المقالات
اللحاق بالتطور الإلكتروني المتسارع
بالرغم من محاولات الإحباط والخذلان التي ينشرها البعض بأن لا قدرة لأمتنا الآن على العطاء، أعتقد أنه من الواجب تنمية القدرات الإبداعية وتطوير الطاقات العلمية بعيدا عن الاستسهال.
العرب فيصل الياسري
الثلاثاء,14 يونيو 2016 - 01:09 م
مشاهدات: 754
ذا كان القرن التاسع عشر هو قرن الميكانيك… والقرن العشرون هو قرن الإلكترونيات… فإن القرن الحادي والعشرين هو بلا شك قرن الاتصالات والفضاء والإنترنت. ولنتأكد من هذه الحقيقة ننظر إلى حجم وطبيعة التطورات المتسارعة حولنا في مجال الاتصالات غير المحدودة وتدفق شبكات الإنترنت الحاملة للمعلومات المتنوعة، النافع منها والضار، في عصر يزداد فيه تأثير الإعلام في حياة الناس، فيرسم لهم سلوكهم وتصرفاتهم وعاداتهم ويحدد ثقافاتهم ومعارفهم وحتى مواقفهم.
إنه عصر أصبح فيه الاتصال بين البشر، أينما كانوا، يسيرا “ومذهلا” وبلا حدود، ولو قارنا ما هو متوفر حاليا بما كان قبل سنوات قليلة لوجدنا ذلك متخلفا وبدائيا، ولتساءلنا كيف كان الناس يعيشون مع هكذا إنترنت “متواضع”، وستتملك بعضنا الدهشة عندما يفكر بسرعة الإنترنت أيام زمان وبسرعته اليوم التي قد تصل في الإنترنت فائق السرعة من 10 إلى 1000 ميغابت في الثانية، فسرعة الإنترنت من أكثر المشكلات التي يعاني منها المشتركون.
إن أكبر سرعة للإنترنت في العالم الآن توجد في هونغ كونغ حيث تبلغ سرعته هناك 54.1 ميغابت في الثانية، بحيث يستغرق تحميل فيلم طويل عالي الجودة 4 دقائق فقط.. ويمكن الوصول إلى سرعات مذهلة عندما تكون البنية التحتية للإنترنت أساسها الألياف الضوئية التي تنقل الإشارة بسرعة الضوء.
الإنترنت أصبح كالمأكل والملبس والمشرب بحياتنا في هذا العصر، فلا نستطيع أن نعيش من دونه يوما فهو مصدر المعلومات الرئيسي لنا في كل يوم وكل دقيقة وأصبح من أهم المواصفات التي تذكرها الفنادق في إعلاناتها هو توفر الرابط اللاسلكي بالإنترنت “واي فاي” وإلا خسروا بعض زبائنهم.
فنحن نعيش الآن عصرا تتلاشى فيه الحواجز والمسافات وتلغى الحدود بين الدول وتتدفق فيه المعلومات والإعلاميات دون إذن أو موافقة من أحد.. وقد تحررنا فيه حتى من التليفون المنزلي الثابت وأصبحنا نحمله معنا حيثما توجهنا وحتى خارج البلاد.. وتتطور هذه الوسائل بسرعة مذهلة ومن لا يملك مثل تلك الوسائل سيعزل نفسه ولن يصل صوته إلى أحد.
ففي مجال البث الفضائي التلفزيوني والذي يتطور وينمو على شكل ثورات مذهلة منذ ما يسمى بثورة البث المضغوط، تلك التقنية المذهلة التي قلبت قدرة كل قمر صناعي إلى عشرة أضعافها، ثم جاء الزمن الذي صار فيه استقبال البث التلفزيوني الفضائي ليس بالضرورة عبر طبق فوق السطوح، ولا موافقة السلطات الحكومية، ولا حتى موافقة الجهة المالكة، بل عبر الإنترنت باشتراك مدفوع الثمن أو من دونه.
إنه غزو متعدد المصادر وربما متناقض الأساليب والمضامين والأهداف تعجز الدول النامية على مواجهته وإن رأته يؤثر سلبيا على قيمها الثقافية والحضارية وخصوصياتها، فلا تستطيع أن تمنع استقباله، فما العمل لمن يريد أن يحمي مواطنيه من هذا الغزو الفضائي الذي وصل إلى درجة من الكثافة جعلت البعض يتحدث عن تلوث ليس فقط الفضاء بل وتلوث الإنترنت من خلال، مثلا، مواقع فيسبوك ويوتيوب التي امتطته جماعات ومنظمات وحتى أفراد جعلوا منه منبرا صالحا أو مفسدا… حسب الأهواء؟
في الماضي كان المنع ممكنا فبعض الحكومات صادرت الأطباق ومنعت مواطنيها من التقاط البث الفضائي، فترصد المخالفين لكبر حجم الأطباق وإمكانية مشاهدتها، إلا أن هذا غير ممكن حاليا لصغر حجم الأطباق أو صنعها من مادة شفافة لا يمكن مشاهدتها عن بعد، أو أن تتم المشاهدة حتى من دون أطباق خارجية.
خاصية أخرى إيجابية وفّرها هذا التطور الإلكتروني الانفجاري، هو أنه جعله منبرا مشاعا لكل الأمم والشعوب تستطيع أن توظفه لنشر ثقافتها وحضارتها، والشراكة الحضارية في كل ما يجري على نطاق المعرفة الإنسانية والإسهام السخي في تشكيل حضارة كونية مركبة من الحضارات والثقافات القومية.
وبالرغم من محاولات الإحباط والخذلان التي ينشرها البعض بأن لا قدرة لأمتنا الآن على العطاء، أعتقد أنه من الواجب تنمية القدرات الإبداعية وتطوير الطاقات العلمية بعيدا عن الاستسهال والتبسيط والسطحية والسذاجة، كي تكون مساهمتنا جديرة بالدور التاريخي الذي لعبه العرب في تكوين الحضارة البشرية منذ الآلاف من السنين.
مخرج عراقي