كما أن صناعة الفضاء ليست بالحديثة، فهي صناعة عمرها أكثر من نصف قرن، بدأت بإطلاقأولقمراصطناعي "سبوتنيك" (Sputnik) منالاتحادالسوفياتيفيعام 1957، وشهدت تطوراً مستمراً، حتى وصل عدد الأقمار الصناعية التي تم إطلاقها حتى نهاية أغسطس هذا العام 7120 قمراً، منها 4077 قمراً تدور حول الأرض، أما باقي الأقمار الصناعية الأخرى فقد تم انتشال 1329 قمراً بعد انتهاء خدمته، وسقط 1539 قمراً، وخرج عن مداره 175 قمراً.
فهل من الممكن أن يعاني الفضاء الخارجي في المستقبل القريب من مشكلة ازدحام بسبب تكدس المدارات حول الأرض بالأقمار الصناعية الصغيرة والمتوسطة والعملاقة الحجم؟ وهل يمكن أن يبدأ الصراع بين الدول والشركات لحجز مكانها في الفضاء؟ وما هو سبب اتجاه شركات مثل جوجل وفيس بوك لغزو الفضاء؟ وهل تحقق هذه الصناعة عوائدها المالية أم أنها مجرد أموال تسبح في الفضاء الخارجي؟
§ من غزو الفضاء إلى احتلال الفضاء:
بدأ إطلاق الأقمار الصناعية وغزو الفضاء بعد تطور عدة تقنيات، ساهمت فيها الحرب العالمية الثانية، وبصفة خاصة الصواريخ والردارات، فالصواريخ هي أداة وضع القمر الصناعي في مداره، والردار هو جهاز تعقبه الرئيسي، كما أن التطور في الحاسب الألي وأنظمة الاتصالات ساهم في تطور هذه الصناعة.
وبالرغم من أن العقد الأول من تاريخ اكتشاف الفضاء اقتصر على القطبين العملاقين آنذاك، الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، إلا أنه بفضل التطور التكنولوجي دخلت عديد من الدول هذا المجال، ولم تعد تكنولوجيا تصنيع وإطلاق الأقمار الصناعية قاصرة على القطبين الكبيرين فقط، بل أصبح هناك دول أخرى مثل وفرنسا، وبريطانيا، واليابان، والصين، والهند، وكوريا الجنوبية، وإيران، وإسرائيل قادرة على تصنيع وإطلاق أقمار صناعية.
من بين 4077 قمراً يدور حول الأرض، فقط منها 1305 هي التي في الخدمة، أما باقي الأقمار والبالغ عددها 2772 فهي قطع خردة تسبح في الفضاء الخارجي، وتستحوذ الولايات المتحدة الأمريكية على نصيب الأسد منها بإجمالي 549 قمراً، يليها الصين بإجمالي 142 قمراً، ثم روسيا بإجمالي 131 قمراً صناعياً.
§ صناعة الفضاء ..قاطر نمو الصناعات الأخرى:
إن تبني هذا النوع من الصناعات من شأنه تحفيز النشاط الاقتصادي والصناعي والتعليمي داخل الدولة، والارتقاء بالمهارات الفردية والجماعية للمصنّعين، حيث أنها تشمل كافة الفاعلين سواء كانوا من القطاع العام أو القطاع الخاص، المسئولين عن، والمشاركين في، عملية ابتكار وتطوير وإمداد المنتجات والخدمات المتعلقة بالفضاء الخارجي للمستهلك النهائي، بما لها من دور كبير في تحقيق التنمية المستدامة داخل الدولة، من خلال تأثيرها على ثلاثة قطاعات هامة ورئيسية تتمثل في جودة التعليم، مهارات القوة العاملة، وكفاءة التصنيع، فضلاً عن أنها صناعة ليست مستقلة بذاتها مثل غيرها من الصناعات كالحديد والصلب أو الأسمدة أو الكيماويات أو الشرائح الذكية،بل تعتمد على غيرها من الصناعات مثل النقل والمواصلات والاتصالات وخدمات الانترنت والصحة والزراعة والطاقة، فهي من الصناعات العملاقة، التي تعتمد عليها وتغزيها قطاعات صناعية واقتصادية أخرى.
فصناعة الفضاء سلسلة متصلة تتكون من حلقات ترتبط ببعضها البعض، تبدأ من المدارس والجامعات التي تهتم بتطوير مهارات العلوم والرياضيات لطلابها، ثم تطوير صناعة الصواريخ والمركبات الفضائية، مروراً بالبنية التحتية والتكنولوجية المؤهلة لعملية إطلاق وتشغيل وإدارة الأقمار الصناعية،نهاية بإمداد رواد الفضاء بالمعدات والأدوات اللازمة لكي تمكنهم من إجراء تجاربهم لاستكشاف الفضاء، وتزويدهم بالغذاء والطعام الذي يمكنهم من البقاء أحياء.
وتتكون صناعة الفضاء من ثلاث صناعات رئيسية، هي صناعة الأقمار الصناعية وتمثل 63% من صناعة الفضاء بعوائد مالية بلغت 203 مليار دولار عام 2014، ثمقطاع الصناعات الأرضية والتي تشمل محطات الارسال والاستقبال ومعدات الإدارة والتشغيل والتحكم، وأخيراً قطاع الإطلاق والمحطات الأرضية والذي يشمل الصواريخ ومعدات إطلاق المركبات والأقمار الصناعية إلى الفضاء الخارجي.
وتعتبر صناعة الفضاء أحد الصناعات العملاقة، التي تعتمد عليها صناعات أخرى، فتطوير هذه الصناعة من شأنه أن ينعكس على الصناعات الأخرى المكملة والمرتبطة بها، والتي يمكن أن يستفاد من منتجاتها ملايين من البشر على كوكب الأرض، فمن نظم الطيران والاتصالات والملاحة وتحديد المواقع، إلى الانسان الآلي والطائرات بدون طيار والمركبات الآلية، إلى نظم توليد الطاقة وتخزينها ومواد الطلاء والكمياويات وأساليب الزراعة، نجد أن صناعة الفضاء كانت قاطرة نمو ومحرك رئيسي لتطوير هذه الصناعات التي التجارية.
§ مبادرة ناسا .. هل ستغير شكل الصناعات التقليدية؟
يمكن أن يتضح كيف تؤثر صناعة الفضاء على غيرها من الصناعات الأخرى من خلال معرفة المجالات التي حصلت فيها ناسا على براءات الاختراع، وذلك من خلال المبادرة التي أطلقتها ناسا في شهر أكتوبر 2015، والتي أعلنها عنها ديفيد ميلر – مدير التكنولوجيا بوكالة الفضاء الأمريكية ناسا - هذه المبادرة تقضي بالإفراج عن أكثر من 1200 براءة اختراع من التي تملكها ناسا للشركات التكنولوجية الناشئة، وهو ما سيؤدي إلى اختراع منتجات جديدة وتقديم خدمات لم تقدم من قبل.
وقد وضعت ناسا تصنيف لبراءات الاختراع الـ 1200 في 15 فئة كل فئة تتضمن عدد من المجالات العلمية يمكن توضيحها في التالي:
1. علم الطيرانAeronautics
2. الاتصالاتCommunications
3. الالكترونيات Electrical and Electronics
4. البيئة Environment
5. الصحة والطب والبيوتكنولوجيHealth, Medicine and Biotechnology
6. تكنولوجيا المعلومات والتطبيقات Information Technology and Software
7. الأجهزة Instrumentation
8. التصنيع Manufacturing
9. تكنولوجيا المواد والطلاء Materials and Coatings
10. الأنظمةالميكانيكيةوالموائع Mechanical and Fluid Systems
11. البصريات Optics
12. توليد الطاقة والتخزين Power Generation and Storage
13. الدفع Propulsion
14. الروبوتات والأتمتة والتحكم Robotics, Automation and Control
15. أجهزة الاستشعار Sensors
ولعل أبرز ما تضمنه بيان ديفيد ميلر بخصوص براءات الاختراع التي سيتم الافراج عنها، أن بعضها سيكون:
§ روبوت Robonaut 2:
حيث طور علماء من ناسا روبوت يدعى Robonaut 2 وهو قادر على التعامل مع الحالات الطبية الحرجة، حيث يمكن استخدامه داخل المستشفيات، وفي الرعاية الطبية داخل المنزل، وفي حالات إعادة التأهيل الطبي، وفي إجراء العمليات الجراحية عن بعد من خلال تحكم طبيب مختص، وكذلك في التواصل بين الأطباء عن بعد خلال إجراء العمليات الجراحية، ولعل الميزة الرئيسية لهذا الروبوت هو قدرته على التعامل مع الحالات المرضية التيتحمل وباء أو عدوى قاتلة.

§ شعلة الليزر اليدوية:
وهي عبارة عن شعلة يدوية في حجم القلم، وظيفتها هي استخدام الليزر في لحام المعادن وإجراء الإصلاحات في المناطق الصعبة التي يتعذر الوصول إليها داخل محركات المكوك الفضائي، وذلك من خلال تسليط شعاع ليزر على المنطقة المرجو تصليحها، كما تمنح هذه الشعلة صلاحيات ضبط قوة الشعاع وحجمه وكمية الطاقة المنتجة يدوياً. ولعل طرح هذه الشعلة للاستخدام التجاري من شأنه تغيير كثير من مفاهيم وأدوات اللحام في التقليدية، بل يمكن أن يتم استخدامها في الأغراض الشخصية، بصورة قد تكون لها مميزات لصالح الأفراد أو عيوب قاتلة تتطلب تقنين استخدام هذه الشعلة.

§ طائرة بدون طيار:
طورت ناسا طائرة بدون طيار لديها القدرة على التحليق لمسافات مرتفعة تصل إلى 100 ألف قدم فوق سطح البحر، بالإضافة إلى قدرتها على العمل في الظروف الجوية الصعبة، فضلاً عما تمتاز به الطائرة من إمكانية طيها لتصبح صغيرة الحجم وإعادة إطلاقها من أماكن أو طائرات أخرى.

وقد حددت المبادرة عدة محددات رئيسية للشركات التي من الممكن أن تحصل على براءات الاختراع وهي:
- هذه المبادرة مطروحة فقط للشركات التي تعمل في الولايات المتحدة الأمريكية.
- هذه المبادرة متاحة فقط للشركات التي حصلت على ترخيص لتسويق تكنولوجيا وكالة الفضاء الأمريكية ناسا.
- تتنازل ناسا عن أي رسوم خاصة بتسجيل ببراءات الاختراع ولن تحصل على أي رسوم لأول ثلاث سنوات من الحصول على براءة الاختراع.
- بمجرد أن تبدأ الشركة في بيع منتجاتها المطورة بناء على براءة الاختراع، تحصل ناسا على جزء من الربح، هذا الربح يكون جزء منه للمخترع الأصلي، وجزء للصرف على مشروعات الوكالة التكنولوجية.
- براءات الاختراع المطروحة ليست حصرية، مما يعني أنه يمكن لأكثر من شركة الحصول على براءة الاختراع، إلا أنه يمكن التفاوض مع الشركات على بعض براءات الاختراع.
- الشركات التي تحصل على براءات الاختراع تلتزم بالقانون الاتحادي وبالسياسات التي تضعها وكالة ناسا، بما في ذلك خطط التسويق، والابلاغ عن الجهود المبذولة للتطبيق العملي لبراءات الاختراع.
هل تحقق صناعة الفضاء عائدها الاقتصادي:
إذا كانت صناعات الفضاء من الصناعات المكلفة مادياً، والتي ترهق ميزانية الدولة، بل أن بعض الدول التي تعاني من عجز في ميزانياتها تصر على ضمان استمرار الانفاق على صناعة الفضاء، فهل تحقق عائدها الاقتصادي؟ أم أنها مجرد أموال يتم ضخها في فراغ غير محدود من النجوم والكواكب؟
في الحقيقة فإن صناعة الفضاء استطاعت أن تصبح من الصناعات سريعة النمو بما تحققه من عوائد مالية، ليس فقط باعتبارها مغذية ومصدر رئيسي لعدد كبير من الصناعات، ولكن أيضاً بفضل الاعتماد على الأقمار الصناعية في تقديم العديد من الخدمات الرئيسية مثل إدارة النظم والسدود المائية، وإدارة المحطات الكهربائية، والتنبؤ بحالة الطقس والكوارث الطبيعية، دراسات التغير المناخي، الكشف عن المياه الجوفية في الصحراء، رسم صور وخرائط طبوغرافية، مراقبة الحدود والمناطق العسكرية، رصد ومراقبة الغلاف الجوي للدولة، بخلاف استخداماتها الإعلامية في مجال البث الفضائي للقنوات التليفزيونية، وتقديم خدمات الانترنت والاتصالات الهاتفية وغيرها من الخدمات الغير محدودة.
ويعتبر عام 2014 هو عام الازدهار بالنسبة لصناعة الفضاء، وذلك من خلال زيادة الإنفاق على صناعة معدات الفضاء والأقمار الصناعية، وزيادة الخدمات والتطبيقات التي يتم تقديمها من خلالها، والتوسع الحكومي في مجال استكشاف الفضاء، وزيادة الانفاق العسكري على هذا المجال، حتى وصلت نسبة النمو إلى 9% بما يعادل 330 مليار دولار على مستوى العالم.
ويعتبر القطاع التجاري هو رائد قطاع صناعة الفضاء بصورة رئيسية إذ يسهم في هذه الصناعة بما نسبته 76% تتوزع ما بين إنشاء بنية تحتية تجارية خاصة بصناعة الفضاء، وما بين تقديم خدمات ومنتجات جديدة، بإجمالي 250.83 مليار دولار، وهو ما يؤكد ربحية هذا القطاع الصناعي وتحقيقه لمكاسب مالية تغطي تكلفته، ثم يأتي بعد ذلك انفاق الحكومات والدول بنسبة 24%، تستحوذ منها الحكومة الأمريكية على نصيب الأسد بنسبة 13% من إجمالي الانفاق على الفضاء ثم باقي الدول والحكومات بنسبة 11%، وقد بلغ الانفاق العسكري على هذه الصناعة 66.5 مليار دولار في 2014.
§ التوجه نحو الاستثمار في الأقمار الصناعية صغيرة الحجم:
لما كان القطاع التجاري هو القطاع الرائد في صناعة الفضاء، فإن التوجه الحالي لهذا القطاع هو الاعتماد على الأقمار الصناعية الصغيرة والصغيرة جداً من حيث الحجم، حيث تعتزم مجموعة "إيرباص" الأوروبية تصميم وصناعة نحو 900 قمر صناعي لصالح شركة "ون ويب" الخاصة التي تخطط لتقديم خدمة إنترنت فضائية عالية السرعة لمليارات من الناس حول العالم.
وقالت شركة "ون ويب" -ومقرها بريطانيا- إن نحو 700 من الأقمار الصناعية التي لا يتجاوز وزن كل واحد منها نحو 150 كيلوغراما، ستُطلق في مدار حول الأرض ابتداء من عام 2018، بينما ستظل البقية على الأرض لتستخدم كبدائل عند الحاجة.
هذا فضلاً عن اتجاه شركات مثل جوجل وفيس بوك لبث الانترنت إلى الأماكن النائية بالاعتماد على الأقمار الصناغية صغيرة الحجم، حيث أعلنت شركة جوجل عن خطة لبناء 180 قمر صناعي لبث الانترنت عبر الفضاء إلى ما يقرب من 4.8 مليار مستخدم ترى جوجل أنهم مازالوا بعيداً عن الانترنت.
كما أن الأقمار الصناعية الصغيرة جداً والتي تسمى CubeSat باتت تستحوذ هي الأخرى على درجة من الاهتمام، فهي أقمار صغيرة الحجم، عادة لا يتعدى حجمها 10 سنتيمترمكعب ولا يزيد وزنها عن 1 كجم ويمكنها أن تقوم بعدة وظائف مثل التقاط الصور من الفضاء، وإرسال واستقبال الإتصالات اللاسلكية، وإجراء أبحاث حول الغلاف الجوي، والقيام بالمزيد من التجارب البيولوجية،كما أنها تعتبر منصة اختبار لتقنيات المستقبل.
ومع وجود الأقمار الصناعية العملاقة والصغيرة والصغيرة جداً، من المنتظر أن يزدحم الفضاء الخارجي بآلاف الأجرام السماوية الصناعية، بصورة تجعلنا نتساءل، هل من الممكن أن تحدث أزمة مرور في الفضاء الخارجي في المستقبل القريب تدفع الدول والشركات والمنظمات إلى تطوير آلية لضمان تحقيق العدالة في استغلال الفضاء؟