يُخطئ مَن يظن أن مشكلات الذكاء الاصطناعى ومعضلاته تدخل فى باب الرفاهية أو الترف الفكرى، الذى يخص الحضارات المتفوقة التى ابتدعت هذه التكنولوجيا الفريدة. مَن يفكر على هذا النحو يُشبه شخصًا من بلد متأخر يتأمل الثورة الصناعية فى بريطانيا حول عام 1800م، وما تثيره من مشكلات فى المدن، وما تسببت فيه من اضطراب اجتماعى، ثم يقول: ما أبعدنا نحن، فى عالمنا الهادئ الرتيب، عن مشكلات العالم الصناعى ومعضلاته المختلفة. هذا الشخص لا يعرف أنه فى ظرف مائة أو مائة وخمسين عامًا سوف يصبح العالم كله أسيرًا لذات المشكلات. السبب أن الصناعة- كنمط للإنتاج وتنظيم المجتمع- سوف تجتاح العالم كله، وتكتسح أمامها المجتمعات القديمة كالعاصفة، جالبةً معها ذات المشكلات ونفس القضايا تقريبًا التى ظهرت فى منشئها الأول منذ 200 عام !.
نفس النمط سوف يتكرر مع الذكاء الاصطناعى، مع فارق جوهرى أن «إعصار الذكاء الاصطناعى» سوف يهب فى تسارع مذهل مقارنة بعاصفة الصناعة. سوف تنتشر هذه التكنولوجيا، التى تُعد الأهم والأخطر والأعمق تأثيرًا، فى كافة بقاع المعمورة وتتغلغل فى كافة المجتمعات. ستكون التأثيرات متفاوتة بطبيعة الحال. بعض المجتمعات سوف يظل مستقبِلًا للتكنولوجيا، عاجزًا عن الاشتراك الفعّال فى عملية ابتكارها، ومن ثَمَّ بعيدًا عن الجدل الكبير الذى يدور بشأنها على كافة المستويات. غير أنه يصعب تصور إفلات مجتمعٍ من المجتمعات من آثار ثورة الذكاء الاصطناعى بكل ما تحمله من أسباب الرخاء والرفاهية، أو ما قد تخلقه- كما هو معتادٌ فى هذه الثورات الكبرى فى التاريخ البشرى- من مُشكلات جديدة، ومعضلات غير مُتوقَّعة .
مفروض علينا، والحال هذه، ألّا نكون بعيدين عما يصحب هذه الثورة البازغة من جدل يدور اليوم فى دوائر مختلفة. معضلات الذكاء الاصطناعى ليست فقط تكنولوجية، ولكنها تدخل فى صميم طرق الحياة، وإدارة المجتمعات والاقتصاد، والسياسة والنظم العسكرية. الجدل حول هذه المعضلات له طبيعة فلسفية وأخلاقية ودينية أيضًا، إذ إنه يلمس أسئلة كبرى حول دور الإنسان فى العالم، ومعنى الذكاء البشرى، والأدوار التى يُمكن للإنسان التخلى عنها للتكنولوجيا- كما فعل باستمرار عبر التاريخ- مقارنة بالمهام التى لا يمكنه التفريط فيها للآلة بأى حال من الأحوال .
وتتمثل المعضلة الكبرى لنظم الذكاء الاصطناعى فى ظهور «عقل» أذكى من البشر، يستطيع القيام بكافة المهام العقلية التى ظلت لصيقة بالبشر وحدهم منذ ظهورهم على الأرض. السؤال هنا: أىُّ مستقبلٍ للبشر، الذين تُعد حضارتهم منجزًا لعقولهم، فى عالمٍ تنافسهم فيه عقول أذكى؟
شبّه البعض الأمر بالغوريلا، التى ظلت الأرقى والأذكى على سلم التطور، إلى أن ظهر الإنسان. انظر أين صار الإنسان، وإلى أين صارت الغوريلا اليوم؟ فهل نذهب نحن إلى نفس المصير؟. ترتبط بهذا معضلة أخرى تتعلق بالسيطرة، إذ لم نسمع أبدًا عن كائن أذكى قبِل بسيطرة كائن أقل ذكاء عليه. على هذا النحو، تصير سيطرة الآلات مسألة وقت. ماذا يكون حال البشر إن صار فى مقدور الآلة أن تتعلم فى ساعات معدودات ما ينفقون هم عشرين عامًا من أعمارهم لتعلمه وإتقانه؟
لقد تنبأ العالِم البريطانى «آلان تورنج»- رائد علم الحاسوب والخوارزميات- ومنذ الخمسينيات(!) بسيطرة الآلات، التى سوف تسعى إلى أهداف لا يمكن التدخل فيها أو وقفها. هذا رأىٌ سائدٌ فى الأوساط العلمية. عالِم المستقبليات البريطانى «جيمس لوفلوك» يرى أننا مقبلون حتمًا على عصر سمّاه «الحقبة الجديدة» يتقاسم فيه البشر السيطرة على الكوكب مع كائنات سيبرانية واعية، بل اعتبر أن هذا التطور هو ما قد يُمكِّننا من تجاوز التهديدات الكبرى التى تحاصرنا مثل الاحتباس الحرارى، إذ سنحتاج إلى هذا الذكاء السيبرانى لمواجهة هذه التهديدات !
على أن العلماء مختلفون فى تحديد أفق زمنى لهذا التطور المقبل. والأغلب أننا على بُعد عقودٍ منه، وأننا لانزال على شواطئ البحر ولم نُبلِّل أقدامنا بعد بمياهه. وإن كان هناك فى المجتمع العلمى مَن يرى أن التطور قد يأتى بأسرع مما يتصور أى أحد !
ولكن فيمَ تختلف هذه الثورة عن ثورة المعلومات والحواسيب التى نحيا فى ظلها، ونتعايش معها بصورة أو بأخرى، دون أن تُحدث فينا أو فى مجتمعاتنا تغييرات كاسحة ومُزلْزِلة كتلك التى تعِد بها ثورة الذكاء الاصطناعى؟
ربما نقف على هذا الفارق فى لحظةٍ من تلك اللحظات الفارقة تلك التى استطاع فيها برنامج كمبيوترى التغلب على بطل العالم فى لعبة «جو » Go الشهيرة لدى الآسيويين. «هنرى كيسنجر» توقف عند هذه اللحظة متأملًا بقدرٍ من الرعب، وقال إنها يمكن أن تؤشر إلى نهاية عصر العقل كما عرفناه، وبما يرتب معادلات جديدة كليًا فى العالم .
لماذا كانت تلك لحظة فارقة؟
لعبة «جو» هى لعبة استراتيجية أعقد كثيرًا من الشطرنج. عدد الخطوات الممكنة فى أى وضع يصل إلى 200 فى المتوسط، بينما فى الشطرنج لا يتعدى 20. عدد التشكيلات المحتملة للرقعة يفوق عدد الذرات فى الكون(!). اللعبة تعتمد على الإمكانات المختلفة للذكاء البشرى، بما فيها الحدس. طورت شركة «ألفا» البريطانية برنامجًا استطاع التغلب على بطل العالم لعشر سنوات فى اللعبة. الأخطر أن هذا البرنامج لم يتم تطويره من خلال إعطائه قواعد للعمل، كما الحال مع البرامج التى هزمت بطل العالم «كاسباروف» فى الشطرنج. وإنما اعتمد مطوروه على «تعلم الآلة» لنفسها بنفسها. لقد عُرض على «ألفا جو» نحو 100 ألف مباراة لكى تتعلم منها، ثم قامت الآلة بمنازلة نفسها فى اللعبة ملايين المباريات. الآلة التى تتعلم ذاتيًا كانت قفزة كبرى. لقد تعلمت هذه الآلة نفسها عن الشطرنج فى 8 ساعات ما تعلمه البشر من حيل وأفكار واستراتيجيات فى 1500 عام !
مع ذلك، تبقى ألعابٌ مثل الشطرنج و«جو» نظمًا مغلقة، لها قواعد معلومة. العالم الواقعى لا يسير على هذا النحو، فطابعه هو انعدام اليقين والمشكلات غير المُتوقَّعة، فهل تستطيع الآلة التعامل مع مشكلات العالم كما نعرفها نحن البشر، وكما نتعامل معها بتفكيرنا المنطقى، وأحيانًا كثيرة بحدسنا الغريزى؟
.
بخلاف أفلام الخيال العلمى التى تتصور سيناريوهات مستقبلية تُسيطر فيها الآلات على العالم، فإن التصور لدى أغلبنا هو أن عصر الذكاء الاصطناعى ليس سوى قفزة تقنية ينعم فيها الإنسان أكثر بخيرات التكنولوجيا وما توفره من رفاهية. الروبوت يُمكن أن يقوم بشغل البيت، ويمكنه أن يطهو، ويمكنه أيضاً أن يجرى عمليات جراحية دقيقة. باختصار، ليس هناك ما يدعونا لتصور الآلة إلا خادماً لنا. كلمة «روبوت» نفسها تعود إلى أصل تشيكى يعنى «العمل بالسخرة»، وتُشير إلى آلات لها مظهر الإنسان فى حين تتصرف مثل العبيد. على أن عالم البيئة والمستقبليات الإنجليزى الشهير «جيمس لافلوك» يقول لنا إن المستقبل أبعد ما يكون عن هذا التصور.
فى كتابه «نوفاسين: العصر القادم للذكاء الفائق»، الصادر فى 2019، يتنبأ «لافلوك» بأننا على أعتاب حقبة جيولوجية جديدة أطلق عليها «نوفاسين»، أى العصر الجديد، مثلها مثل الحقب السابقة فى تاريخ الأرض الكبير، كالعصور الجليدية المختلفة وعصر الزراعة. سوف تشهد هذه الحقبة تطور نوعٍ آخر من الحياة، بخلاف الحياة العضوية للكائنات الحية، هو الحياة الإلكترونية!.
يقول العالم الإنجليزى، الذى ناهز المائة عام، إن صورة الحياة الجديدة ستأتى بأسرع مما نتصور. إذا كانت الزراعة قد استغرقت عشرة آلاف سنة، والصناعة مائتين لا غير، فإنه يتوقع أن العصر الجديد لن يستغرق سوى مائة عام لا أكثر. السبب أن الآلة أسرع منّا عشرة آلاف مرة. الزمن عند «الكائنات السيبرانية» سيكون مختلفاً. الآلات سوف تنهمك فى تعليم نفسها، وتدخل فى عملية تطور أسرع كثيراً من أى شىء عرفناه. يضرب المثل بقانون «مور» الشهير الذى تنبأ بتضاعف القوة الكمبيوترية كل عامين. هذا المعدل يعنى تضاعف قوة الكمبيوتر تريليون مرة فى 80 عاماً!.
النقطة الفاصلة، من وجهة نظره، ليست اختراع الذكاء الاصطناعى، ولا اختراع الكمبيوتر نفسه. النقطة الفاصلة حدثت عندما صارت هناك ضرورة هندسية حتمية للجوء إلى الآلات لتصميم وصناعة آلات أخرى. الهاتف النقال الذى نحمله فى يدنا، بجهاز المعالجة متناهى الصغر فى داخله، لا يُمكن أن يصممه إنسان. الحاجة إلى تصميم الآلة للآلة تجعل انتقالنا إلى «العصر الجديد» مسألة وقت كما يقول الكتاب.
«التعليم الذاتى»، أو ما يُسمى «التعليم العميق» هو عتبة حاسمة أخرى. علينا أن نتحلى بالخيال لكى نتصور ما يُمكن أن يحدث إن استطاعت الآلات تعليم نفسها. الإنسان يحتاج إلى عشرة آلاف ساعة لكى يتقن مهارة معينة، مثل العزف على البيانو أو لعب الشطرنج، إلى حد التميز.
الآلة، المزودة بخوارزميات التعلم الذاتى يمكنها فعل ذلك فى 24 ساعة!.
غير أن ذكاءنا البشرى، وإن كان أبطأ من الآلة، ينطوى على ميزة كبرى. نحن نستطيع التفكير فى مسارات متوازية. الدماغ البشرى يعالج ملايين المعلومات الحسية من الأعضاء فى الوقت نفسه.
الآلة لا تستطيع التفكير سوى فى سبعة مسارات متوازية على الأكثر. نحن أيضاً لا نفكر فقط بشكل خطى ومنطقى. بل إننا كثيراً ما نعتمد على الحدس والغريزة. لاعب التنس لا يقدر المسافات وسرعة الكرة بالحسابات، لو فعل ذلك لاستغرق أياماً قبل أن يضرب الكرة.
وإنما هو يتحرك بشكل لحظى وغريزى، تماما كالإنسان الأول الذى احتاج للهرب من الضوارى والوحوش. هذا النوع من التفكير، كما يقول «لافلوك» هو ما نستخدمه، فى واقع الأمر، للوصول إلى حلول إبداعية للمشكلات. الاكتشافات والاختراعات الكبرى لم تكن وليدة تفكير خطى ومنطقى، بل نتاج الحدس والخيال.
ولكن ما المانع أن تصل الآلة إلى هذا النوع من التفكير أيضاً؟ المؤلف يتصور أن «الكائنات السيبرانية» لن تتواصل باللغة مثلنا، بل بالتخاطر! اللغة البشرية، على عبقريتها وفائدتها فى تحقيق التواصل، تدفعنا دائماً للتفكير المنطقى البطىء. التخاطر نوع أسرع كثيراً من التواصل يعتمد على نمط آخر من التفكير يقوم على الحدس. يُضيف المؤلف أن التخاطر ليس تخاريف أو تهويمات، لأننا نستخدمه كل يوم فى تكوين انطباعاتنا عن الآخرين بمجرد النظر فى وجوههم، بل إن ما يُعرف بـ«الحب من النظرة الأولى» هو نوعٌ من التخاطر. الحياة الإلكترونية سوف تتواصل بهذه الطريقة، وسوف تتواجد معنا على الأرض فى نطاق يُجاور الحياة العضوية التى نعرفها. فأى علاقة تسود بين هذين النطاقين؟.
نحن البشر سنكون مثل القابلة التى تُخرج إلى الوجود هذه الحياة الإلكترونية الجديدة. لن نظل فى موقع السيطرة كما نتصور. قد نطمئن إلى أنه سيكون بإمكاننا دائماً أن «نشد الفيشة» فى أى لحظة عن هذه الآلات. يقول المؤلف إنه لا يفهم كيف «سنشد الفيشة» ببساطة عن طائرة مسيرة تحلق على ارتفاع 3 آلاف متر فوق رؤوسنا، وتفكر أسرع منا إلى حد أنه سيكون بإمكانها أن تعرف مُسبقاً أننا سنفعل ذلك! هو يعتبر أن «الأسلحة القاتلة ذات الاستقلال الذاتى» هى أخطر تجليات الذكاء الاصطناعى. بإمكان هذه الأسلحة اليوم البحث عن الهدف، وتعقبه، وقتله. مازالت المرحلة الأخيرة للقرار فى يد الإنسان، إلا أنه ليس هناك ما يضمن استمرار هذا الوضع. لو أن الآلات تمكنت من تعليم نفسها، فأول ما ستعرفه عن الحرب، كما يخوضها البشر، أنها نشاط لا قانون له تقريباً. حدث أن قام البشر بقتل الأطفال فى حروبهم. الكائنات السيبرانية يُمكن أن تفعل الشىء نفسه.
مع ذلك، فالمؤلف لا يرى الصراع مع الحياة الإلكترونية حتمياً، بل يتصور سيناريو تعاونياً على الأقل فى المدى القريب. السبب أن الكائنات البشرية والإلكترونية على حد سواء لديها مصلحة مشتركة فى التعاطى مع المشكلة الأخطر التى تواجه الحياة على ظهر الأرض: ارتفاع درجة الحرارة. لحسن الحظ أن الكائنات السيبرانية، المصنوعة من السيليكون، لا تستطيع العيش فى درجة حرارة تتجاوز الخمسين درجة مئوية. هذه الكائنات سوف تساعدنا فى إيجاد وسائل لاستمرار الحياة على الأرض وتجاوز تهديد المناخ. إلا أنها قد تفكر فى مرحلة لاحقة فى جدوى البقاء على الأرض، وربما تهاجر إلى المريخ حيث تستطيع الحياة فى مناخه المشبع بالكربون، بينما يستحيل علينا نحن فعل الشىء نفسه!.
رؤية الكاتب تعتمد على الخيال كما ترى. مع ذلك، فهو ليس خيالاً مفارقاً للواقع. هو يدعونا إلى العودة إلى الحال فى أوائل القرن العشرين عندما كانت الثورة الصناعية فى أوجها ممثلة فى السيارات والقطارات والتليفون. من كان يتصور ساعتها صورة الحياة التى نعيشها اليوم فى أوائل القرن الحادى والعشرين؟!.