منذ بداية اشتغال العلم على إعطاء الآلات ذكاءً، لم تكن الحجة القائلة بتفوّق «أبدي» لأدمغة البشر على العقول الإلكترونيّة (أو بدائلها الأشد ذكاءً في مستقبل قريب) مقبولة لدى كثر من العلماء، خصوصاً المشتغلين في الذكاء الرقمي. لعل العالِم البريطاني آلان تورينغ، من أشهر العلماء الذين اعتقدوا أن ذكاء الآلات سيكون ضرباً مميّزاً من الذكاء وليس مجرّد تقليد للبشر. (أنظر «الحياة» 3 آذار/ مارس 2015). ووضع تورينغ اختباراً باسمه ليكون المحك الذي تبدأ الآلات فيه بالتساوي مع ذكاء البشر، قبل أن تمضي قدماً في تطوّرها المختلف. وفي العام 2014، استطاع الروبوت البريطاني «واطسن» أن يتجاوز «اختبار تورينغ»، مسجّلاً إنجازاً تاريخيّاً للروبوت.
ما بعد «تورينغ»
عقب انتشار الإنترنت، صارت أدمغة البشر تصبّ ذكاءها عبر تلك الشبكة. وظهر بعد آخر في نقاش العلاقة بين ذكاءي البشر والآلات الذكيّة، قوامه مدى استفادة الذكاء الاصطناعي من تجمّع أدمغة البشر وذكائها عبر الشبكات.
ربما بقيت مسألة الشبكات وعلاقاتها مع السمات المميّزة لذكاء البشر، أمراً غير ملموس بالنسبة الى كثر، خصوصاً وسائل الإعلام العام. ثم حدثت طفرة يصعب تجاهلها، مع ظهور شبكات التواصل الاجتماعي. (ربما يجدر التوقّف قبلاً عند تجربة شبكة «سيكوند لايف» Second Life (= «الحياة الثانيّة)، لكنها لا تبعد من سياق نقاش الشبكات الاجتماعيّة في شكل عام).
ما الجديد الذي قدّمته الشبكات الاجتماعيّة في مسألة الذكاء البشري؟ من المستطاع البدء بالإجابة انطلاقاً من فيلم «هير» Her (عرض في 2013، بطولة: يواكيم فوينكس وسكارليت جوهانسن). يرسم ذلك الشريط الهوليوودي، علاقة عاطفيّة تنسج بين إنسان وأحد نُظُم الذكاء الاصطناعي. ما الذي مكّن الآلات من الوصول إلى نقطة مخاتِلَة في صورتها، بمعنى أن تبدو بشريّة تماماً، مع الاستمرار في صفاتها المتفوّقة الآتية من كونها آلة ذكيّة؟ يرسم فيلم «هير» الإجابة انطلاقاً من نقاش فعلي في أوساط المهتمين بالذكاء الاصطناعي.
ووفق شريط «هير»، استفاد الذكاء الاصطناعي من الشبكات الاجتماعيّة لمعرفة خصائص إنسانيّة في ذكاء البشر، كالعواطف وطرق التعبير عنها، وأساليب التواصل، وتضمينات الكلام ومجازاته واستعاراته، وتجارب البشر في تفاعلهم مع بعضهم بعضاً وغيرها.
وبالاختصار، قدّمت شبكات التواصل الاجتماعي خبرات الذكاء البشري في أبعاده العاطفيّة واللغوية والاجتماعية، واستفاد ذكاء الآلات منها بأن أضافها إلى ما يملكه من ذكاء «ميكانيكي» وحسابي ورياضياتي. مثلاً، تتأوه جوهانسن أثناء حوارها مع يواكيم في لحظة قرارها الانفصال عنه. يسألها يواكيم عن سبب تأوّهها، على رغم أنها لا تتنفس بالأوكسجين ولا رئة لديها لتحتبس الهواء عند انفعالها. وتجيب أنثى الذكاء الاصطناعي بأنها حصلت على تلك الميزة بعد دراستها أساليب التخاطب بين البشر في لحظات مماثلة، عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
وربما يكون «هير» مجرد فيلم وخيال هوليوودي، لكنه غير بعيد من مجريات فعليّة. ففي العام الذي ظهر فيه شريط «هير»، استطاع الكومبيوتر «واطسن» أن يهزم البشر في برنامج «جيوباردي!» الذي لا يستند إلى مجرد معلومات، بل يحتاج إلى افتراض وتخمين وترجيح حدسيّ للاحتمالات وغيرها من السمات المميّزة لذكاء البشر.