الأخبار
آلات الذكاء الاصطناعي تدخل علوم الاجتماع وتفككها
في السنة الماضية، توّج أحد النزاعات المديدة على الإنترنت بأن أقرّ «فايسبوك»، الموقع الأكثر شعبيّة للتواصل الرقمي الاجتماعي، بـ «الحق في النسيان». نعم.
غسان مراد
الإثنين,22 فبراير 2016 - 11:34 ص
مشاهدات: 288
لا تكون حياة الانسان سهلة إذا وُجد ملف يحتوي على أدق التفاصيل عنه، بما في ذلك آراءه وانفعالاته ونقاشاته، عبر حياته كلها. في القلب من ميّزات الكائن الإنساني أنه ينسى طبيعيّاً أشياء وأشياء، ربما كانت لتثقل حياته لو أنها لم تسقط، كحمولة زائدة. يعني الحق في النسيان حق الأفراد في أن يحذفوا نهائيّاً كل الأشياء التي لم يعودوا يريدون أن تُعرَف عنهم، كل الشخصيات التي يسعون إلى إخراجها من حياتهم وكل الآراء التي ما عادت تعني لهم شيئاً. في الوضع السابق، كان مجرد تقليب صفحات المرء في «فايسبوك» تساوي قراءة حياته كلها. ألا يستطيع الإنسان أن يحمي حياته أيضاً؟ لتلك الأسباب، وأخرى كثيرة، سعى ناشطون عبر العالم كي يقبل «فايسبوك» بحق الأفراد في شطب المعلومات التي لا يريدون أن تبقى على صفحاتهم في شبكات الـ «سوشال ميديا». للأسف، خيضت تلك «المعركة» في الغرب وبعض دول أميركا اللاتينيّة، منذ بضع سنوات، واعتبرت جزءاً من الدفاع عن حقوق المواطن الشبكيّة. ولم يلتفت العالم العربي إليها. هناك شكوك حول حصول المواطن العربي عموماً على حقوقه الفعليّة، فكيف الحال بالنسبة إلى حقوقه الشبكيّة؟ ألا يريد المواطن أن تنساه أجهزة الأمن والمراقبة والتحقيق والتدقيق وغيرها؟ ألا يرى أن من حقه أن لا تكون الإنترنت ملفاً آخر يضاف إلى الملفات التي «تبرع» الأجهزة الأمنية في مراكمتها في دهاليزها؟ أيّاً كانت الإجابة، فلا زال صوت الدفاع عن الحقوق الشبكيّة للفرد العربي واهناً تماماً.
غزو حياة الأفراد
بالعودة إلى الغرب، تعطي النشاطات المرتبطة بالدفاع عن الحقوق الإلكترونيّة للمواطن المعاصر نموذجاً آخر عن الأهمية الفائقة التي تحتلها المعلومات في الأزمنة المعاصرة. هناك أبعاد كثيرة للمعلومات في عصر الكومبيوتر والشبكات. في أحد تلك الأبعاد، يمكن الحديث حتى عن ظهور علوم تدرس الكائن البشري ومجتمعاته، انطلاقاً من المعلومات المتراكمة على الشبكات الرقميّة. يسمّى ذلك «علم الاجتماع الحـــاســــوبـــــي» Computational Social Science، وهو فرع من العلوم الاجتماعيّة يعمل باستخدام المقاربات الحاسوبيّة. إذ تتولّى الآلات الذكيّة صنع نماذج متكاملة عن المجتمعات الإنسانيّة، ثم تحلّلها وترصد ميزاتها. ولا يمكن فعل أيّ من تلك الأمور من دون المادة الأساسيّة لها: المعلومات.
في نموذج عملي، استخدمت احدى شبكات التسويق الأميركية سجلات «فايسبوك» للتعرف على النساء الحوامل، ثم أرسلت عروضاً موجهة تتضمن قسائم للحصول على أنواع معيّنة من الفيتامينات تؤخذ قبل دخول الأنثى تجربة الولادة والأمومة، إضافة إلى الترويج لأنواع من الملابس التي يمكن أن تكون ملائمة للمولود الجديد وغيرها. ولكن ذلك ربما يؤدي أيضاً إلى نتائج مأساوية، نتيجة الكشف عن معلومات تعتبر أسراراً عائليّة في بعض الثقافات، بل ربما اعتبرت التداول في تلك الأمور أمراً غير مقبول اجتماعيّاً. بعبارة اخرى، من شأن ذلك «الغزو» للمعلومات الشخصيّة بهدف تحسين المنتجات والخدمات، أن يؤدّي أيضاً إلى أمور خطيرة في مجال الخصوصيّة الفرديّة.
علاوة على ذلك، توفّر السجلات الرقميّة عن سلوك الفرد وسيلة سهلة وموثوقة لقياس الصفات النفسيّة، وربما يكون التقييم الآلي المستند إلى عيّنات كبيرة عن السلوكات الشخصيّة، أكثر دقة وأقل عرضة للغش والتحريف من متابعة الحالات الفرديّة، بل ربما يتيح أيضاً التوصّل إلى تقييم يستمر عبر فترة من الزمن مع اكتشاف الاتجاهات السلوكيّة التي تتولّد عبر تلك المراقبة. انطلاقاً من ذلك، يمكن القول أيضاً أن الاستدلال إلى أساس الملاحظات للسلوكات المسجلة رقمياً من شأنه أن يفتح أبواباً جديدة من بحوث علم النفس البشري.
«أنت»... حتى من دون موافقتك!
من ناحية أخرى، ثمة خشية من أن تؤدي قدرة الآلات الذكيّة على توقّع الصفات الفرديّة والسلوكيّة استناداً إلى السجلات الرقميّة، إلى انعكاسات سلبيّة كبيرة. إذ يمكن تطبيق ذلك النوع من الدراسات المؤتمتة على أعداد كبيرة من البشر، من دون الخوض في عناء الحصول على موافقتهم الفردية، بل من دون أن يلاحظوا هم أنفسهم أنهم باتوا موضع دراسة ومراقبة وتدقيق!
كما يمكن للشركات التجاريّة والمؤسّسات الحكوميّة والخاصة، استخدام برمجيات «تحصد» المعلومات من صفحات «فايسبوك» لاستنتاج صفات كالذكاء، والميول الجنسيّة والآراء السياسيّة لأي فرد من دون إرادة منه على الإطلاق.
واستطراداً، تستطيع الشركات التي تعتمد على تلك المعلومات أن تلجأ إلى استخدام سجلات الجمهور للتعرف على أوضاعهم الحياتيّة والنفسيّة والاجتماعيّة. ومن الممكن تصوّر أن حالات تصبح فيها تلك التوقّعات، خصوصاً عندما تكون غير دقيقة وصحيحة، خطراً على رفاهية الفرد وحريّته و...حياته أيضاً. الأهم من ذلك، نظراً إلى الكمية المتزايدة من الآثار الرقميّة التي تتركها الناس وراءهم، يصبح من الصعب على الأفراد التستر على ما لا يرغبون في كشفهم من صفاتهم. ومثلاً، ربما يكون عدم التعبير عن الميول السياسية في شكل صريح، أمراً غير كاف لمنع الآلات الذكيّة (بالأحرى، المؤسّسات الأمنيّة التي تستخدمها) من اكتشاف تلك الميول.
هل تؤثر كل تلك البرمجيات التي يتعرض لها الجمهور من دون علم منه، في تجربة الناس في عوالم التقنيات الرقميّة؟ ماذا لو أدى الأمر لاحقاً إلى انخفاض منسوب ثقتهم في الخدمات عبر الإنترنت، أو أبعدهم تماماً عن مجرد استخدام التكنولوجيا الرقميّة؟ لذا، يفترض بالأطراف الفاعلة في البيئة الرقميّة تزويد الجمهور بالمعلومات الكافية التي تمكنهم من حماية معلوماتهم الشخصيّة، عبر آليات تكون لها صفة الشفافيّة المطلقة، وكذلك إعطاؤهم إمكان السيطرة على ملفاتهم الفردية، بمعنى ألا تضيع الحياة الشخصيّة في لعبة التوازن «الجاسوسي» بين وعود العصر الرقمي وأخطاره.
في المقلب الآخر من المشهد ذاته، نجد أن شركات الإنترنت تعمد إلى استخدام طرق لا حصر لها بهدف رفع نسبة عدد محبي صفحات معينة، بهدف استخدام تلك الصفحات في الإعلان عن البضائع والخدمات والترويج لها أيضاً.
في ذلك السياق، أجرى فريق بحثي من جامعة «برونيل» البريطانية دراسة حول ما يمكن استخلاصه من التحديثات للمعلومات الشخصيّة المكتوبة في صفحات «فايسبوك». وارتكزت الدراسة على قرابة 600 صفحة في ذلك الموقع، أجاب أصحابها عن أسئلة تتعلق بحياتهم العاطفيّة والانفعاليّة ومدى الثقة بالنفس وغيرها. وأثبت الباحثون أنّ الذين ينشرون أخباراً أو صوراً تتعلق بنشاطاتهم وإنجازاتهم هم نرجسيّون. ورأوا أن صفة النرجسيّة تنطبق أيضاً على الأشخاص الذين يرصدون دائماً تعليقات أصدقائهم ليسمعوا إطراءات ويحصلوا على «لايكات» وتعليقات ترفع لهم مستوى الذات، بل يعتبرون أن تلك الكتابات تشكّل مكافأة لهم.