ترتبط تهمة الخيانة التي يواجهها ميخائيلوف وساشكوف بالنزاع القديم بين جهازّي "جي آر يو" و"إف إس بي" اللذين يتنافسان على الموارد والسطوة في العديد من المجالات، بينها عمليات القرصنة الأجنبية، بحسب ثلاثة أشخاص مطلعين على القضية.
التحقيقات الأمريكية
كانت شركة "كرواد سترايك هولدينغز" (Crowdstrike Holdings) الأمريكية المتخصصة بمكافحة الجريمة السيبرانية، التي تم تكليفها في عام 2016 في التحقيق بعملية القرصنة التي طالت اللجنة الوطنية الديمقراطية، قد حمّلت جهاز "جي آر يو" مسؤولية الخرق وتسريب وثائق سرية داخلية، وعادت وكالات الاستخبارات الأمريكية وتبنّت نتيجة هذه التحقيقات. وقد وجدت "كرواد سترايك" أنَّ كلاً من جهازَي "جي آر يو"، و"إف إس بي" انتهكا خوادم اللجنة الوطنية الديمقراطية في إطار عمليات منفصلة في عامي 2015 و2016، مما يشير إلى وجود منافسة بين الجهازين.
أدت عملية قرصنة خوادم اللجنة الوطنية الديمقراطية إلى نشر منظمة "ويكيليكس" حوالي 200 رسالة إلكترونية خاصة قبيل انعقاد المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي الذي اختار هيلاري كلنتون كمرشحة رئاسية عن الحزب في يوليو 2016. وكشفت الوثائق حينها عن مساعٍ قام بها مسؤولون في الحزب لتقويض المنافس الرئيسي لكلينتون، بيرني ساندرز، مما أجبر رئيسة اللجنة الوطنية الديمقراطية على الاستقالة. وقد عزت كلينتون هزيمتها في الانتخابات العامة أمام دونالد ترمب في وقت لاحق إلى التدخل الروسي. إلا أنَّ بوتين نفى مراراً وتكراراً أن تكون الدولة الروسية قد تدخلت في الانتخابات الأمريكية.
اعتقال في سويسرا
نقلت "بلومبرغ" عن ثلاثة أشخاص مطلعين على قضية ساشكوف، أنَّ من الأسباب التي ربما أدت إلى استهدافه، أنَّه قام بتزويد وكالات غربية بمعلومات عن فلاديسلاف كليوشين، مؤسس شركة أمن سيبراني أخرى مرتبطة بالكرملين، و كان قد تم اعتقاله من قبل السلطات السويسرية بطلب أمريكي في مارس الماضي بعد أن ترجّل من طائرة خاصة، وهو في طريقه لقضاء عطلة تزلج مع عائلته.
يقبع كليوشين البالغ من العمر 41 عاماً في سجن ذي حراسة مشددة في سويسرا منذ ذلك الوقت، وهو يحارب ضد تسليمه إلى الولايات المتحدة، إذ يواجه تهم المضاربة من الداخل. وقال محاميه، أوليفييه سيريك، إنَّ السلطات الأمريكية تسعى إلى اتهام موكله بالوقوف خلف عملية القرصنة خلال الانتخابات. وهو يرى أنَّه تم اختلاق تهمة المضاربة من الداخل كـ"ذريعة" بهدف جلب كليوشين إلى الولايات المتحدة للضغط عليه من أجل الإفشاء بمعلومات حول العملية.
قال كليوشين الذي تحدث من خلال محاميه إلى "بلومبرغ"، إنَّه لا يعرف سبب اعتقاله في مارس وليس قبل ذلك، مشيراً إلى أنَّه كان يسافر بحرية إلى أوروبا قبل ذلك. وأضاف أنَّه لا يعرف ما إذا قدَّم ميخائيلوف وساشكوف أي معلومات عنه، ولا يعرف شيئاً عن أي تعاون محتمل بين شركة "غروب – آي بي"، وأجهزة الاستخبارات الغربية.
معلومات تضر الكرملين
يمتلك كليوشن بحراً من المعلومات حول التدخل الروسي في الانتخابات عام 2016، ومن شأن تسليمه إلى الولايات المتحدة أن يلحق ضرراً كبيراً بالكرملين، وفق ما أدلى به شخصان على اطلاع على المسألة.
كليوشن؛ هو صاحب شركة "أم 13" التي يفيد موقعها الإلكتروني بأنَّها تقدّم خدمات متابعة إعلامية لصالح الكرملين ووزارة الدفاع وغيرهما من المؤسسات الروسية. ويشار إلى أنَّ إيفان ييرماكوف كان أحد الموظفين المهمين لدى كليوشن كان، وهو من بين 12 عميلاً مزعوماً لجهاز "جي آر يو" ممن تم توجيه الاتهامات إليهم في الولايات المتحدة على خلفية عملية القرصنة خلال الانتخابات، فضلاً عن أنَّه أحد المتهمين الآخرين في قضية المضاربة من الداخل المرفوعة ضد كليوشن، بحسب المستندات القضائية الأمريكية التي اطلعت عليها "بلومبرغ".
بالنسبة إلى ساشكوف؛ بدأت بوادر الخطر في الأسابيع الأخيرة قبل اعتقاله في سبتمبر. فقد أخبر زملاء له بأنه تم تحذيره من مغادرة البلاد، وقال شخص مقرب منه، إنَّه كان يخشى الاعتقال. ويزعم أنَّ ساشكوف قال لشخص آخر، إنَّه إذا اكتشفت السلطات الروسية المعلومات التي كشف عنها؛ فإنَّها سوف تقوم بتصفيته.
بانتظار المحاكمة
مصير ساشكوف معلّق على محاكمة سرية يقول محامو الدفاع عنها، إنَّها قد لا تبدأ قبل 12 إلى 18 شهراً. وهو حالياً رهن الاعتقال في سجن "ليفورتوفو" سيئ السمعة في موسكو، الذي كان تابعاً في الماضي لـ"كي جي بي"، ولديه تاريخ طويل كسجن للمعتقلين السياسيين، إذ يُعرف بظروفه القاسية والقواعد الصارمة التي تقيّد التواصل مع المعتقلين. وكان مراقب عام يهتم بحقوق الإنسان قد زار ساشكوف في أكتوبر، وقال، إنَّ الأخير أبلغه أنَّه غير قادر على إرسال وتلقي الرسائل، وهو يعاني من شبه فراغ على صعيد المعلومات.
إلا أنَّ أفاناسييف، محامي ساشكوف قال في 22 نوفمبر، إنَّ ظروف اعتقاله تحسّنت. فقد تم نقله إلى زنزانة أفضل، وبات قادراً على تلقي الرسائل، وتم تأمين أدوية له مع طعام يتناسب مع احتياجاته الغذائية، إلا أنَّه حتى الأول من ديسمبر لم يكن قد تلقى أي زيارة عائلية بعد. كما قال، إنَّ ساشكوف "يقدّم شهادة" إلى المحققين من خلف القضبان.
كان ساشكوف الذي تم تمديد فترة اعتقاله ما قبل المحاكمة إلى ثلاثة أشهر إضافية حتى 28 فبراير، قد وجّه رسالة من خلال محاميه طلب فيها من بوتين استبدال سجنه بالإقامة الجبرية. وقال في الرسالة بحسب أفاناسييف: "أنا لست خائناً، ولا جاسوساً، أنا مهندس روسي".