لقد غيرت القدرة على كسب الأموال من خلال ممارسة لعبة ما حياة بعض اللاعبين، وغالبيتهم في الفلبين، والتي شهدت زيادة كبيرة في شعبية اللعبة، بعد أن أدى الوباء إلى منع الكثيرين عن العمل. كما أنَّ الدولارات -بالإضافة إلى العملات الرقمية- تفي بالحاجة، على الأقل عندما ترتفع أسعارها.
اللعب للتكسّب
من المستحيل تحديد عدد اللاعبين بغرض التكسب بالضبط. لكن كل المؤشرات تشير إلى ارتفاع أعدادهم. فمثلاً، يقيس أحد المؤشرات العلاقة بين الألعاب والمحافظ الرقمية، وهي تلك الحسابات التي يستخدمها الأشخاص لتلقي العملات المشفَّرة وادخارها. فاعتباراً من مارس الماضي، تم ربط حوالي 51 ألف محفظة نشطة يومياً بالعقود المتعلقة بالألعاب في نظام "بلوكتشين" البيئي، وفقاً لشركة "دابرادار" (DappRadar) التي تتعقب البيانات المتعلقة بالتمويل اللامركزي. وبعد ثلاثة أشهر، ارتفع هذا الرقم إلى 359 ألفاً و284 محفظة- بزيادة قدرها 599%.
إلى ذلك، تُظهر ألعاب مثل "أكسي" سبب انجذاب عمالقة التكنولوجيا إلى الـ"ميتافيرس"، إذ يتمتع المفهوم وإمكاناته بالقدرة على تغيير طريقة عملنا، وكسبنا للمال، وإنفاقنا إياه، وكذلك الطرق الأساسية التي نعيش بها، ونخطط وندير حياتنا وفقاً لها. وفي جوهر الأمر، يعِد عمالقة التكنولوجيا بتغيير الطريقة التي تعمل بها الرأسمالية.
كتبت أريانا سيمبسون، الشريك العام في شركة رأس المال الاستثماري "أندريسن هوروويتز" (Andreessen Horowitz)، التي استثمرت في استوديو "سكاي مافيس" (Sky Mavis)، المطور الفيتنامي للعبة "أكسي": "تجسّد (أكسي) جيلاً جديداً من الألعاب، إذ لا يعمل مبتكروها من مكان مخيف، بل كاقتصاد سوق حرة ومنفتحة. الأمر الذي ينطوي على تغيير ضخم بالنسبة إلى مستقبل الألعاب، وشبكة الإنترنت كما نعرفها بالفعل، بقدر ما يمكن لمخيلتك استيعابه".
إنَّ ما تلمّح إليه سيمبسون، يتجاوز مجرد حقيقة أنَّ لاعبي "أكسي" يمكنهم ربح العملات المشفَّرة، إذ تستعرض اللعبة الشهيرة كيفية عمل إحدى الركائز الأساسية لـ"ميتافيرس"، ألا وهي العملات غير القابلة للاستبدال، ولماذا قد يرغب أي شخص في الحصول على إحداها.
تعد العملات غير القابلة للاستبدال بمثابة شهادات رقمية، تساعد في إثبات الملكية لأشياء في عالم الإنترنت. وقد تم بيع بعضها بملايين الدولارات، لكن معظمها ليس له قيمة اقتصادية واضحة، ولا يتطلب أسعاراً مرتفعة. في الآونة الأخيرة، تم بيع واحدة من تلك العملات بأكثر من 500 مليون دولار، والتي تبيّن لاحقاً أنَّه لم يتم بيعها على الإطلاق. ومنطقياً، ما يزال معظم الأمريكيين في حيرة من أمرهم بشأن كل ذلك.
مجموعة العملات غير القابلة للاستبدال
برغم بدائية المفهوم، يجب على اللاعبين في جانب "أكسي" من الـ"ميتافيرس"، شراء عملات غير قابلة للاستبدال -وحوش "بلوبي" (blobby) التي تسمى "أكسي"- قبل أن يتمكّنوا من اللعب. ويتطلب الأمر مبلغاً يتم دفعه مسبقاً لا يقل عن ثلاث عملات "أكسي"، يبلغ سعر الواحدة منها 300 دولار، يتم دفع ثمنها بعملة "إيثريوم"، وهي العملة الرقمية الثانية بعد "بتكوين". بعبارة أخرى، يتطلب الأمر ما يقرب من ألف دولار لبدء اللعب، مع عدم وجود ضمانات للنجاح.
النتيجة: أصبحت "أكسي" المجموعة الأغلى بين العملات غير القابلة للاستبدال حول العالم حتى الآن.
وعليه، تجد الأرقام مثل تلك، آذاناً صاغية لدى الأثرياء. في مايو الماضي، استثمر رجل الأعمال الأمريكي، مارك كوبان، وأليكسيس أوهانيان، الشريك المؤسس لمجتمع "ريديت" الإخباري، في استوديو "سكاي مافيس". كما أطلق جاستن صن، الرئيس التنفيذي لشركة "بت تورنت" (BitTorrent)، ومؤسس "ترون فاونديشن" (TRON Foundation)، صندوقاً بقيمة 300 مليون دولار يركز على اللعب من أجل الربح و"غيم فاي". كما قادت "أندريسن هوروويتز"، التي تقدر قيمة "سكاي مافيس" بمبلغ 3 مليارات دولار، مؤخراً، جولة تمويل ثانية بلغت حوالي 150 مليون دولار.
قيمة متزايدة مع الوقت
إنَّ ما يميز العملات غير القابلة للاستبدال في مجتمع "غيم فاي" هو كونها ليست مجرد ملفات رقمية نمعن النظر إليها، بل تقوم تلك العملات بإنجاز الصفقات والتفاعل مع العملات الأخرى المماثلة، ويمكن أن تزداد قيمتها بمرور الوقت. إليك كيفية حدوث ذلك:
تخيل أن تكون قادراً على كسب المال من خلال لعب "ماريو كارت" (Mario Kart) التي لا تعرف الكلل، وهي إحدى منتجات "نينتيندو" (Nintendo) المبنية على لعبة "سوبر ماريو" (Super Mario) من حقبة ما قبل الإنترنت. لن تحتاج إلى إتقان اللعبة، ولن تضطر إلى اللعب على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع. لأنَّه، في هذه التجربة الذهنية، يتسنى لك أن تكون "ماريو" قدر ما تشاء، وذلك لأنَّك تملكه.
وبما أنَّ "ماريو" الخاص بك هو محض عملة غير قابلة للاستبدال، فمن المستحيل استنساخه. فأنت، وأنت وحدك، تملكه. ومن ثم؛ فإنَّ سيارة السباق الصغيرة الخاصة بك هي دائماً أفضل وأسرع من تلك التي تقودها الوجوه المألوفة الأخرى في مملكة الفطر مثل "لويجي"، وشخصيات الـ"تود"، والأميرة "بيتش". لذا انطلق، واكسب العملة الرقمية للمملكة. دعنا نطلق عليها "عملات ماريو" (Mariocoins).
بالنظر إلى اقتصاديات السوق، قد تضطر إلى دفع المزيد في مقابل عملات "ماريو" غير القابلة للاستبدال مقارنةً بنظيراتها من عملات الأميرة "بيتش" على سبيل المثال. لكن بعد ذلك ستربح المزيد أيضاً، لأنَّه، هنا في مملكة الفطر، "ماريو" هو اللاعب الأسرع. عندما تخرج من اللعبة، وتعود إلى وظيفتك اليومية، فأنت ما تزال تملك "ماريو". وعندما تبدأ اللعب مرة أخرى، سيكون بانتظارك لجني "عملات ماريو" لحسابك.
يمكنك بيع "ماريو" إلى لاعب آخر إن أردت. ولو أنَّك لعبت "ماريو" بشكل صحيح، فقد تكون قيمته الآن أكبر مما كانت عليه عندما اشتريته. وربما تظهر كيف يمكن أن يكون "ماريو" مربحاً. أو ربما يريد المزيد من الناس لعب "ماريو كارت". وقد تكون قيمة "عملات ماريو" قد ارتفعت، لأنَّ الجميع يتحدث عنها على وسائل التواصل الاجتماعي.
هذا، باختصار كبير، هو ما يحاول دعاة "غيم فاي" تأسيسه.
قال ألكسندر ليونارد لارسن، المؤسس المشارك في "أكسي": "يمكن للاعبين بالفعل امتلاك عناصر اللعبة، ويمكنهم أن يروا أنَّها نادرة. وهذا أكثر واقعية مما لو رأيت شخصاً يرتدي حقيبة من "لوي فيتون" في الشارع. فليس لديك أي فكرة حرفياً عمّا إذا كان هذا الشيء حقيقياً أم لا. وهذا الشك الذي تشعر به مناسب جداً لعالم اليوم، لأنَّ كل شيء مزيف للغاية. لكن ما تجلبه تقنية "بلوكتشين" هو الثقة. وهو ما يمتد إلى الأصول الرقمية بعد ذلك".
تحول الألعاب
على مدى سنوات، دفع لاعبون مثل بيوريفوي إلى أباطرة صناعة تبلغ قيمتها 175 مليار دولار- "سوني" (Sony)، و" نينتندو" (Nintendo)، و"تينسنت" (Tencent)، و"مايكروسوفت" (Microsoft)- إجلالاً للعب في الإقطاعيات الرقمية. لقد شاهدوا ثمار عملهم -تلك النجوم والقلوب المكتسبة، والمستويات التي يجتازونها- تتلاشى إلى لا شيء بمجرد انتهاء اللعبة. إنَّهم يريدون شيئاً أكثر، هو شيء أقرب إلى الرأسمالية، والذي ينطوي على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، والعمل بأجر، والتبادل الطوعي.
في هذا النظام العالمي الجديد، يشبه بيوريفوي، إلى حدٍّ ما، المصرفي. لقد أنشأ نقابته الرقمية التي بنيت حول شخصيته عبر الإنترنت، والتي تسمى حرفياً "الرأسمالي" (Das Kapitalist) بالألمانية. يلتقي أعضاء هذه النقابة على منصة "تويتش" (Twitch) المرئية، والتي تعمل كمنصة "يوتيوب" (YouTube) لألعاب الفيديو، نظراً لما تحتويه من خصائص البث المباشر والدردشة.
وكون عملات "أكسي" غير القابلة للاستبدال باهظة الثمن، يقوم بيوريفوي بتمويل "المنح الدراسية" للاعبين الراغبين في الانضمام من جميع أنحاء العالم؛ إذ يمتلك اللاعب العشريني العملات، لكن أعضاء نقابته يلعبون بها، ويكسبون المزيد من العملات المشفَّرة. ثم يقتسم "بيوريفوي" المكاسب مع فريقه.