الأخبار
القيم الصحافية الألمانية على المحك عند التماس مع قضايا اللاجئين
يشتد الجدل في الإعلام الألماني حول أحقية وسائل الإعلام بالكشف عن المشتبه بهم أو الجناة إذا كانوا لاجئين، استنادا لميثاق الصحافة الألمانية الذي يبيح ذكر انتماء المشتبه بهم، الديني والعرقي عندما تكون هناك فقط علاقة مبررة لفهم الوقائع، خوفا من تاجيج مشاعر الكراهية.
العرب
الخميس,15 ديسمبر 2016 - 01:27 م
مشاهدات: 354
برلين - منذ الاعتداءات التي قام بها مهاجرون في ليلة رأس السنة الميلادية الماضية وجدت وسائل الإعلام الألمانية نفسها محرجة في الكشف عن الحقيقة المرة: فجميع المشتبه بهم تقريبا كانوا من بلدان شمال أفريقيا أو من دول عربية أخرى.
وأجج ذلك المشاعر لتوجيه الاتهام والانتقاد لسياسة اللجوء التي تنتهجها الحكومة الألمانية. وأثار جدلا واسعا حول أحقية وسائل الإعلام في الكشف عن هوية المشتبه به إذا كان لاجئا، خاصة أن التردد في الكشف عن هوية المشتبه بهم جلب لوسائل الإعلام والمسؤولين السياسيين تهمة التمويه، بحسب ما ذكر موقع دويتشه فيله الألماني.
ورغم الانتقادات القوية قرر مجلس الصحافة الألمانية بعد مرور أسابيع على الإبقاء على المادة الـ12 في مضمونها الحالي في ميثاق الصحافة والتي تنص على أنه “لا يحق التمييز بين الأشخاص بسبب الجنس أو الإعاقة أو الانتماء العرقي أو الديني والاجتماعي”. ويتعلق هذا البند بعمل الصحافيين، إذ يتضمن “في حالة تغطية الجرائم يمكن ذكر انتماء المشتبه بهم، الديني والعرقي أو أي أقلية أخرى عندما تكون هناك فقط علاقة مبررة لفهم الوقائع”، لأن هناك خطر “أن يؤدي الكشف عن الهوية إلى تأجيج الأحكام المسبقة ضد أقليات”.
وتدخل سياسيون ألمان في النقاش، مثل الأمين العام للحزب الاجتماعي المسيحي أندرياس شويير، الذي ينتقد حزبه المحافظ بولاية بافاريا منذ البداية سياسة اللجوء التي تنهجها حكومة المستشارة أنجيلا ميركل، وقال “أصل الجناة والضحايا يجب ذكره بصفة مبدئية لتفادي الشائعات”.
في المقابل اعتبر لوتس تيلمانس، مدير أعمال مجلس الصحافة الألماني، مقترح أندرياس شويير “غير واقعي” و”تدخلا صارخا في حرية التحرير الصحافي”.
من جهته يدافع نادي “الإعلاميون الألمان الجدد” عن تنوع أكثر في وسائل الإعلام، حيث تنحدر غالبية الصحافيين فيه من أصول أجنبية.
ويعتزم النادي باستخدام أمثلة محددة تقديم براهين على السذاجة الكامنة وراء ذكر تفاصيل أساسية مرتبطة بالهوية بالنسبة إلى أي شخص يرتكب فعلا يعاقب عليه القانون.
ويقول تيلمانس إنه لا يمكن الإجابة بنعم أو لا على السؤال حول احتمال وجود أهمية لذكر هوية المشتبه به في قضية قتل فتاة بمدينة فرايبورغ حيث كان المشتبه به مراهقا أفغانيا يبلغ من العمر 17 عاما.
لوتس تيلمانس: يجب مراعاة التأثير على الجمهور عند الكشف عن هوية المشتبه بهم
واعتبر تيلمانس أن كل حالة يجب التعامل معها وتفسيرها حسب المعطيات، مضيفا أن ذلك من مهام الصحافي.
ويبدو بالنسبة إلى البعض أنه من الصعب إخفاء المعلومات مع الثورة التقنية الهائلة، وأشار شويير إلى أن وسائل الإعلام التقليدية لم يعد بإمكانها، حجب المعلومات بسبب الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.
ولم يقتصر الجدل في ألمانيا على الكشف عن هوية المشتبه بهم أو الجناة، إذ بدأ يطفو على السطح نقاش آخر حول تعامل وسائل الإعلام مع التفاصيل. حيث وجه سيل الانتقادات هذه المرة ضد نشرة الأخبار الرئيسية في قناة التلفزيون الأولى “ARD” التي لم تسلط الضوء على جريمة القتل في فرايبورغ نظرا “لأهميتها الإقليمية” المفترضة.
وقال لوتس تيلمانس “تسمية الأصل في هذه الحالة، التي باتت معروفة على المستويين الألماني والأوروبي أصبحت أساسية ومهمة بالنسبة إلى الفهم”.
وتمارس الضغوط حاليا من أجل إدخال تعديلات على ميثاق الصحافة، وهي ليست من الجانب السياسي فقط، بل أيضا من جانب الصحافة. ووصفت تانيت كوخ، رئيسة تحرير صحيفة “بيلد” الشعبية، ذلك البند في ميثاق الصحافة بأنه “رقابة ذاتية غير مبررة” تضر بمصداقية وسائل الإعلام.
بدوره يرى كريستيان ليندنر، رئيس تحرير صحيفة “راين تسايتونغ” التي تصدر في كوبلنز، أن الميثاق قديم على الأقل، وقال “أريد صياغة جديدة تخرج وسائل الإعلام من زاوية شبهة التكتم عن معلومات لأسباب سياسية”.
أما صحيفة “زيكسيشه تسايتونغ”، التي تصدر في دريسدن فقد قامت بتلك الخطوة وأصبحت تذكر مبدئيا أصل جميع الجناة حتى الألمان، الذين لا يعودون إلى أصول أجنبية.
وتبدو أسباب القلق في صفوف رؤساء التحرير اقتصادية في المقام الأول، لأن قطاع الصحف يعاني من ضغط منافسة وسائل الإعلام الإلكترونية. والقراء الذين يشعرون بأنهم يخضعون لمناورات من قبل صحيفتهم يمكن خسرانهم بسهولة.
لكن لوتس تيلمانس لا يريد على الرغم من ضغط مواقع التواصل الاجتماعي فقدان الجودة الصحافية، وصرح “نريد عرض محتويات ذات جودة. المحتويات
الصحافية لها جودة أكبر من وسائل التواصل العادية عبر المواقع الاجتماعية”. كما أنه عندما يتم الكشف عن هوية المشتبه بهم أو الجناة، “يجب مراعاة التأثير على الجمهور”.
ويجمع المختصون والخبراء في الشأن الصحافي على أن ميثاق الصحافة الألماني ليس مجسما متحجرا غير قابل للتعديل، وأنه يخضع لمقتضيات النقاش الحاصل في المجال الإعلامي، ومن ثم فإن البند الـ12 بوجه الخصوص في ذلك الميثاق سيثير مستقبلا نقاشات قوية.