المقالات
منهج تنظيمي فاعل للتعامل مع الأصول المشفرة
المهمة المنوطة بالصندوق هي حماية استقرار النظام النقدي والمالي العالمي، والأصول المشفرة في سبيلها لإحداث تغير جذري في هذا النظام، وشهدت الأعوام الأخيرة نموا سريعا في الأصول المشفرة والمنتجات والخدمات المرتبطة بها. وهناك ازدياد أيضا في الروابط بينها وبين النظام المالي الخاضع للتنظيم. ويسعى صناع السياسات جاهدين إلى مراقبة المخاطر الناشئة عن هذا القطاع الآخذ في التطور الذي لا يغطي التنظيم كثيرا من أنشطته. والواقع أننا نرى أن هذه المخاطر على الاستقرار المالي يمكن أن تتحول قريبا إلى مخاطر نظامية في بعض الدول
توبياس أدريان / دونج هي / أديتيا نارين
الاقتصادية
السبت,12 مارس 2022 - 02:56 ص
مشاهدات: 239
وبينما يشير رأس المال السوقي البالغ نحو 2.5 تريليون دولار، إلى القيمة الاقتصادية الكبيرة للابتكارات التكنولوجية الأساسية، مثل تكنولوجيا بلوكتشين، فإنه قد يعكس أيضا بعض القيم الجوفاء في بيئة تسودها التقييمات المفرطة. وبالفعل فقد تضمنت ردود الأفعال المبكرة تجاه السلالة المتحورة أوميكرون قدرا كبيرا من المبيعات البخسة للعملات المشفرة.
وبشأن مخاطر الأصول المشفرة على النظام المالي، فإن تحديد القيمة لا يمثل التحدي الوحيد في المنظومة المشفرة. ذلك أن تحديد المخاطر ومراقبتها وإدارتها تمثل تحديا للأجهزة التنظيمية والشركات. وتشمل هذه المخاطر، على سبيل المثال، مخاطر التشغيل والسلامة المالية الناشئة عن بورصات ومحافظ الأصول المشفرة، وحماية المستثمرين، وعدم كفاية الاحتياطيات وعدم دقة الإفصاح بالنسبة إلى بعض العملات المستقرة stablecoins. إضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي استحداث الأصول المشفرة في اقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية، إلى التعجيل بما سميناه التشفير cryptoization حين تحل هذه الأصول محل العملة المحلية وتلتف حول قيود الصرف وتدابير إدارة الحساب الرأسمالي.
وتبرز هذه المخاطر لماذا نحتاج الآن إلى معايير دولية شاملة تعالج بصورة أكثر اكتمالا المخاطر التي يتعرض لها النظام المالي بسبب الأصول المشفرة، والمنظومة المصاحبة لها، والمعاملات المتعلقة بها، مع إتاحة بيئة تمكينية للمفيد من منتجات الأصول المشفرة وتطبيقاتها.
وينبغي لمجلس الاستقرار المالي، في نطاق دوره التنسيقي أن يضع إطارا عالميا يتألف من معايير لتنظيم الأصول المشفرة. وينبغي أن يكون الهدف هو إتاحة منهج شامل ومنسق لإدارة المخاطر التي يتعرض لها الاستقرار المالي وسلوك السوق الذي يمكن تطبيقه باتساق في مختلف مناطق الاختصاص، مع الحد من احتمالات مراجحة القواعد التنظيمية، أو نقل النشاط إلى مناطق اختصاص ذات متطلبات أيسر.
وتخضع المناهج الوطنية تجاه الأصول المشفرة للحدود التي يفرضها نطاقها القطاعي والعابر للحدود. فالدول تطبق استراتيجيات مختلفة كل الاختلاف، وقد لا تسمح القوانين واللوائح الحالية بمناهج وطنية تغطي كل عناصر هذه الأصول تغطية شاملة. ومن المهم في هذا الصدد، أن كثيرا من مقدمي الخدمات المشفرة يعملون عبر الحدود، ما يزيد من صعوبة مهمة الرقابة والإنفاذ. وقد تتسبب التدابير التنظيمية غير المنسقة في تيسير تدفقات رأسمالية قد تكون مزعزعة للاستقرار.
وقدمت الهيئات المعنية بوضع المعايير والمسؤولة عن مختلف المنتجات والأسواق إرشادات ذات مستويات متباينة. فعلى سبيل المثال، أصدرت فرقة العمل المالي إرشادا لمنهج قائم على المخاطر يهدف إلى تخفيف مخاطر النزاهة المالية الناشئة عن الأصول الافتراضية ومقدمي خدماتها. وتراوح إجراءات الهيئات الأخرى المعنية بوضع المعايير بين المبادئ العامة لبعض أنواع الأصول المشفرة وقواعد تخفيف مخاطرها على الكيانات الخاضعة للتنظيم وإقامة شبكات تبادل المعلومات. وبينما تعد هذه الجهود مفيدة، فهي ليست منسقة بما يكفي لتكون إطارا عالميا لإدارة المخاطر التي تتعرض لها النزاهة المالية أو نزاهة السوق، والاستقرار المالي، وحماية المستهلكين والمستثمرين.
.للقيام بالعمل التنظيمي على مستوى العالم ينبغي أن يتيح الإطار التنظيمي العالمي بيئة تسمح بالتنافس على قدم المساواة في كل أطياف الأنشطة والمخاطر. ونحن نعتقد أن هذا ينبغي أن يتضمن العناصر الثلاثة التالية، على سبيل المثال، ينبغي أن يكون مقدمو خدمات الأصول المشفرة الذين يقومون بوظائف دقيقة مرخصين أو حاصلين على تصريح. ويتضمن هؤلاء خدمات التخزين والتحويل والتسوية وحفظ الاحتياطيات والأصول، وغيرها، مثلهم في ذلك مثل القواعد القائمة لمقدمي الخدمات المالية. وينبغي توخي الوضوح فيما يتعلق بمعايير الترخيص والتصريح، وتعيين السلطات المسؤولة، والتعريف المحكم لآليات التنسيق فيما بينهم.
وأن تصمم المتطلبات تبعا لحالات الاستخدام الرئيسة للأصول المشفرة والعملات المستقرة. فعلى سبيل المثال، تتضمن الخدمات والمنتجات بغرض الاستثمار متطلبات مماثلة لمتطلبات وسطاء الأوراق المالية وتجارها، تحت إشراف الجهاز التنظيمي المعني بالأوراق المالية. وينبغي أن تقترن خدمات ومنتجات المدفوعات بمتطلبات مماثلة لمتطلبات الودائع المصرفية، تحت إشراف البنك المركزي أو السلطة المعنية بالإشراف على المدفوعات. وبغض النظر عن السلطة الأولية المسؤولة عن الموافقة على خدمات الأصول المشفرة ومنتجاتها، فإن كل الأجهزة الإشرافية من البنوك المركزية إلى أجهزة تنظيم نشاط الأوراق المالية والعمل المصرفي يتعين عليها أن تقوم بالتنسيق لمعالجة مختلف المخاطر المختلفة التي تنشأ بسبب اختلاف الاستخدامات وتغييرها.
ولا بد للسلطات أن تقدم متطلبات واضحة بشأن المؤسسات الخاضعة للتنظيم فيما يتعلق بتعرضها للأصول المشفرة ومعاملاتها فيها. فعلى سبيل المثال، ينبغي للأجهزة التنظيمية المختصة بالعمل المصرفي والأوراق المالية والتأمين ومعاشات التقاعد أن تنص على متطلبات رأس المال والسيولة، وحدود التعرض للأنواع المختلفة من هذه الأصول، وتتطلب إجراء تقييمات لملاءمة المستثمرين ومستوى المخاطر. وإذا كانت الكيانات الخاضعة للتنظيم تقدم خدمات الحفظ، فينبغي توضيح المتطلبات لمعالجة المخاطر الناشئة عن هذه الوظائف.
ويواجه بعض اقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية مخاطر أكثر إلحاحا وحدة تنبع من إحلال العملات عن طريق الأصول المشفرة، أو ما يسمى التشفير cryptoization، وسيتعين ضبط تدابير إدارة تدفقات رأس المال ضبطا دقيقا في مواجهة التشفير. والسبب في ذلك هو أن تطبيق الأدوات التنظيمية المستقرة لإدارة تدفقات رأس المال قد يكون أصعب حين يتم نقل القيمة عن طريق أدوات جديدة، وجهات تقديم خدمات جديدة ليست من بين الكيانات الخاضعة للتنظيم.
وهناك حاجة ماسة إلى التعاون عبر الحدود من أجل معالجة التحديات التكنولوجية والقانونية والتنظيمية والرقابية. ويمثل إنشاء منهج شامل ومتناغم ومنسق للتعامل مع الأصول المشفرة مهمة مليئة بالتحديات. لكن إذا بدأنا الآن، فيمكننا تحقيق هدف السياسات فيما يتعلق بالحفاظ على الاستقرار المالي مع الاستفادة من المنافع التي تتيحها الابتكارات التكنولوجية الأساسية.
إن الأصول المشفرة ربما تكون في سبيلها إلى إحداث تغير جذري في النظام المالي والنقدي الدولي. ووضع الصندوق استراتيجية لمواصلة تحقيق المهمة المنوطة به في العصر الرقمي. وسيعمل الصندوق من كثب مع مجلس الاستقرار المالي وغيره من أعضاء المجتمع التنظيمي الدولي لإرساء منهج تنظيمي فاعل للتعامل مع الأصول المشفرة.