| قبل انطلاق الصحافة الإلكترونية، لم يكن يسيرا أن يتخيّل قراء الصُحف الكبيرة كيفية قراءة مقال كامل دون الإمساك بورقة صحيفتهم اليومية بين أيديهم، واليوم ليس عليهم فقط أن يتخيّلوا ذلك، بل ربما قراءة الصحيفة دون حتى المرور على اسمها أو الحاجة إلى تذكّره فقد أصبح فيسبوك لاعبا جديدا في عالم الصحافة بجانب لاعبين تقليديين كالساسة ورأس المال.
وقد خلص تقرير بحثي بريطاني إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي تتفوق على التلفزيون كمصدر رئيسي للحصول على الأخبار بين فئة الشباب.
وأشار التقرير إلى أن 28 في المئة من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاما يلجأون إلى وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي لمعرفة الأخبار مقارنة بنسبة 24 في المئة منهم يعتمدون على التلفزيون.
كما أضاف التقرير، الذي أعده معهد رويترز لدراسة الصحافة، أن 51 في المئة من المستخدمين ممن لديهم إمكانية الدخول على الإنترنت يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي كمصدر للأخبار.
وأدى هذا الاتجاه الجديد فضلا عن زيادة استخدام الهواتف المحمولة في معرفة الأخبار إلى تقويض دور النماذج التقليدية في هذا المجال. ويعتمد التقرير على دراسة لشركة “yougov” البحثية شملت نحو 25 ألف شخص من 26 دولة.
ويقول التقرير في مقدمته إن “موجة ثانية من الاضطرابات” تعصف بمؤسسات الأخبار في شتى أرجاء العالم، نتيجة “العواقب المحتملة الكبيرة التي ستطول الناشرين وكذا مستقبل إنتاج الأخبار”.
وأشار إلى أن موقع فيسبوك ومواقع أخرى للتواصل الاجتماعي تخطت حيز كونها “مساحات لاكتشاف الأخبار” لتصبح مواقع للمستخدمين يستهلكون فيها أخبارهم.
كما تحظى الأخبار المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشعبية كبيرة بين النساء والشباب. ومازالت تسجل مبيعات الصحف المطبوعة تراجعا، بينما يعزف المستخدمون عن دفع أموال كثيرة مقابل الحصول على محتوى إخباري على الإنترنت.
وبحسب التقرير، يعد موقع فيسبوك أكثر المصادر شيوعا بين المستخدمين (44 في المئة ممن شملتهم الدراسة) من حيث مشاهدة الأخبار وتبادلها والتعليق عليها.
الناشرون سيصبحون تحت رحمة فيسبوك مع الوقت، وكأنهم يستأجرون مكتبا في مبنى يملكه زوكيربرغ
يليه في المرتبة موقع يوتيوب بنسبة 19 في المئة، وموقع تويتر بنسبة 10 في المئة. وتصل نسبة المستخدمين لموقع “أبل نيوز” 19 في المئة في الولايات المتحدة و3 في المئة في بريطانيا، في حين تصل النسبة بين مستخدمي تطبيق سناب شات للرسائل إلى واحد في المئة فقط أو أقل من ذلك في معظم الدول.
ويقول جوستين سميث، المدير التنفيذي لشركة بلومبرج ميديا، إن “فيسبوك يقوم بجلب حوالي ثلثي قراء المواقع الكبرى حاليا”، في إشارة إلى أهمية فيسبوك المتزايدة كـ”ميدان” افتراضي – إن جاز القول – يمر عليه الجميع، وبالتالي تطمح كافة المنابر الإعلامية إلى التواجد فيه بأكثر شكل ممكن.
و”حاول الموقع الاجتماعي الأول في العالم البحث عن وسيلة ليصبح هو بشكل ما الصفحة الأم للإنترنت، أو بيتك الإلكتروني الذي تعيش فيه ثم تنطلق منه حيث شئت، ولكن المشكلة للناشرين هي أنهم سيصبحون تحت رحمة إدارة فيسبوك مع الوقت، وكأنهم يستأجرون مكتبا في مبنى يملكه مؤسس فيسبوك ومديره التنفيذي مارك زوكيربرغ، كما أن كافة المعلومات ستكون بقبضة فيسبوك”، هكذا يقول ريتشارد سميث، مدير مركز الإعلام الرقمي في مدينة فانكوفر بكندا.
وكان فيسبوك قد تورط مؤخرا في نزاع بشأن ما إذا كان قسم “أكثر الموضوعات قراءة”، الذي يحرره بشر ويهدف إلى إبراز الموضوعات الأكثر مناقشة بين جمهور المستخدمين في شتى أرجاء العالم، يقحم قصصا إخبارية تدعم وجهات نظر سياسية محافظة.
ونفى الموقع التهم ولم يعثر تحقيق داخلي على أي دليل يشير إلى وجود تحيز، لكنه أجرى عددا من التحديثات من بينها: تحديث مصطلحات في توجيهاته للمراجعين وتعزيز الإشراف على فريق المراجعة، إضافة إلى عدم الاعتماد على قوائم المواقع الخارجية ومنصات الأخبار في تقدير أهمية موضوعات في القصص الإخبارية.
ويشير التقرير إلى أن المستخدمين يفضلون الحصول على مادتهم الإخبارية التي تخضع لعمليات انتقاء بعمليات حسابية، ويقول 36 في المئة إنهم يحبون قراءة الأخبار المختارة على أساس القراءات السابقة، في حين قال 22 في المئة منهم إنهم يفضلون جدول أعمالهم الإخباري الذي يعتمد على قراءات الأصدقاء.
ويرغب 30 في المئة من المستخدمين أن تخضع عملية الاختيار لإشراف محررين بشريين وصحافيين آخرين، كما يخشى الكثيرون من أن تؤدي العمليات الحسابية إلى حدوث “فقاعات” إخبارية يرى فيها المستخدمون الأخبار من وجهات نظر مشابهة لتفكيرهم. ويقول نيك نيومان، المشرف على التقرير “يحب المستخدمون قراءة الأخبار المختارة بعمليات حسابية، لكنهم يخشون من أن يعني ذلك فقدانهم لنقاط رئيسية أو وجهات نظر قوية”.
44 في المئة يعتمدون فيسبوك كمصدر أساسي لمشاهدة الأخبار وتبادلها والتعليق عليها
كما لاحظ التقرير وجود تغير كبير آخر وهو استمرار زيادة استخدام الهواتف الذكية في معرفة الأخبار.
وقال معظم الذين شملتهم الدراسة إنهم يستخدمون الهواتف الذكية في معرفة الأخبار، وسجلت السويد أعلى مستويات (69 في المئة) تليها كوريا (66 في المئة) وسويسرا (61 في المئة) وهم أكثر احتمالا من حيث استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بدلا من اللجوء مباشرة إلى موقع إخباري على الإنترنت أو تطبيق.
كما يشير التقرير إلى أن المستخدمين يلاحظون العلامة التجارية الإخبارية الأصلية للمحتوى المقدم على مواقع التواصل الاجتماعي أقل من نصف الوقت، وهو شيء قد يثير قلق منصات الإعلام التقليدية على أرجح التقديرات.
وقال نيومان إن مثل هذه المنصات “لا تستطيع تجاهل وسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما إن أرادت الوصول إلى قطاع الشباب والنساء”.
وأضاف “إنها بذلك تخاطر بفقدان السيطرة على المحتوى وبتلك العلاقة مع القارئ الذي يمكنها أن تدفعه نحو محتوى آخر، لذا يتعين عليها تحقيق توازن في استخدام منصات التواصل الاجتماعي بتأسيس قاعدة مستخدمين يتحلون بالولاء لها”.
وصرح مدير الأبحاث في رويترز راسموس نيلسن “التحرك نحو بيئة أكثر توزيعا يوفر فرصة للناشرين للوصول إلى جمهور جديد على نطاق غير مسبوق، ولكن كلما ازداد وصول الناس إلى الأخبار من خلال منصات الطرف الثالث سيصعب على الناشرين أكثر وأكثر تعزيز أعمالهم والاتصال مباشرة مع المستخدمين لكسب المال، وهذا التطور لصالح الجمهور ولكنه ليس في صالح الناشرين”. وتدعم مؤسسات “بي بي سي نيوز” و”غوغل” و”أوفكوم” وآخرون من الشركاء التقرير.
|