المقالات
الإرهاب عبر الإنترنت.. تحديات وفرص المواجهة
يمثل الارهاب عبر الانترنت احد القضايا الهامة التي استحوذت على اهتمام العديد من دول العالم للسعي لتنسيق المكافحة والتعامل مع تلك الظاهرة الجديدة والتي مزجت بين الإرهاب والإنترنت والذي اثر في اختلاف طبيعة الإرهاب وأدواته ونطاقه ودوافعه وفي تداعياته وأيضا في النشاط والفاعلين
عادل عبد الصادق
السبت,27 أغسطس 2011 - 12:56 م
مشاهدات: 249
يمثل الارهاب عبر الانترنت احد القضايا الهامة التي استحوذت على اهتمام العديد من دول العالم للسعي لتنسيق المكافحة والتعامل مع تلك الظاهرة الجديدة والتي مزجت بين الإرهاب والإنترنت والذي اثر في اختلاف طبيعة الإرهاب وأدواته ونطاقه ودوافعه وفي تداعياته وأيضا في النشاط والفاعلين وفي تطور التخطيط للعمل الإرهابي وطرح ذلك أيضا عددا من التساؤلات حول كيفية مواجهة تلك الظاهرة وما هي أبعادها وأساليبها وما هي تحدياتها القانونية والسياسية والأمنية للمجتمع الدولي
الإرهاب الجديد
ظهر التزاوج بين الإنترنت والإرهاب بشكل اكثر وضوحا بعد إحداث الحادي عشر من سبتمبر2001 وما تلي ذلك من الحملة الأمريكية علي'الإرهاب' وحدوث مواجهة بين تنظيم القاعدة وحلفائها من جانب والولايات المتحدة ومؤيديها من جانب أخر ولم تقتصر تلك المواجهة علي المجال المادي الواقعي بل انتقلت إلي الفضاء الإلكتروني واصبح هناك حملة إعلامية مواكبة للحملات العسكرية من جانب الطرفين تم فيها استخدام الإنترنت ويعد الإرهاب عبر الإنترنت نشاطا أو هجوما متعمدا ذا دوافع سياسية بغرض التأثير علي القرارات الحكومية أو الرأي العام من خلال ثلاثة أبعاد هامة يتمثل أولها في أن يصبح عاملا مساعدا للعمل الإرهابي التقليدي المادي بتوفير المعلومات عن الأماكن المستهدفة أو كوسيط في عملية التنفيذ أما البعد الثاني هو ما يعد تأثيرا معنويا ونفسيا من خلال التحريض علي بث الكراهية الدينية وحرب الأفكار أما البعد الثالث فيتم في صورة رقمية من خلال استخدام آلياته الجديدة في معارك تدور رحاها في الفضاء الإلكتروني والتي قد يقتصر تأثيرها علي بعدها الرقمي أو تتعدي لإصابة أهداف مادية ويعمل ذلك الإرهاب الجديد علي خدمة البعد الإعلامي والعسكري لأهدافه حيث يتم الأول عبر استغلال كافة الجماعات' المتطرفة' الأصولية علي اختلاف أشكالها مزايا الإنترنت كعنصر حيوي لدعم وتحقيق أهدافها ومنفذ لوجستي داعم وحاضن لنشاطها الإعلامي في مناطق مختلفة من العالم حيث أصبحت تلك الجماعات لا يهمها كم من الناس قتلوا بقدر ما يهمها بكم من الناس شاهدوا وتفاعلوا مع الحادثة الإرهابية, وتحول أفراد الإرهاب من مجموعة قليلة من الناس موزعة جغرافيا لتشكل مجتمعا خاصا بها يساعدها علي الالتحام والتواصل الدائم, الأمر الذي يوهم البعض بأن هذا المجتمع غير محدد الأبعاد الكميه. وكان لهذا دور كبير في تضخيم الصورة الذهنية لقوة وحجم تلك المجموعات والتي تبدأ بعدد قليل من الأفراد لديهم أو لدي أحدهم خبرة بالإنترنت وبرامج' الملتيميديا' ليتم بث الرسالة الإعلامية وفق أهدافهم والتي منها شن حربا نفسيه ضد مستهدفيها والدعاية لأهدافها وأنشطتها بعيدا عن وسائل الإعلام التقليدية. أما عن الطابع العسكري للإرهاب الجديد فيتم استخدام الإنترنت في التنقيب عن المعلومات, والحصول علي التمويل والتبرعات وعملية التجنيد والحشد لاتباعها, وكذلك تحقيق الترابط التنظيمي بين الجماعات وداخلها و تبادل المعلومات والأفكار والمقترحات والمعلومات الميدانية حول كيفية إصابة الهدف واختراقه وكيفية صنع المتفجرات والتخطيط والتنسيق للعمل الإرهابي. وكذلك في تدمير مواقع الإنترنت المضادة أو اختراق مؤسسات حيوية او تعطيل الخدمات الحكومية الإلكترونية أو محطات الطاقة.
إشكاليات المواجهة
يقابل ارتباط العالم المتزايد بالإنترنت زيادة في التعرض للخطر الذي يمثله الاستخدام السيئ له مع أهمية شبكة الإنترنت للدول المتقدمة خاصة وفي الاقتصاد العالمي عامه وبشكل تم فيه الكشف أمنيا عن المناطق الحساسة مقارنة بالمساعدة في الكشف عن الإرهابيين ولم يقابل احتمالية التعرض للخطر هذه زيادة في إدراكه عالميا مع علاقة الإنترنت بالمنشآت الحيوية المدنية والعسكرية والاقتصادية. وشكل الإرهاب عبر الإنترنت قاعدة للتغيير والتعبير عن الرؤي المتطرفة التي تتبني العنف بما آل إليه الإنترنت من تقسيم الجمهور إلي فئات ومجموعات صغيرة وبدا هذا التنوع يزيد بدوره من التشتت الثقافي وذلك كإعلام فئوي يستخدم لإذكاء الصراعات العنصرية وتنمية اتجاهات الكراهية لدي الكثير من الفئات المناهضة للفئات الأخري وتاه التوافق الثقافي الذي ميز المجتمعات القومية. وفي مقابل تلك النظرة التفتيتية للمجتمعات جاء ذلك الإعلام للترويج كذلك لرؤي عالمية ففي حين تستغله الولايات المتحدة للترويج إلي الرأسمالية والهيمنة استغله تنظيم القاعدة للترويج إلي الخلافة الإسلامية والجهاد العالمي. كما عمل الإرهاب عبر الإنترنت لتقويض سلطة الدولة بنقل الحوادث الإرهابية للرأي العام بما يشكل خطرا نفسيا أو ضغطا علي الحكومات للمثول للمطالب السياسية التي تتبناها الجماعات الإرهابية وتهديدا لشرعية النظم السياسية الحاكمة وعمل ذلك علي الحد من استخدام القوة في صنع القرار من جانب الدولة والتي فرض انسحابها من قطاعات استراتيجية لصالح القطاع الخاص تحديات أمنية متزايدة. وتطرح مسالة المواجهة الأمنية قضية حرية الرأي والتعبير عبر الإنترنت وارتباطها بالقيم الديمقراطية وكذلك مسألة الاستغلال السياسي للنظم الحاكمة لمواجهة معارضيها بشكل لا يعكس الفصل بين أمن النظام وأمن المجتمع. وهناك تحدي عدم وجود اتفاق عالمي حول التعريف القانوني للسلوك الإرهابي وخاصة أن المجتمع الدولي إلي الآن لم يصل إلي تعريف واضح للإرهاب بشكله التقليدي ناهيك عن الإرهاب عبر الإنترنت فهناك من الدول من يعد الإرهاب سلوكا جنائيا وجريمة والبعض الآخر يعتبر الإرهاب مقاومة مشروعة أو جريمة سياسية.وهناك تداخل لمفهوم الإرهاب عبر الإنترنت مع غيره من المفاهيم كالجريمة الإلكترونية والمنظمة والاحتيال والتجسس وقرصنة المعلومات وحرب المعلومات وغيرها وفرض ذلك إشكالية تحديد المعاملة القانونية الواضحة. ويمثل عنصر المباغتة الذي يتميز به إرهاب الإنترنت وخاصة في بعده الرقمي تحديا أمنيا ليضع الطرف الأخير في موقف ضعيف حيث يقتصر دوره في تلك الحالة علي رد الفعل مع إصابة الإجراءات الوقائية في مقتل وتطرح مسالة تعدد الفاعلين في استخدام الإرهاب عبر الإنترنت قضية المسئولية القانونية خاصة أن استخدامه قد لا يقتصر علي الجماعات والأفراد بل قد تستخدمه الدول أيضا ويمثل الفاعلون من غير الدول خروجا عن الالتزامات القانونية الدولية فكيف يمكن إلزام الفاعلين الجدد بما تعقده الحكومات الرسمية التي يخاطبها القانون الدولي. ويضفي البعد الدولي للظاهرة تعقيدا في شأن المواجهة الدولية خاصة مع عدم وجود إطار قانوني دولي واضح لتناول تلك الظاهرة المستحدثة وما يستلزم ذلك إما الحاجة إلي قانون دولي جديد أو محاولة عقد اتفاقيات مكملة للاتفاقيات الدولية أو تفعيل اتفاقيات أخري قائمة. وأخيرا تمثل عملية إدارة الإنترنت واحتكاره من جانب الولايات المتحدة إشكالية هامة عند مكافحة استخدام شبكة الإنترنت في بث الكراهية الدينية والإرهاب. ومن هنا تثور قضية اعتبار الإنترنت مرفقا عالميا يحق للبشرية المشاركة في إدارته وبين رغبة الولايات المتحدة في الاحتفاظ به كجزء من الهيمنة علي النظام الدولي.
فرص المواجهة
من خلال متابعة خبرة سنوات مكافحة الإرهاب الأمريكية يتضح أن التركيز علي العامل الأمني فقط قد أدي إلي نتائج عكسية فعندما انطلقت الطائرات الأمريكية لضرب أفغانستان انطلقت معها حركة تنظيم القاعدة علي الإنترنت والمنظمات الأخري الحليفة له لتكتمل تلك الحلقة باحتلال العراق ليكتسب تنظيم القاعدة أرضا جديده لبث أفكاره التنظيمية المعادية للولايات المتحدة وللغرب. فقد زادت المواقع الموالية لتنظيم القاعدة علي الإنترنت من13 موقعا عام2001 لتصل إلي ما يقرب عن2000 موقع فضلا عن المواقع الأخري الموالية له وانتقلت ساحة المواجهة الأمريكية مع تنظيم القاعدة في إطار حرب أفكار متبادلة وتنافسا حول جمهور عالمي واسع يستقبل الرسالة الإعلامية علي شبكة الإنترنت والتي أصبحت مصدرا للأخبار للعديد من وسائل الإعلام. ففي حين ركزت الإدارة الأمريكية جل اهتمامها علي عملياتها العسكرية فان تنظيم القاعدة ركز بصورة اكبر علي الجانب الاعلامي من عملياته كجزء من المواجهة وحتي سياسة حجب المواقع التابعة لتنظيم القاعدة لم تؤد الا الي توالد العديد من المواقع الأخري بشكل اقترب فيه تنظيم القاعدة من النجاح اعلاميا ومخاطبة الغرب والعمل علي عزل القيادات الأمريكية وحلفائها عن شعوبها بتكوين إعلام آخر مختلف عما تروجه وسائل الإعلام الأمريكية للشعب الأمريكي وخلق شبكة مؤيدين عالميين عبر الخلايا النائمة في العالم. وشكل استخدام الإنترنت كعامل مساعد للعمل الإرهابي ليس فقط من تنظيم القاعدة بل من العديد من الجماعات الإرهابية في العالم تحديا للاستقرار السياسي والاقتصادي وفرض ذلك أهمية مواجهته عالميا من خلال ثلاثة مستويات أولها المستوي الرقمي الذي يتم عبر انتهاج سياسة تقنية لأمن المعلومات للمنشآت الحيوية والمكافحة الأمنية للمواقع التي تحض علي الإرهاب والكراهية او التي توفر معلومات مساعدة للعمل الإرهابي اما الثاني فيتم من خلال العمل علي مكافحة الإرهاب المادي فلكي يتم نجاح المكافحة علي الفضاء الإلكتروني لن يكون منفصلا عن مواجهته علي ارض الواقع وتأمين كافة المنشآت الحيوية أمنيا وتدريب المسئولين عن مكافحة الإرهاب علي التعامل مع السياسات الأمنية الإلكترونية ويأتي الثالث وهو الأهم علي اعتبار ان الفكرة هي التي تحرك القوة ومن ثم فتتم المواجهة اللينة مع الإرهاب من خلال دحض أفكاره وعزله عن المجتمع ببث أفكار مضادة لما يروج له الإرهابيون وإتاحة الفرصة لحرية التعبير حتي يتم عزل تلك الأفكار المتطرفة ومنعها من تضخيم حجمها وحجم المؤيدين لها. وتتوقف فاعلية مستويات المواجهة تلك علي حيادية الأداة او الآلية المنوطة بها المكافحة وذلك بعيدا عن محاولات تسيسها سواء أكانت في اطارها داخل الدولة او علي المستوي الأهم وهو المستوي الدولي من خلال العمل في إطار الأمم المتحدة علي إيجاد جهة دولية محايدة ذات طابع استقلالي تمارس هذا الدور اما علي الجانب التشريعي الدولي فيتطلب محاولة إيجاد وفاق دولي أولا حول تعريف واضح للإرهاب وثانيا تحديد آليات المواجهة لاستخدام الإنترنت في بث الكراهية الدينية وازدراء الأديان و الفصل بينها وبين الإرهاب والاستفادة مما استقر عليه العرف والقانون الدوليان لوجود اتفاق دولي واضح يتكيف مع تلك الظاهرة وأهمية سعي المجتمع الدولي ليضطلع بإدارة الإنترنت عبر الأمم المتحدة وتعزيز التعاون الدولي في استراتيجيات أمنية واضحة لحماية البنية التحتية الكونية للمعلومات علي المستوي الثنائي والإقليمي والدولي علي اعتبار ان الإرهاب عبر الإنترنت يمثل تهديدا للأمن الانساني والأمن الجماعي الدولي.