المقالات
الإنترنت السائبة تذكّر بجهد لبناني في التشفير
حتى اللحظة الأخيرة، احتفظ النائب اللبناني وليد جنبلاط بتركيزه على فضيحة الإنترنت غير الشرعية في لبنان،
بيروت - أحمد مغربي
السبت,28 مايو 2016 - 08:27 ص
مشاهدات: 714
حتى اللحظة الأخيرة، احتفظ النائب اللبناني وليد جنبلاط بتركيزه على فضيحة الإنترنت غير الشرعية في لبنان، وظلّت تغريداته في شأنها مستمرة إلى ما قبل كرنفال الانتخابات البلدية التي جرفت عقولاً كثيرة إلى ضوضائها. وإنصافاً، ظلّت أقنية تلفزيونيّة إخباريّة لبنانيّة محتفظة بتركيز مُشابِه على تلك الفضيحة التي لم تنته فصولها... ليس بعد. باختصار مخِلّ تماماً، يمكن تلخيص فضيحة الإنترنت غير الشرعية بإدخال معدّات وخوادم إنترنت بطرق احتياليّة، ونصب أعمدة لاسلكي للاتصال بشبكة الإنترنت بطريقة غير شرعيّة. وقدّمت تلك الجهات الخارجة عن يد الدولة وعينها، خدمة الاتصال بالإنترنت إلى جمهور واسع، بل شملت مؤسّسات رسمية أيضاً.
واقعيّة مشوّقة
إذاً، قدّمت الإنترنت غير الشرعية في لبنان مثلاً آخر عن حال إنهاك مؤسّسات الدولة ووهن مؤسّسات السلطة، وحال من التسيّب يفتح المجال أمام الجرأة على الدولة وأموالها وحقوقها ومواطنيها.
وتذكّر الإنترنت غير الشرعية بأشياء كثيرة، منها مسألة خصوصيّة البيانات والمعلومات، ووضع الحريّات الشخصيّة على شبكة تتناهبها قوى الرقابة الإلكترونيّة الشاملة («وكالة الأمن القومي» الأميركيّة نموذجاً)، والتسيّب الذي يعني غياب قوى شرعية يفترض أنها تتولى حماية حقوق الأفراد وحرياتهم على الشبكة العنكبوتيّة الدوليّة.
في السياق، من المستطاع تذكّر حوار مطوّل أجرته «الحياة» مع أحد اللبنانيّين، المنخرطين في البُعد التقني لمسألة الحفاظ على خصوصيّة المعلومات والبيانات في شبكات المعلوماتيّة والاتصالات المتطوّرة.
بواقعية، تحدّث اللبناني دافيد خوري عن رقاقة تشفير اتصالات الخليوي «سيكوموبي» Secumobi ، على عكس لهجة التضخيم والتفخيم والاصطناع المكشوف للثقة الزائدة التي تنطق بها ألسنة مروّجي التقنيّات المتطوّرة، في الدول العربيّة.
وتترافق تلك الواقعية مع نظرات متأنيّة متفحصّة، أحياناً تتجه إلى الطاولة التي تجمعه مع محدّثه وأحياناً أخرى تراقب فراغاً غير منظور، وكلام منطوق بحرص كافٍ، من دون ادّعاء زائد مفضوح ولا تفاخر أجوف. وترسم تلك الواقعية حول دافيد جوّاً من التردّد المشوّق المتمازج مع تواضع دافئ. ربما تأتي تلك الأشياء من التعامل مع التقنيّات بأسلوب علمي أصيل، أثناء السنوات الطويلة التي قضاها خوري مهندساً في المقر المركزي لشركة «إريكسون» Ericsson العالميّة في السويد. وربما أيضاً لأن ذلك العمل جاء عقب سنوات الدراسة الأكاديمية للهندسة الكهربائية التي امتدت بين بيروت وفرنسا، وتمحورت حول الصوت والاتصالات الهاتفيّة.
وفي سياق ذلك التردّد المشوّق، يقدّم دافيد رقاقة «سيكوموبي» الإلكترونيّة للتشفير الفردي للاتصالات الخليويّة. وإذا تمّ لفت انتباهه إلى التشابه بينها وبين تجربة شركة «بلاك بيري» Black Berry (من يذكر رواجها الهائل، قبل تضاؤلها المفاجئ؟)، لا ينفي ذلك الأمر، بل يعتبره مدخلاً لشرح مشروعه. إذ ينطلق خوري لاستعادة تجربة «بلاك بيري»، خصوصاً برنامجها «ب. ب. ماسينجر» B B Messenger لتشفير الاتصالات الفردية عبر الخليوي، وإظهار الفوارق بينها وبين تجربة «بلاك بيري».
المال العربي
قبل الخوض في تفاصيل رقاقة «سيكوموبي»، يصل الحديث إلى تحدٍ يطرحه خوري على الممولين العرب، بأن يتبنّوا مشروع تلك الرقاقة. ويترك خوري المجال لتردّد مفكّر. إذ يسأل عن علاقة إحجام الممولين العرب عن تمويل مشروع تقني متقدّم، وبين ضعف علاقة الثقافة العربيّة عموماً بالعلوم والتكنولوجيا. ويستطرد خوري ليفسح مجالاً أمام «الشك النافع»، بمعنى أنه يرجِع تردّد التمويل العربي إلى أجواء غير مواتية عربيّاً لتمويل مشاريع متقدّمة في التقنيّات، مقابل الاستثمار في مناحٍ أخرى من المعلوماتية والاتصالات. وسرعان ما ينتقل الحديث إلى ضفة معاكسة.
إذ إن عوالم الاتصالات ليست منهمكة حاضراً بأي شيء، قدر انهماكها بحماية المكالمات والاتصالات والمعلومات والبيانات، بل أشكال الوجود الشخصي للأفراد على شبكات الاتصالات كافة. ومنذ تفجّر فضيحة التجسّس الإلكتروني الشامل التي فجّرها خبير المعلوماتية الأميركي إدوارد سنودن، صار الاهتمام بحماية الخصوصيّة الفردية في الاتصالات هاجساً أساسيّاً لدى الجمهور عموماً.
وبابتسامة، يتذكّر خوري: «نعم. نعم. هاتف مركل. كانت فضيحة عالميّة. في أوروبا، كان الأمر أشبه بقنبلة مدويّة، خصوصاً بعد أن وصل الخلاف إلى مستوى الدولة، بل كاد أن يتّخذ طابعاً شخصيّاً في علاقاتها بالرئيس باراك أوباما». ويتبع ذلك بحديث واسع عما قيل عن لجوء المستشارة الألمانية انغلا مركل إلى وضع رقاقة إلكترونيّة في هاتفها، كي تحميها من تنصّت «وكالة الأمن القومي» الأميركيّة.
«لا أعرف إلى أي مدى يتمتّع هاتف مركل بالحماية الآن، لكن أظن أنها محميّة فعليّاً إلى حدّ كبير، وأنا أتكلم عن المعطى التقني وحده، وليس السياسي أو الاستخباراتي. سأكون واضحاً: الشركة التي اعتمدت عليها مركل تصنع منتجاً يشبه رقاقة «سيكوموبي» التي أشرفت على هندستها وتكامل مكوّناتها. بقول آخر، تستطيع «سيكوموبي» أن تعطي الأفراد في الدول العربيّة حماية لاتصالاتهم الخليوية، وكذلك الحال بالنسبة للرسائل النصيّة القصيرة «إس إم إس» والنصوص التي يتبادلونها عبر «واتس آب». وفي فترة قريبة، ستمتد حماية «سيكوموبي» لتشمل الميديا المسموعة - المصوّرة، بما فيها المكالمات عبر كاميرا الـ «ويب» وأشرطة الفيديو».