عاجل
الأخبار

الألعاب الإلكترونيّة من المصادر الغنية للثقافة الشابة

عند تتبّع تفاعل الإعلام العربي عموماً، مع ظاهرة لعبة «بوكيمون غو» Pokémon Go، يرد إلى الذهن بضع ملاحظات صغيرة. إذ نجحت الأصوات المهتمّة بالعلاقة بين خصوصيّة الأفراد وبياناتهم، في لفت الانتباه إلى ما تحمله اللعبة من تهديد للخصوصيّة.

الألعاب الإلكترونيّة من المصادر الغنية للثقافة الشابة
اضغط للتكبير
وتذكيراً، يشمل ذلك التهديد بداية من المعلومات التي تأخذها من محرك البحث «غوغل» عمن يضع تطبيق «بوكيمن غو» على هاتفه الذكي، والمعلومات التي يحصل عليها التطبيق عند وضعه على الهاتف (دفتر العناوين، الرسائل النصيّة، بيانات التطبيقات الأخرى، وبيانات الـ»جي بي أس» GPS...)، وأخيراً سيل المعلومات المستمرة عن تحرّكات الشخص طالما بقي الهاتف في يده وغيرها. من المستطاع تهنئة الإعلام العربي على ذلك الاستيقاظ المبكّر بالنسبة لـ»بوكيمون غو»، خصوصاً أنه ما زال متأخّراً تماماً في مجال التنبيه للتهديد الذي تحمله التطبيقات الرقميّة، خصوصاً الـ»سوشال ميديا»، على خصوصيّة الأفراد. وبوجه عام أيضاً، لم يفت الإعلام العربي تلمّس بعض جوانب التناقض بين مجريات لعبة «بوكيمون غو» ومجموعة من القيم الاجتماعيّة، وكذلك بعض أحوال السياسة. هناك فضاءات عامة ليست «مفتوحة» بالمقدار الذي تفترضه تلك اللعبة. ليست شوارع بغداد نموذجاً لحرية حركة الأفراد بين مناطق مشــحونة طائفيّاً ومــذهبيّاً وعرقيّاً. يؤدي التفاوت الاجتماعي دوراً مهمّاً، خصوصاً أن الفقر لا يقتصر على ضيق ذات اليد، بل أن له تصوّراته وخيالاته لدى كثيرين ممن لا يعانونه. هل من المتصوّر أنه يسهل على شباب منطقة «المعادي» و«حي أكتوبر»، التجوّل بحريّة في العشوائيّات أو حتى في حي كـ «بولاق الدكرور»؟ إذا لم يكن ضبط الأمن سهلاً، فمن يأمن على ممارســي لعبة «بوكيـــمون غو» من اللصوص، وأصحاب الجُنَح، والمنغمسين في الإجرام بأشكاله كافة، وحملة السكاكين الصغيرة («المطاوي» باللهجة المصريّة) ومكبوتي التحرش الجنسي، وهي أمور لم يسلم منها الناس حتى في بلد كالولايات المتــحدة؟ هل هناك ثقافة مــناسبة لدى أجهزة الأمن العربيّة عموماً، في التعامل مع حريّة الأشخاص في التنقل والتفتيش في كلّ الأماكن؟ وكذلك فإن مقدار الاختلاط بين الجنسين في الشوارع والفضاءات العامة العربيّة تحكمه ضوابط كثيرة، وهي تتفاوت بين بلد وآخر. تجارب لم يتعلّم منها أحد الأرجح أن أكثر ما غاب عن الإعلام العربي عموماً، هو إدراك أن الألعاب الإلكترونيّة هي مصدر لثقافة الحياة اليوميّة للأجيال الشابة العربيّة. ولم يحضر ذلك الملمح في النقاشات، على رغم خبرة تفوق العقدين مع الألعاب الإلكترونيّة، بداية من ألعاب الـ»آتاري» التي صارت أجيالها في قلب مؤسّسات الإعلام العام، ووصولاً إلى ألعاب الكومبيوتر والإنترنت وما أحدثته من ظواهر هزّت مجتمعاتنا، سواء تلك التي تمارس فردياً كـ»فارم فيل» Farm Ville، و»الطيور الغاضبة» Angry Birds، أو تلك التي يتشارك فيها مئات الآلاف عالميّاً على غرار اللعبة الحربية «ورلد ور كرافت» World War Craft. والأرجح أنّ ألعاب الكومبيوتر تتضمن مجموعة هائلة من القيم والنماذج وأنماط الحياة، ما يجعلها «مضخّة» للثقافة وصورها وخيالاتها وأهوائها وذائقاتها. وفي ظل الصعود القوي للثقافة البصرية راهناً، وهي ممتدة من الفضائيات إلى الـ»سوشال ميديا»، يصبح نقاش الألعاب الإلكترونية مساحة ثقافية وسياسية واجتماعية. في العام 2008، أطلقت لعبة الإنترنت «سبور» Spore التي تعطي اللاعب فرصة كي يلعب دور... الخالق! وأصدرتها شركة «إلكترونيك آرتس» Electronic Arts. وشملت مواضيع تتضمّن ولادة الحياة على الأرض وتطوّرها وارتقائها (بالمفهوم الدارويني تقريباً) و»الانفجار العظيم» («بيغ- بانغ» Big Bang) الذي يفترض أن الكون تشكّل على إثره، إضافة إلى مواضيع شتى من الحياة اليوميّة. وحينئذٍ، لم يتردّد ويل رايت مبتكر لعبة «سبور» في وصفها بأنّها «الكون في علبة». ومثلاً، ترسم لعبة «سبور» مساراً لكائنات حيّة تبدأ من تراكيب بيولوجيّة بسيطة (أقل من خليّة) تتطوّر تدريجياً لتصبح خلايا ثم كائنات صغيرة ثم أشكالاً حيوانيّة بسيطة لا تلبث أن تصير أكثر تعقيداً ورقيّاً. وتدريجياً، تكتسب تلك الكائنات ذكاءً يمكنها من التطوّر وبناء مجتمعات واختراع تقنيّات والسفر في الفضاء وغيرها. وعلى تلك الخلفية، يستعمل اللاعب مجموعة كبيرة من الأدوات كي يرسم مسار تلك الكائنات، وفق ما تفيض به مخيلته وتفاعلاتها أيضاً مع المسار العام الذي تفرضه اللعبة وتركيبتها.
طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك