عاجل
المقالات

ضبط التأويل عبر وسائل التواصل

يُعدُّ التّأويل أحد أهم وأعقد فروع علم طرق الاستنباط ودلالات الألفاظ في الشريعة الإسلامية، بل أصعبها على الإطلاق، يقول عز وجل: «هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ? فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ? وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ? وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ? وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ» آل عمران:7.

ضبط التأويل عبر وسائل التواصل
اضغط للتكبير

وهذه الآية بالرغم من اختلاف العلماء فيها: هل يكون الوقف بعد قول «وما يعلم تأويله إلا الله»، فيُحمل المعنى المراد على أنّ التأويل يختص به الله – عز وجل – فقط، أو على الوصل «وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم»، فيختصّ بالتّأويل هنا ربُّ العزة والراسخون في العلم! وقد حمل سيدنا ابن عباس الآية – وهو إمام المفسرين – على المعنى الثاني حيث قال: وأنا من الرّاسخين في العلم.

وعمومًا حتّى وإن كان تفسير الآية هنا خلافي بين العلماء فالذي لا خلاف فيه أنَّ التّأويل علمٌ دقيق وعميق يحتاج من العالم أو المجتهد أو الفقيه المُكنة الأصوليّة وامتلاك أدوات الصّنعة، ومن هذه الأدوات فهم لغة العرب فهمًا دقيقًا وحصيفًا، وإتقان علوم الدّلالات والألفاظ، وعلم الوضع والاستخدام، والتفرقة بين المعاني الحقيقية والمجازية، ومعرفة أسباب اختلاف المذاهب والمدارس الفقهية في طرق استنباط الأحكام، والعلم بالأصول والفروع، فضلًا عن العلوم الأخرى مثل: الناسخ والمنسوخ، وأسباب النّزول، وحمل العام على الخاص، وحمل المطلق على المقيّد، وعلوم التفسير وضوابطه، وآيات الأحكام، وأحاديث الأحكام، وعلم المصطلح، وعلم الرجال والطبقات، وكذا الإلمام بالقواعد الفقهية والأصولية والنظريّات الفقهية، وعلم المقاصد، وفقه الأولويات، واستحضار فقه الواقع، والإجماع، والقياس، وأقوال الصحابة، والمصالح المرسلة، والاستحسان، والاستصحاب، ومراعاة المكان والزمان والسياق… إلخ، وبَعد هذا كله قد يبلغ مرتبة الاجتهاد وقد لا يبلغ؛ لعجزه عن امتلاك الملكة الفقهية التي لا تتأتّى إلا بكثرة الممارسة، والدُّربة، والخبرة الطويلة، وهي أرزاق وفتوح يؤتيها الله من يشاء من عباده الذين اصطفى.

يقول الشيخ الإمام محمد الغزاليّ في كتابه مشكلات في طريق الحياة الإسلاميّة: «والفقهاء حين يجتهدون يتصَبّبون عرفًا ولا يعبثون، ويتحرّون رضاء الله لا رضاء حاكم أو محكوم».. انتهى كلامه.

وأضيفُ هنا: ولا يجب أن لا يكون المقصد من الاجتهاد أو التأويل منزلة يُعلِي بها شأنه بين البشر، أو سعيًا لشهرة بالبحث عن تأويلات غريبة غير مألوفة على خلاف ظاهر النص لإثارة أو رغبة في رفع عدد متبعيه مثلًا، وقد لا يأتي هذا إلا بفتنة، ولا يحقق مصلحة، بقدر ما يجلب مفاسد جمّة على المجتمع ككل، فالعمدة في المسألة الحذر والمُوازنة بين المصالح والمفاسد، والتّقوى والصدق مع الله، وتجديد النيّة بأنه لا يريد بهذا القول أو التأويل والاجتهاد إلا وجهه الكريم وهذا من جانب.

ومن جانب آخر أرى والله أعلم أن الاجتهاد والتأويل في المسائل الخلافية وترجيح رأي على آخر وحمله على المعنى البعيد دون القريب لما استبان للمجتهد من قوة استدلال النص غير الظاهر على الظاهر أو المشهور يجب أن يطرح ويُناقش في أروقة العلماء أولًا، لا بين عامة الناس، حتى تطمئن القلوب له، ويقَّرَر صحة هذا التأويل أو الحكم مجموعة من العلماء أو المجامع الفقهية تجنبًا للبلبلة والاضطراب الذي قد يحدث في المجتمع جراء هذه الفتوى أو ذاك التأويل!

فليس كل ما في كتب الفقهاء يصلح للعرض على بسطاء الناس، فإذا غلب على الظن حصول المفسدة فالأَوْلى حجبه وعدم نشره، وما غلب على الظن أنّ فيه مصلحة لعامة الناس فالأولى نشره. روى الترمذي عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ، وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ» حسنه الألباني.

فرأيُ الجماعة والإجماع، وإن قرّر بعض العلماء اليوم استحالة تحققه لكثير من العوامل، إلا أنه لا يتعذر تحققه بين مجموعة من العلماء والفقهاء والمجتهدين في مكان واحد، وبهذا يكون الأحوط والأسلم أن يقرر الأحكام الاجتهادية ثلة مؤتمنة من العلماء المجتهدين، فإن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وطبعًا هذا ليس تقليلًا من شأن عوام الناس، بل لصعوبة فهم حقيقة الاختلاف بين العلماء وأسبابه، ولذلك قال العلماء يصح من العوام التّقليد خلافًا للعالِم، أو طالب العلم الذي لا يُقبل منه التقليد، وقد ذم كثير من العلماء من أُوتِي العلم وبقيَ مقلدًا، بل منع هذا، يقول الإمام ابن الجوزي – رحمه الله – ناصحًا طالب العلم: «ينبغي له أن يطلب الغاية في العلم، ومن أقبح النّقص: التقليد، فإنه قويَت همّتُه رَقّتْهُ إلى أن يختار مذهبًا، ولا يتمذهب لأحد، فإنّ المُقلد أعمى يقودُه من قلّده».

ويعلق الشيخ على الطنطاوي على كلام ابن الجوزي – رحمهما الله تعالى – قائلًا: «أي يستعد بالتعلم والدّأب حتى يصل إلى القدرة على الاجتهاد وترك التقليد! لا أن يجتهد لنفسه، وهو لا يعرف من عُدّة الاجتهاد إلا حفظ أحاديث وقدرة على معرفة مكان وجودها، والبحث في كتب الرّجال عن أحوال رواتها» انتهى كلامه، ولما كان من المستحيل أن يصل كل مسلم مرحلة الاجتهاد فجاز له التّقليد.

وأخيرًا أقول إنّ التأويل، خاصة في عصرنا هذا، عصر التقنيات والوصول الرقمي الهائل والمفزع، يجب أن يُضبط بأدوات تُشرف عليه مؤسسات أو لجان علمية شرعية تجنب المجتمع والأمة الوقوع في مزيد من الفتن، والتّخبط، واتباع الهوى، ولا يعنى هذا الحجر على من بلغ مرتبة الاجتهاد وتقييده ومنعه من التأويل والاجتهاد بقدر ما هو محاولة لضبط الفوضى التي قد تتسبب بها الفتاوى والتأويلات الفردية والمُتناثرة هنا وهناك، خاصة عند انتشارها عبر منافذ التواصل الاجتماعي التي يعدها كثير من الناس مصادرًا حقيقية للمعرفة وهي في الحقيقة ليست كذلك.

«والفقهاء حين يجتهدون يتصَبّبون عرقًا ولا يعبثون، ويتحرّون رضاء الله لا رضاء حاكم أو محكوم».

طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك