم اختبار سلامتها وصلاحيتها بالنسبة للظروف المستجدة. ب) الانتباه إلى السياق الذي تنبع منه مجموعة الأفكار والقيم السائدة في الحياة، فالإنسان كثيراً ما يتبنى بعض الأفكار الشائعة دون أن يحاول التعرف على مصدرها والظروف التي نبعت منها، أو التثبت من مدى توافقها مع الظروف الحالية. ج) محاولة تخيل واستكشاف بدائل جديدة للسياق الذي يسيطر على حياته. ثم اكتشاف أكثر من منطلق جديد للعلاقات الشخصية والعملية والسياسية، حتى لو كانت البدائل الجديدة متناقضة مع ما يسود حياته الحالية. د) ممارسة ما يطلق عليه «التشكك التأملي»، والذي يقتضي تأمل المألوف والتفكير فيه، وإلقاء نظرة جديدة عليه. فطول التعلق بفكرة معينة، وكثرة عدد المطمئنين إليها، لا يعني أنها الأنسب للجميع على مدى الزمن. قادر على التعليم الدائم والذاتي والشامل إنسان مجتمع المعلومات يؤمن بأن الحياة عبارة عن سلسلة متعاقبة من التعليم والتدريب والعمل، ثم إعادة التدريب والتلقي. وستتوقف فرص العمل، وفرص الحصول على المزايا الأوفر، على مدى تطبيق ذلك. كذلك، على إنسان مجتمع المعلومات أن يكون- في الوقت نفسه- معتمداً على نفسه في ملاحقة المعلومات والمعارف المستجدة، متزوداً منها بأكبر قدر تسمح له به قدراته الشخصية. سبيله إلى ذلك، سيكون برامج الكمبيوتر المتخصصة، والكمبيوتر المنزلي المتصل بمخازن المعلومات المتجددة، عن طريق الكابل وشبكات الإنترنت. وبحكم انقضاء المفهوم الضيق للتخصص الذي شاع في المجتمعات الصناعية، وبحكم التغيرات الجذرية في مجال المعلومات والمعارف التي تسقط علوماً بأكملها، وتقيم علوماً جديدة في مكانها، وفي مجال العمل نتيجة للتطورات التكنولوجية، مما يقضي على صناعات بأكملها وبزوغ صناعات جديدة غير مسبوقة. بحكم هذا كله، يجب أن يكون إنسان المستقبل شمولياً في معارفه، مستعداً للتحول من تخصص إلى آخر، متجاوزاً في خبراته ومعارفه التخصص الضيق المحدود. مبدع مبتكر مع انقضاء العمل اليدوي أو العضلي، الجزئي المتكرر، الذي كان شائعاً في عصر الصناعة، ومع تولي التكنولوجيات الإلكترونية الحديثة من كمبيوتر وإنسان آلي ونظم التسيير الذاتي لأمر ذلك النوع من العمل في المصانع والمكاتب، بشكل أكثر دقة وكفاءة من الإنسان، وأوفر من الناحية الاقتصادية.. مع هذا كله، آن للإنسان أن يتحرر من سيطرة ذلك العمل الممل الباعث على السأم، الذي لا يقتضي تشغيل العقل. هذا، بالإضافة إلى أن الأعمال والصناعات والخدمات السائدة في مجتمع المعلومات، تعتمد جميعها على العمل العقلي. لهذا، فلابد لإنسان مجتمع المعلومات أن يكون قادراً على الإبداع والابتكار. لن يكون مطلوباً منه أن يستسلم ويطيع وينخرط بطريقة آلية في النظام المفروض عليه، بل يطلب منه أن يفكر ويتصور ويبتكر أشكالاً وأهدافاً جديدة لعمله. وعلى قدر إمكاناته في الإبداع والابتكار، ستتحدد مكانته، والفرص والمزايا التي تتوفر له. معتز بعقيدته، محترم لعقائد الآخرين في إطار التنوع الشديد الذي يطرأ على البشر، لا يخجل إنسان مجتمع المعلومات من أفكاره وعقائده، النابعة من حصيلة تفكيره الناقد. فيكون متمسكاً ومعتزاً باختلافه عن الآخرين، فاهماً أن اختلافه عن الآخريـن يضيف إلى رصيده، حتى لو كـان بذلك ينتمي إلى أقلية. وهو يؤمــن أن اختلافه عن الآخريـــــن، هو مصدر ثـــراء معلوماتـــــي، لــه وللآخريــن. التعليم في عصر المعلومات من واقع صفات إنسان مجتمع المعلومات، يمكننا أن نتصور إطار العملية التعليمية التي توفر الأجيال المتوافقة مع طبيعة مجتمع المعلومات ومصالحه. وسنكتشف أنها تختلف كثيراً عن النظم التعليمية التي شاعت في عصر الصناعة، بل وتتناقض معها. وقبل أن نطرح عناصر التعليم الجديدة، يهمنا أن نشير إلى حقيقة تتصل بالتطبيق. ذلك لأن إعادة بناء العملية التعليمية يجب أن يتم من خلال استراتيجية عامة لإعادة بناء جميع مجالات النشاط البشري الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والسياسية والثقافية، استراتيجية- أو استراتيجيات- تتبع الرؤية المستقبلية الشاملة لمجتمع المعلومات. وفيما يلي نستعرض أهم عناصر البنية التعليمية الجديدة: بيئة تعليمية جديدة: من أهم التحولات التي ستطرأ على التعليم، انتزاعه من المحاذير التقليدية للمدرسة، فالبيئة التعليمية الحالية المغلقة ستتحول إلى بيئة تعليمية مفتوحة، تعتمد على شبكات المعرفة الإلكترونية، التي تعطي أهمية أكبر للقدرات الشخصية. يتم هذا من خلال النظام المعلوماتي الاجتماعي الجديد، الذي يستثمر شبكات الكمبيوتر في العديد من المجالات الاجتماعية. البيئة التعليمية الجديدة تنهي احتكار المدرسة للعملية التعليمية، وتفتح الباب واسعاً أمام ممارسة التعليم في البيوت، وفي المؤسسات الإنتاجية والاقتصادية التي ستتكفل بتعليم العاملين فيها بكل الخبرات والمهارات المستحدثة، والضرورية لتطوير العمل اقتصادياً. التعليم الشخصي: إدخال نمط التعليم الشخصي، الذي يتفق مع قابلية كل فرد وقدرته. فالنظام التقليدي للتعليم الجماعي، النابع من عقلية عصر الصناعة وحاجاته، يحل محله نظام جديد يدخل في اعتباره قدرة الفرد واختياراته. ويتم هذا من خلال برامج تعليمية تناسب مختلف مستويات التحصيل الدراسي، مع تنوع واسع في فرص التعليم. ففي مكان نظام التعليم الحالي، الذي يجري تقسيمه على أساس الأعمال، يقوم نظام جديد يسمح لقدرات الأفراد بالتحرك إلى مستويات متقدمة، بصرف النظر عن العمر. كذلك، يدخل هذا النظام في اعتباره الاستعداد الشخصي للدارس.. هل يستفيد بالوجود ضمن مجموعة صغيرة، أم فصل كبير العدد؟.. وهل يستفيد من دراسته بمفرده أم بصحبة الزملاء؟.. هل يفضـل الاعتماد على القراءة والدروس والمحاضــرات، أم يفضـــل الاعتماد علــى برامـــج الكمبيوتـــر؟ هذا النظــام يدخــل في اعتبـــاره مــدى الإشراف الذي يحتاج إليــه التلميــــذ. التعليم الذاتي: سيصبح نظام التعليم الذاتي، الشكل السائد والرائد في التعليم، بالنسبة للصغار والكبار، اعتماداً على الكمبيوتر المنزلي، أو على أجهزة الكمبيوتر التي في مقار الدراسة والتدريب. المهم، هو أن الإنسان سيصبح في مجال التعليم معتمداً على نفسه أساساً. تعليم مبتكر للمعرفة: في المجتمع الصناعي، استهدف التعليم حشو رؤوس الطلبة بشتات من المعلومات وتدريبهم على بعض التقنيات. ومع تطور الكمبيوتر، وقدرته على توفير المعلومات المطلوبة، بشكل محدد وفي الوقت المحدد، دون ما حاجة إلى استذكارها، فإن النظام التعليمي الجديد يستهدف ابتكار المعارف والتدريب المتواصل. ففي مجتمع المعلومات تصل القيمة المعرفية إلى أرفع مستوياتها. التعليم على مدى الحياة: اعتمدت نظم التعليم التقليدية على تعليم إجباري يلتزم به الصغار، بالإضافة إلى فرص أقل للتعليم الأعلى والحرفي، تتاح لمتوسطي القدرة بعد انتهاء التعليم الإجباري، وكان التعليم ينتهي- عادة- بالحصول على شهادة إتمام الدراسة، التي تؤهل لدخول الوظائف ومجالات العمل. ومع تسارع المعلومات وتوالد المعارف وتلاحق التكنولوجيات المتطورة، لم يعد من الممكن الأخذ بذلك النظام. فتبلورت صورة جديدة للتعليم، تجعله عملية ممتدة على مدى الحياة، من المهد إلى اللحد. فانتقال الفرد من إحدى مراحل التعليم إلى العمل، لا يعني عدم حاجته إلى تجديد وتعديل معلوماته ومعارفه، وفقاً لما استجد. وهذا يعني أن حيـــاة الفرد ستكون سلسلة متعاقبة من عمليات التعلــيــم والعمــل والتدريب، وإعــادة التدريـب. http://arabcin.net/modules.php?name=News&file=article&sid=1100