اليوان الرقمي
على الجانب الآخر، ربما جاء إعلان الحكومة الأمريكية بصورة جزئية استجابةً للضغوط الخارجية. حيث وضعت العديد من الحكومات حول العالم خططاً لتوفير عملات رقمية بديلة، بهدف الحفاظ على قدرتها التنافسية إزاء العملات المشفرة والعملات الرسمية للدول الأخرى. كما يمكن للعملات الرقمية المدعومة من البنوك المركزية أن توفر حلاً بديلاً للنظام المصرفي العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، وربما تُستخدم أيضاً كوسيلة لتجنب العقوبات.
في هذا الإطار، تعد الصين من أبرز الدول التي اعتمدت ذلك النهج، حيث بدأت تجربة عملتها الرقمية في أواخر عام 2019، وشجعت على استخدامها في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية، التي أقيمت في بكين، في وقت سابق من هذا العام.
وفي نهاية عام 2021، بلغ إجمالي المعاملات التي تمت باستخدام اليوان الرقمي ما يعادل 14 مليار دولار.
عن ذلك، يقول مويا: "على الأرجح، سنتفهم وجود بعض المنافسة بين الولايات المتحدة والصين لمعرفة أيهما تسيطر على كيفية تنفيذ معاملات التجارة العالمية. لا يزال الدولار يتمتع بميزة تنافسية، وطالما كان الأمر كذلك، وعليه فإن احتمالية تمتع الدولار الرقمي بتلك الميزة لا تزال قائمة".
تنافسية عالمية
وفقاً لصندوق النقد الدولي، فإن هناك نحو 100 دولة في مراحل مختلفة من استكشاف إصدار العملات الرقمية من قبل البنوك المركزية الوطنية فيها، بما في ذلك الهند، التي فاجأت عالم المدفوعات بإعلانها أن بنكها المركزي سيصدر روبية رقمية مع بداية السنة المالية في الأول من أبريل.
غير أن التحدي الرئيسي الذي يواجه الحكومات التي تدرس إصدار العملات الرقمية يتمثل بمدى تمكنها من تطوير التقنيات اللازمة لجعلها تعمل بسلاسة مثل القطاع المصرفي التقليدي، حيث يمكن أن تقوض المشاكل في إدارة الطرح ثقة الجمهور فيها.
وعلى هذا النحو، فإن تطوير الدولار الرقمي سيعيد إلى الواجهة جدالاً طال أمده في الولايات المتحدة، وهو يدور حول ما إذا كانت بعض الخدمات يجب أن تكون خاصة أم عامة، وفقاً لما قاله جو كارلاسار، الشريك في "سميث اموندسن" (SmithAmundsen) للمحاماة، والذي يترأس مجموعة الشركات التابعة لها في قطاعات العملات المشفرة والبلوكتشين والتكنولوجيا المالية.
يقول كارلاسار: "إن النظام المصرفي التجاري فعال للغاية. فهو يوفر قدراً كبيراً من السرعة فيما يتعلق بإنجاز المعاملات، وهناك تريليونات المعاملات التي تتم بانتظام من خلال النظام المصرفي التجاري. لن يكونالاحتياطي الفيدرالي أكثر ابتكاراً من ذلك".
مخاوف الخصوصية
على صعيد آخر، يثير الدولار الرقمي تساؤلات حول الخصوصية المالية. حيث من المحتمل أن يتم تشغيل السجل المالي الذي تقوم عليه العملة من قبل الحكومة، الأمر الذي قد يمنحها القدرة على مراقبة المعاملات أو وقفها أو مصادرة الأرصدة.
يقول لوثر من "معهد سياسة بتكوين": "إذا كانت الحكومة تسيطر على السجل المالي للمعاملات، فهناك خطر من أنها ستراقب تلك المعاملات دون المرور بالقنوات القانونية الشرعية لذلك، كونها لا تعتمد على معلومات من جهة أخرى، فهي تبحث في المعلومات الخاصة بها وحسب".
وفي سياق منفصل، قال لوثر، إن البنوك والمؤسسات المالية، التي تعتمد على ودائع العملاء لإدارة أعمالها وتمويل الإقراض، قد تتعرض لضربة إذا أصبح الدولار الرقمي شائعاً. وفي وقت سابق من العام الجاري، أصدر مجلس الاحتياطي الفيدرالي ورقة مناقشة قال فيها إن العملة الرقمية يمكن أن تقلل من حجم الأموال في النظام المصرفي، وتزيد من تكلفة القروض، وتقلل من توافر القروض للأسر والشركات.
أكثر ثباتاً
من جهةٍ أخرى، تعني الضجة التي أثارها الرأي العام حول العملات المشفرة أن الحكومة الأمريكية لم يعد بإمكانها تجاهل إمكانية وجود عملة رقمية وطنية. لكن بصرف النظر عن التقنية، سيكون الدولار الرقمي مختلفاً من حيث المفهوم عن العملات المشفرة مثل "بتكوين"، والتي لا تزال متقلبة للغاية، وغير مقبولة بشكل كافٍ لتكون مفيدة للمدفوعات.
يقول جين هوفمان، مدير منصة البلوكتشين "شيا نتورك" (Chia Network): "يحظى الدولار الرقمي بنفس القدر من الدعم الذي يحظى به دولارك المادي. ولكنك تتوقع أن يحظى بقبول أكبر على مستوى العالم وأن يكون أقل تقلباً، في حين أن العملات المشفرة لا تزال في مراحل الاعتماد الأولية وهو ما يقودها إلى التقلبات".
ومع ذلك، لدى "بتكوين" خاصية لا يمكن للدولار الرقمي أن يتمتع بها، ألا وهي عدم وجود طرف مركزي يتحكم بها.
يقول كارلاسار: "الطلب على عملات مثل "بتكوين"، وغيرها من العملات المشفرة، يرجع إلى كونها تتمتع بخصائص لا تتوافر في الدولار".