عاجل
المقالات

اليابان تتظاهر ضد الطاقة النووية

لم يشبه ذلك «حشداً» بل «تجمعاً لمواطنين كان كل منهم مسؤولاً ومدفوعاً بإرادته الخاصة»، وفق ما قال كنزابورو أوي (الحائز على جائزة نوبل للآداب والشخصية المحورية في الحركة المناهضة للطاقة النووية) في خطابه الذي ألقاه أثناء تظاهرة حملت اسم «وداعاً للطاقة النووية»، وهي تجمُّع كبير زاد عدد المشاركين فيه على مئة ألف شخص في السادس عشر من تموز (يوليو).

انطلقت الدعوة إلى التجمع، أمام مقر إقامة رئيس الوزراء في طوكيو وفي شوارع الأرخبيل الياباني كافة، بعد كارثة فوكوشيما (آذار/ مارس 2011) ولم تكف عن التضخم إلى أن وصلت هذا الصيف إلى السعة غير المسبوقة. وقالت الكاتبة كيكو أوشاي أثناء الاجتماع ومكبّر الصوت في يدها، مستعيدة رد فعل رئيس الوزراء يوشيهيكو نودا (الذي لم يرَ في الاحتجاجات على إعادة تشغيل المفاعلات النووية غير «ضجيج») «إن هذا ليس مجرد ضجيج. خذ أصوات الاعتراض على أنها صخب صوتي، وها نحن أمام موقف ديموقراطي! فلنظهر له ما هي الديموقراطية الحقيقية!». كانت ترد على إهانة. لا شك في أن تعبئة «المواطنين المسؤولين» ليست الديموقراطية البرلمانية. بيد أن ذلك لا ينفي أنها «الديموقراطية». ولا يندرج هذا في نظام للأحزاب السياسية، ولكن، هذه هي «السياسة». وشكّل المحتجون، معاً، فضاء سياسياً جديداً. ومساء كل يوم جمعة (أثناء التجمعات المناهضة للطاقة النووية أمام المقر الرسمي لرئيس الوزراء)، يُنظَّم «تكتل عائلي» على الرصيف المقابل للمدخل الرئيس للبرلمان حيث يتجمع أهل وأولادهم، وينادون بصوت واحد «احموا أطفالنا! احموا الحياة!». في الجهة الثانية، يرتفع هدير الطبول التي يقرعها ناشطون ويتردد صداه في سماء الليل. وتقول الأمهات الشابات إن ذلك «يخلق جواً مناسباً» فيما يصفقن ويرقصن مع الإيقاع. ولا تقتصر الحركة على التظاهرات في الشارع. ومنذ عام تتواصل بلا كلل تعبئة المواطنين (خصوصاً في كتابة العرائض) من أجل إجراء استفتاء وطني أو إقليمي حول الطاقة النووية.

ولم يسبق أن كانت الرغبة في اللجوء إلى الديموقراطية المباشرة أقوى مما هي الآن في اليابان. هل يرجع ذلك إلى خيبة الأمل التي أطلقتها ديموقراطية تمثيلية عديمة الفاعلية على رغم تحقيـق التداول على السلطة تغييراً تاريخياً (وصل الحزب الديموقراطي في 2009 إلى السلطة بفوز كبير في الانتخابات التشريعية، منهياً بذلك حكم الحزب الليبرالي الديموقراطي الذي استمر لأكثر من نصف قرن)؟ أو هـــل هو امتعاض من الأحزاب السياسية التي لم توقف مشاحناتها في زمن أزمة وطنية؟ مهما يكن الأمر، فإن لامبالاة المواطنين بالأحزاب السياسية لا تعود إلى يوم أمس. ثمة ما تغير إذاً في بلدنا. شاركنا في 28 تموز في ولادة الحزب الأخضر الياباني. وقرر أكثر من ألف مسؤول محلي منتخب المشاركة في أعمال الدولة. ما هو مشروعهم السياسي؟ التخلي التام عن الطاقة النووية. لذلك، هم مستعدون لاستخدام أدوات الديموقراطية المباشرة. وتبدو هذه كأحد مفاتيح الهيمنة على الوضع الحالي في اليابان الراسخة في أفكارهم، ولا ينقص الطموح مطالبهم: «كنا حتى الآن دمى في يد حضارة قائمة على الاستهلاك الواسع للطاقة كالنفط والطاقة النووية.

ونتمنى تغيير مفهوم هذه الحضارة الحديثة القائمة على مفهوم الاستغلال السيء للطبيعة، تغييراً جذرياً والانتهاء من سياسة النمو بأي ثمن». يتكرر هذا النقاش منذ السبعينات، بيد أننا اعتبرنا دائماً أن الواقعية تنقص هذه المواقف. ما الموقف الآن بعد الحادث النووي؟ وفي الحصيلة التي قدمتها في حزيران (يونيو) 2011 اللجنة الحكومية المكلفة التفكير في إعادة البناء، يمكننا قراءة الفقرة الآتية: «أعادت الكارثة فجأة تسليط الضوء على هشاشة الحضارة الحديثة. إن لبّ حضارتنا هو ما تعرض للخطر». الحادث النووي كان من دون شك حاسماً في إقناع اليابانيين بالنزول إلى الشوارع. أضيفت إلى ذلك إعادة تشغيل المفاعل النووي (في أوهي، جنوب غربي هونشو في بداية تموز)، ما أثار الاستياء وصبّ الزيت على النار. ?* صحافي، عن «اساهي شيبمون» اليابانية، 10/8/2012 إعداد حسام عيتاني

طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك