الأخبار
حوار الدكتور عادل عبد الصادق مع مجلة الاهرام العربي
أجرى الدكتور عادل عبد الصادق مدير مشروع المركز العربي لابحاث الفضاء الالكتروني حوار مع مجلة الاهرام العربي واعيد نشره على بوابة الاهرام الالكترونية ، جاء قية :
- «الفجوة التكنولوجية» خطر يهدد الأمن القومى العربى
- على العرب توحيد قدراتهم للاستثمار الجادفى"الذكاءالاصطناعى"
- الشركات الذكية أهم أدوات السياسة الأمريكية كما حدث فى سوريا
- "الدبلوماسية الإلكترونية"هى المحرك الأول للسياسة الدولية قريبا
- «انتخابات ترامب» أشعلت الصراع السيبرانى بين روسيا وأمريكا
- «الإنترنت» زلزل النظام الدولى وعصف بثوابته
- الشركات الكبرى أضعفت دور الدولة الوطنية.. ورئيس العالم فشل فى التصدى لفيس بوك وتويتر
- «جدران النار» التهمت الحدود الجغرافية بين الدول
- مصر مؤهلة لتكون مركز البيانات الرقمية فى العالم
- أسلحة صينية متطورة لمواجهة قوات واشنطن الفضائية
حوار – د. السيد رشاد برى
السبت,25 ديسمبر 2021 - 05:08 ص
مشاهدات: 485
في التاسع من مايو 2021، وقف العالم كله على أطراف أصابعه، وهو يترقب بقلق أقرب إلى الرعب، السقوط العشوائي للصاروخ الصيني (b5) من الفضاء على كوكب الأرض، بعدما أنجز مهمته في نقل الوحدة الأولى لمحطة الفضاء الصينية إلى مدارها، فاقم من حالة الفزع العالمى هجوم وكالة «ناسا»، والمسئولين والإعلام الأمريكى المركز على الصين، واتهامها بعدم مراعاة المواصفات العلمية الدقيقة، مما أدى إلى فقدانها السيطرة على الصاروخ الذى سوف تشكل بقاياه الساقطة على الأرض، التي تقدر بوزن 21 طنا، وطول 30 مترا، خطرًا جسيما على الدول الواقعة في نطاق خط عرض 20، خصوصا إذا سقط على مناطق مأهولة، وأن الصين باتت تشكل خطرا داهما على سلامة الرحلات الفضائية، وكوكب الأرض معا.
ظلت شعوب أربع دول عربية تقع فى مسار الحطام، هي سوريا والأردن وفلسطين وسلطنة عمان، تترقب على الشاشات مدار الصاروخ، بعد أن اخترق الغلاف الجوي، فيما هنأ الناس بعضهم بعضا في شوارع مصر، بعد أن مر حطام الصاروخ بسلام على منطقة وسط وجنوب الصعيد لعدة دقائق دون خسائر، وهو الأمر الذي تكرر في عشرات الدول الواقعة داخل مسار الصاروخ، الذي انتهى به الأمر إلى السقوط الآمن جنوب بحر العرب في المحيط الهندى، ليتضح للعالم كله أن الأمر لم يكن يستحق كل هذا الرعب الذي صدره الإعلام الأمريكي لشعوب الأرض، وأنه لا يعدو أن يكون أقرب إلى التوظيف للإمكانات الرهيبة لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، في إطار «المكايدة السياسية» بين العملاقين أمريكا والصين، وإذا كان العملاق الآسيوي قد حسم هذه الجولة لصالحه بسقوط صاروخه الآمن، فإن الجدل مستمر حول هذه العلاقة الشائكة بين «السياسة» و«تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى»، أو ما يعرف بالصراع أو حتى التواطؤ بين قوة السلطة وسلطة القوة، وهي العلاقة التي نحاول فهم خفاياها، وأبعادها في حوارنا مع د. عادل عبد الصادق مدير مشروع المركز العربى لأبحاث الفضاء الإلكترونى، والخبير ورئيس وحدة الأبحاث والدراسات الرقمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، وعضو الهيئة الاستشارية للمنتدى العربى لحوكمة الإنترنت.. وفى البداية سألناه:
ما خفايا العلاقة بين قوة السلطة ممثلة في السياسة وسلطة القوة ممثلة في الذكاء الاصطناعي؟
تصاعدت علاقة التأثير والتأثر بين تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى بمختلف تطبيقاتها وتجلياتها، وبين السياسة بأنماطها وأبعادها، وتعدد مستوياتها، وأوجدت هذه العلاقة التبادلية عدة مستويات من التغيير العالمي في القوة، والهيمنة السياسية، وصنعت أنماطا جديدة فى العلاقات السياسية بين الدول والشعوب، بل وصل الأمر أحيانا إلى أن أصبحت هذه التكنولوجيا، هى المحرك للمتغيرات السياسية، خصوصا مع بروز ظاهرة الفضاء الإلكترونى، باعتباره أهم تطبيقات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى، كمجال جديد للعلاقات الدولية، وبهذا خرجت قضية تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى، من البعد التقنى البحت، إلى أدوار أخرى سياسية، واقتصادية، وأمنية وقانونية.
هل هذا يعني أن دور وتأثير الدولة أصبح لا يرتبط بمعايير القوة التقليدية؟
بالضبط، فتراجع أو تقدم دور الدولة كفاعل رئيسي في العلاقات السياسية الدولية، أصبح لا يتوقف على معايير القوة القومية التقليدية، بل تسبقها بمراحل قدرتها فى مجال الابتكار، والعلم، والتكنولوجيا، وإلا لما رأينا دولة مثل سنغافورة، تصعد كل هذا الصعود فى النظام الدولى، برغم صغر مساحتها ومواردها وقواها البشرية، مقارنة بدول أكبر منها بكثير، فقط لأنه كان بها إسهام واضح فى تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى.
عانى عالمنا العربي ويلات ما يسمى الحروب الذكية أكثر من غيره من شعوب العالم لماذا؟
لعبت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي دورا جديدا في ساحة الحروب بين الدول، فيما يسمى بحروب الشبكات الإلكترونية المسلحة، التي تعتمد على إستراتيجية المواجهة المتدرجة مع الخصم، بما يؤدي إلى إنهاكه، وذلك بالتسلل إلى وسط السكان، والاحتماء بهم، وزعزعة ثقتهم فى مؤسسات دولتهم، مع توجيه سلاح الإعلام، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعى، لنشر صور وفيديوهات مآسي الحرب، وفظائعها، وجرائمها الإنسانية ضد النساء والأطفال والعجائز، بما يعمل على شحن الرأي العام، ما يفضي إلى فكرة إسقاط النظام من الداخل، بدلا من إسقاطه باستخدام القوى العسكرية من الخارج كما حدث فى حرب العراق، وفى بعض حالات ما يسمى بالربيع العربى، والخطورة هنا هى اختلاط الفروق التقليدية بين الحرب والسلم، خصوصا حين يتم توظيف التطرف والإرهاب ذى الخلفيات الدينية الملغوطة، أوالقومية الموتورة، لتحويل أدوات ووسائل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى إلى أسلحة عسكرية، وآلات تخريبية وتدميرية.
ماذا عن الصراع السيبراني الذي نراه الآن محتدمًا على الساحة الدولية؟
التوتر، أو الصراع السيبراني بين القوى السياسية الدولية الذي نراه الآن، هو انعكاس لحالة التوتر فى المجال الدولى بشكل عام، بمعنى هو صراع تستخدم فيه معطيات الذكاء الاصطناعى لفرض مزيد من الهيمنة السياسية، وتحقيق المزيد من المكاسب الاقتصادية، كما هو الوضع في حالة الصراع بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، وبين الأخيرة والصين، لكن هنا علينا أن نشير إلى الاختلاف فى طبيعة التوتر السيبراني، بين كل من روسيا والولايات المتحدة من جهة، وبينها والصين من جهة أخرى، حيث كانت ذروة الصراع بين روسيا وأمريكا، هو تدخل روسيا فى الانتخابات الأمريكية عام 2016، التى جاءت بترامب، فهل الدولة الروسية كانت مسئولة مباشرة عن هذا التدخل، وتعمدت التأثير على الرأى العام الأمريكى؟ أم أنها استخدمت أدوات وإمكانات موجودة ومتاحة فى تطبيقات الذكاء الاصطناعى، وهى فقط استغلتها، ولم تتعمد صنعها، فى التأثير على الرأى العام الأمريكى لانتخاب الرئيس ترامب؟ وفى الحقيقة أن الدولة الروسية مزجت بين فكرة القصدية والتعمد، وبين استخدام أدوات موجودة ومتاحة أمام الجميع لتحقيق هذا الهدف السياسى، وعلى سبيل المثال، استغلال روسيا لإعلانات منصات التواصل الاجتماعى، وبالذات «فيس بوك» فى الدعاية للمرشح الأمريكى ترامب، وهذا اعتبر من أنواع التدخل الروسى فى التأثير على الناخب الأمريكى، لكن ما تردد عن التدخل التقنى فى الاقتراع نفسه، لتغيير النتيجة عبر أجهزة التصويت الإلكترونى، هو أمر ضعيف الاحتمال.
أما الصراع السيبراني بين أمريكا والصين، فمنطلقه جيو إستراتيجى، ناجم عن محاولة الصين التدخل فى المناطق الحيوية الإستراتيجية لأمريكا.
ما أهم أنماط الحرب السيبرانية ؟
الحرب السيبرانية لها أنماط متعددة، منها نمط الحرب الباردة، ويعتمد فى الأساس على الاختراقات التى يقوم بها قراصنة، أو فاعلين من غير الدول، لتحقيق أهداف إستراتيجية لدولة ما، وهو أمر معتاد ومتاح، لكن لا يصل إلى مواجهات مباشرة، وتم بالفعل من قبل روسيا باستخدام القراصنة فى تعطيل بعض المصالح الأمريكية، أو كورقة ضغط فى التفاوض عبر الفضاء السيبرانى مع أمريكا، وهناك الحرب السيبرانية الساخنة، وهى تأتى فى إطار عسكرة المجال الدولى بشكل عام، ولهذا لا يمكن عزل تصاعد الحروب السيبرانية الدولية عن حالة زيادة الإنفاق العسكرى الدولى، أوالتوتر العسكرى فى المجال البحرى مثل شرق المتوسط، أو حتى استخدام معطيات الذكاء الاصطناعى فى الحروب الفضائية مع تدشين أمريكا قوات فضائية، فى المقابل استحداث الصين وروسيا أسلحة متطورة، يمكن أن تصيب الأقمار الصناعية فى الفضاء الخارجى، وإجراء تجارب فى الفضاء بهذا الشأن أمر يقلق أمريكا بشدة.
ماذا عن دور تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في التأثير على السياسة الدولية عبر ما يسمى بالدبلوماسية الإلكترونية؟
بالطبع لعبت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي دورا محوريا فى السياسة الدولية عبر الدبلوماسية الإلكترونية، التى تهدف إلى استخدام معطيات هذه التكنولوجيا فى خدمة أهداف السياسة الخارجية للدولة، وتعد الولايات المتحدة الأمريكية، أول من أطلق المنصات الرقمية فى العمل الدبلوماسى، وهو ما ساعد على إتاحة أدوات جديدة لممارسة القوة الذكية، لدعم مصالح الولايات المتحدة الأمريكية فى الخارج، من خلال إتاحة برمجيات التحليل الكمى لاستخدامات شبكات التواصل الاجتماعى، ورصد حركة التفاعلات، ونوعية القضايا والمعلومات التى تدور حولها، وإمكانية القيام بمسوح إلكترونية لمعرفة توجهات الجماهير حول سياسة بعينها، وقد أدى ذلك إلى رقمنة العملية القنصلية بكاملها، وبصفة عامة تتعدد أنماط الدبلوماسية الإلكترونية فى السياسة الخارجية، ومنها إدارة المعرفة من خلال العمل على توظيف المعارف الإدارية والحكومية بشكل أمثل، وتقاسمها بصورة نموذجية لمتابعة المصالح الوطنية فى الخارج، وهناك نمط الدبلوماسية العامة من خلال استخدام الفضاء الإلكترونى للحفاظ على التواصل مع الجماهير، وتسخير معطيات وأدوات الذكاء الاصطناعى للإبقاء على هذا الاتصال فاعلا، وتحديد المستهدف منه.
كيف ترى موقف العالم العربي في هذا المجال؟
علينا أن نعترف بأن موقف العالم العربى صعب للغاية فى هذا المجال، خصوصا أنه ليس منتجا للمعرفة، وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعى، ويعتمد على استيراد هذه التكنولوجيا، وحتى البرمجيات من شركات أجنبية، وفاقم الأمر افتقاد العالم العربى بصفة عامة إلى مشروع تنموى علمى عربى شامل، يحاول أن يستنهض الهمم العربية فى مجال التكنولوجيا الذكية، والعلوم التقنية، والتطبيقات الرقمية، وبرغم أننا فى العالم العربى لدينا الكفاءات العلمية، وكذلك نتمتع بسوق ضخم للغاية يصل إلى أكثر من 170 مليون مستخدم للإنترنت فإننا، لم نبادر حتى الآن باستثمارات حقيقية فى تطوير تطبيقات رقمية عربية، أوالتصنيع التكنولوجى بصفة عامة، وعلى الدول العربية أن توحد قدراتها، وتتكامل مقوماتها لتحقيق هذا الاستثمار المهم، لمواجهة خطر الانكشاف المعلوماتى العربى أمام الدول الأجنبية، والتى تجعله عرضة للاستغلال من قبل القوى الدولية، التى تسعى للهيمنة المعلوماتية والسيبرانية على مقدراته، وبالتالى تترجم إلى قوة عسكرية واقتصادية فى المستقبل، أيضا سوف نحقق بذلك الاستقلالية السياسية والاقتصادية، ونحمى الأمن القومى العربى من خطر جسيم، قد يهدد وجوده مستقبلا، بسبب الفجوة التكنولوجية بينه وبين الدول المتقدمة، وحجر الزاوية فى هذا المشروع هو تعزيز توجه الشباب العربى نحو دراسة العلوم الطبيعية.
> ما حجر الزاوية فى هذا المشروع؟
هو تعزيز توجه الشباب العربى نحو دراسة العلوم الطبيعية، خصوصا علوم الرياضيات والحسابات والبرمجيات، واكتساب المهارات الرقمية، وتبنى المواهب فى هذا المجال من بين هؤلاء الشباب، كذلك تبنى الاقتصاد الرقمى، ومنحه الأولوية القصوى، باعتباره صاحب الدور الأهم فى النمو الاقتصادى، وبما يفوق فى بعض الأحيان الموارد الطبيعية مثل النفط والغاز، وبغير هذا لن نكون قادرين على مواجهة تحديات المستقبل الذى سوف تسيطر عليه تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى بامتياز بتحدياته الخطيرة وفرصه الهائلة.