عاجل
المقالات

تواطؤ العقل التكنولوجي والنيوليبرالية على مثالات التوسط والمداولة والفردية

تميل دراستي التقنية إلى القتامة لأن التقنية والتكنولوجيا، وسلطانهما لا يكف عن التعاظم، تعملان تصديعاً في بنية النظم الاجتماعية والذكاء الجماعي اللذين كانا مصدر هذه التكنولوجيات ذاتها. فتتناسل وقائع تفتقر إلى المشروعية الحقوقية والمعيارية

والتغيرات الجارية وفق نهج غير مسؤول ليست التقنية ذاتها ما حمل عليها، بل كان منطق السوق وعجز البشر عن استباق مفاعيلها المدمرة هما السبب فيها. فالمشكلة ليست التقنية إنما الغباء، فهي ما يصيبنا بالغباء وما يجيز لنا مكافحة غبائنا. ولا ينبغي لفظ التقنية أو إلقاء الحرم عليها، فالحري بنا هو تفكرها وتدبرها وتعلم التفكير معها.

وقد تكون الشبكة العنكبوتية مثالاً على انحراف التكنولوجيا حين تستعمل استعمالاً غبياً. فالشبكة في أول أمرها من ابتكار المنظمة الأوروبية للبحث النووي (CERN)، والغرض منها رعاية المناقشات والمطارحات بين الفيزيائيين وخبراء المعلوماتية، ثم بين المواطنين. وخرجت الشبكة إلى المضمار العام واتصل بها بلايين الأشخاص في غضون 10 أعوام، بين 1993 و2003. وفي أوائل عقد الألفين، شهدت الشبكة الاجتماعية ظهور المدونات. وفي 2010، غيَّرت الشبكات الاجتماعية على نحو حاد دور الشبكة الاجتماعية وفضاء تعبيرها: فالتعليق العام هو السبب في تعاظم طور المحاكاة التلقائية والآلية التي أقصت المطارحة والمحاورة، بينما أنشئت الشبكة في سبيلهما ولأجلهما.

وسبق أن درس برتران جيل، في أطروحته الصادرة في 1964 «مهندسو النهضة»، دور المحرك على البخار في تاريخ القرن التاسع عشر، ورفع موضوع التقنية إلى مرتبة الموضوع التاريخي الشريف. واقتفى أثره جورج كانغيليم وأندريه لوروا - غوران وجيلبير سيموندون والكاتب. وذهب جيل، في مقدمة كتاب موسوعي اعتنى بإصداره، «تاريخ التقنيات»، إلى أن كل مجتمع إنساني ينهض على نظام تقني، وما تتماسك به المجتمعات وترسي عليه دوامها هو ربطها دينامية التغير التقني ومتانة النظم الاجتماعية، الواحدة بالأخرى. ففي أثناء الثورة الصناعية، في مطلع القرن التاسع عشر، غلب على الاقتصاد معيار التجديد الدائم. وأرسى نابليون ثم بيسمارك شكلاً جديداً من أشكال الدولة والسلطة العامة تولى الوصل المنتظم بين النظام التقني وبين النظم الاجتماعية من طريق إعمال الإصلاح الدائم في المؤسسات وفي القوانين. وتبلور مع روزفلت وتنظيم العمل التايلوري مثال جديد سمي استهلاكياً، غلب على الولايات المتحدة في 1934، وقلدته الدول الأوروبية غداة الحرب الثانية.

وفي أواخر سبعينات القرن العشرين، جدد النيوليبراليون، وهم من سموا يومها «المحافظين الجدد»، النظر والرأي في المثال الاستهلاكي، ودعتهم إلى ذلك علل استراتيجية (جغرافية) في المرتبة الأولى: فيومها عمدت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبيك) إلى رفع سعر النفط، وانتقل الارتفاع إلى أسعار المواد الأولى كلها، واستقطبت بعض بلدان آسيا وحدات إنتاج واستثمارات أجنبية. والخشية من طروح السيطرة على الرأسمالية والأرباح عن رقابتهم، رعى الجمهوريون الأميركيون والمحافظون البريطانيون استراتيجية تقوم على إلحاق الاقتصاد الإنتاجي بمصالح الأسواق المالية (الأسهم والمصارف والسندات والمشتقات)، وإلغاء دور الدولة في التحكيم في تطور النظام التقني وعلاقته بالنظم الاجتماعية وأطوارها السياسية.

فحل إنشاء أسواق الخدمات – ومنها في عهد بوش الابن سوق الأمن والدفاع الوطني - محل وظائف الدولة. واعتبرت الدولة كابحاً لما أصبح ابتكاراً مضارباً وتصور على صورة منطق مالي يعمِل التدمير في الروابط الاجتماعية بديلاً من صونها. ويتيح إلغاء الحكومة، على قول ريغان، المضاربة على الكتل المالية لقاء ما سماه دوركهايم ضعف التماسك المعياري. وتصدير الرأسمالية الصناعية إلى «البلدان الصناعية الجديدة» (الصين، كوريا، وغيرهما) هو، تصدير للمخاطر (الإضرابات، تجميد رأس المال في الآلات...)، وإتاحة فرص التركيز على الشركات الناعمة (مراقبة الماركات، مراقبة التمويل والهولدينغز، على غرار نايكي) الدولية والمضاربة معاً، أي جاهلة بالنتائج المخالفة للاقتصاد الإيجابي.

وهذه التغيرات غذاها وحفزها، في 1993، شيوع استعمال الشبكة. وحل التيار الليبرتاري (الحرَّوي)، الداعي إلى إلغاء القوانين والاقتصار على العقود التجارية، محل «الثورة المحافظة، ليضطلع بغاياتها اضطلاعاً أكثر كفاءة وجدارة. ويشرح بيتر ثييل، مؤسس باي بال وفايسبوك ومستشار دونالد ترامب الشخصي، كيف ينبغي تدمير الدولة والديموقراطية ودائرة العمومية المشتركة والسياسية، وإلغاء القوانين التي تحول دون عمل السوق من غير قيد. وتلتف الرقمنة العامة، بواسطة التواصل المفرط، على العلاقات بين الأقاليم الوطنية، وعلى تشريعاتها وقوانينها الضريبية.

والشبكة العنكبوتية تتولى مراقبة المبادلات. وأقصت الدولة عن مراقبة هذه. وتحل الشبكة محل الأفراد وأقرانهم الافتراضيين، وتحملهم على الاحتساب، وتذيبهم في متوسطات مستخرجة من الاحصاءات. فالواحد يفرز آثاراً مسلكية تتولى المكاتب صوغ نماذجها المحتملة، وتقوم بحسابات تنزع إلى الحلول محل الأفراد أنفسهم وتستبق قراراتهم. وعلى هذا، تحطم التكنولوجيا المرقمنة كل صور التوسط والضبط والمداولة، وذلك بالالتفاف على الأفراد والنظم الاجتماعية والسلطات العامة.

وترعى استراتيجية الانقطاع والمداهمة سبق التكنولوجيات واستشرافها، قبل الأفراد والجماعات، المستقبل. وتتوسل إلى غايتها بتسريع تداول المعلومات ومعالجتها على نحو يفوق التصور. وبول فيريليو هو أول من تنبه إلى جدة المسائل السياسية التي تطرحها السرعة. وعلل فيريليو مفاوضات نيكسون وبريجنيف على نزع السلاح في 1972 بإدراك قيادتي الأركان الأميركية والروسية أن تعاظم القدرات على الحساب والتصويب والاطلاق قد يؤدي الى شن حرب نووية لم يصمم أحد على شنها.

وترمي استراتيجية الانقطاع والمداهمة إلى قيام الحسابات الجبرية محل الدولة من طريق إلحاق التكنولوجيات المعرفية (المعلوماتية والذكاء الاصطناعي والخزين العظيم big data والتعليم العميق deep learning) بنموذج تدبير يقوده السوق قيادة آلية وحسابية خالصة. إلا أن مثل هذا التدبير لا يستقيم. وسبق أن برهن فريديريك كابلان على أن رأسمالية غوغل اللغوية- وهي تقوم على بيع الكلمات بالمزاد وعلى الترجمة والتصحيح الآليين– تقود حتماً إلى تقليص اللغات إلى طرائق متوسطة في التكلم بها وكتابتها، أي إلى فقرها وذوائها. ويتولى غوغل إعمال سلاسل ماركوف التي تحل عمليات احتمالية في سرعة تبلغ ثلثي سرعة الضوء، وتعالج بلايين المعطيات معاً، وتجعل من اللغة نشاطاً يدخل في باب المتوسطات الإحصائية. ومن المعلوم منذ فريدينان دي سوسور أن الشواذ والاستثناءات التي تبرز في سياق تعاقب زمني هي عوامل تطوير اللغة. وعلى خلاف هذه الحال يقوي غوغل بعد التزامن في اللغة ويحاول قصرها على شارة إعلامية فحسب.

وحساب اللوائح الجبرية، الخوارزمية، هو في مثابة الفهم الآلي، وتوكيل آلة تعمل على مثال تحليلي وعلى غرار الفهم على ما وصفه كانط في «نقد العقل المحض». ولكن الفهم من غير العقل لا ينتج معرفة. فعلينا، بهذه الحال، إنجاز نقد جديد للعقل المعاصر، وإعمال التفكير في نظام جديد للمعارف والسلطات العامة والخاصة يرسم حدود عقل نعلم اليوم أنه أمسى عقلاً عكراً، أي تكنولوجياً، عليه أن يضطلع بجعل الصنع الرقمي دواء وليس سماً. والرقمنة، اليوم، اقتصاد تسلط واجتياح ينهب القطاعات عوض إنمائها واستيلادها العوائد. فهي لا تستنزف الموارد الطبيعية وحدها، فتستنزف الموارد الإنسانية والفكرية والعاطفية والحسية والفنية كذلك، وتقضي عليها جراء توحيدها وقولبتها. ولا غنى لمستقبل الإنسانية، إذا كان ثمة من مستقبل، عن تنمية طاقاتها وتأهيلها لتجاوز المفاعيل الانحطاطية المترتبة على العقل الجبري المعلوماتي والإعلامي.

وغلبة هذا العقل تُجري على لسان شاب في الخامسة عشرة من العمر، فلوريان، هذا القول: «أنتم من بلغتم من العمر أشده لا تفهمون شيئاً من جيلي، فنحن لا نحلم، ولن ننجب أولاداً، ولن نعمل، نحن الجيل الأخير». وفلوريان، على ما أرى، يفكر ما يفكره الناس ويسكتون عنه. أليس أفقنا هو نهاية العالم؟ كلنا نهجس بهذه المسألة. وجنوننا السائد هو ظاهرة تقوم على النكران. وينهض الجنون السائر على شعور يتشاركه الجميع بذواء المستقبل وتبدده، ونكران هذا الذواء، وينجم عن هذا فقد كل قدرة على البت في شأن من شؤون حياتنا. وأحد الشهود البارزين على ما أقول هو ألن غرينسبن معلقاً على أزمة 2008 المالية، وهو قال: «فقدنا السيطرة على أبسط الأمور وأقربها متناولاً وذلك لأن لوائح العلاقات الجبرية هي مصدر القرارات، وعلم الاقتصاد تصدع تحت وطأة هذه اللوائح».

 

 

* مدير معهد البحث والتجديد ورئيس رابطة «آرس اندوسترياليس»، عن «إسبري» الفرنسية، 3/4/2017، إعداد منال نحاس.

للكاتب Tags not available
طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك