المقالات
هل تغير العقوبات الغربية النظام المالي العالمي؟
رغم أن النظام الصيني للدفع بين البنوك عبر الحدود لم يشكل حتى الآن تهديدا خطيرا للهيمنة العالمية التي تتمتع بها أنظمة الدفع الغربية، فإن تطوير الصين لعملة الرنمينبي الرقمية قد يخلف تأثيرا أعظم. تستكشف بنوك مركزية عديدة إمكانية إصدار عملة رقمية "تعد السويد، حيث تختفي الأموال النقدية بسرعة، أكثر تقدما من غيرها في هذا الصدد"، لكن بين الاقتصادات الأكبر حجما، تتقدم الصين الصفوف. ربما يكون بوسع "الدولار الرملي" الذي أنشأته جزر الباهاما أن يدعي أنه أول عملة رقمية بالكامل يصدرها بنك مركزي، لكن أشك في قدرته على منافسة الدولار بجدية.
هاورد ديفيز
الاقتصادية
السبت,7 مايو 2022 - 03:29 ص
مشاهدات: 250
تتحرك البنوك المركزية الغربية بحذر في التعامل مع العملات الرقمية. فلا يخلو الأمر من مشكلات فنية يجب حلها، فضلا عن مخاوف خطيرة تتعلق بالخصوصية. قد لا يرحب المواطنون بفكرة أن البنك المركزي قادر على مراقبة كل قرش ينفقونه. لكن هذه الاعتبارات لا تشغل بال القائمين على بنك الشعب الصيني كثيرا. يقدم لنا تقرير حديث صادر عن مؤسسة هوفر حول آفاق الرنمينبي الرقمي وصفا يعده "تعزيزا مذهلا للسيطرة الاستبدادية". لكن من منظور غربي، تعد التداعيات الدولية أشد خطورة من قضايا السيطرة الداخلية.
الواقع أن الريادة الصينية في مجال العملات الرقمية قد تزيد بشكل كبير من استخدام الرنمينبي عبر الحدود، والآن يجري تشجيع الدول المشاركة في مبادرة الحزام والطريق الصينية على استخدامه. يزعم تقرير مؤسسة هوفر الذي كتب قبل الحرب في أوكرانيا مباشرة، أن قدرة الولايات المتحدة على توظيف العقوبات المالية بفعالية ستتضاءل إذا نجحت الصين في تعزيز "فرض اليوان" "وهو تعبير آخر جديد" على تدفقات التجارة العالمية من خلال عملتها الرقمية.
الواقع أن الولايات المتحدة متقدمة بشكل كبير في تطوير العملات الرقمية المشفرة الخاصة والترويج لها، وهي أدوات مضاربة ذات تكاليف معاملات عالية توفر إمكانية تحقيق عوائد أعلى للمضاربين المخضرمين، من ناحية أخرى، تحمل الصين لواء الريادة في أنظمة الدفع الرخيصة التي تقلل تكلفة المعاملات عبر الحدود لمصلحة الأفراد والشركات في الاقتصاد الحقيقي. وقد يكون في هذا درسا.
بطبيعة الحال، توقع كثيرون موت الدولار مرارا وتكرارا من قبل، ورغم هبوط حصة الدولار في احتياطيات النقد الأجنبي العالمية من 71 في المائة عام 2000 إلى أقل من 60 في المائة اليوم، فإن إشارات قليلة تدلل حاليا على زواله. لكن الاستخدام المتزايد للعقوبات المالية كسلاح حرب أوجد حافزا جديدا للصين وغيرها من الدول لاستكشاف الطرق الكفيلة بالحد من التأثير في حال استخدام تدابير مماثلة ضدها. وقد تكون العواقب الأبعد أمدا على النظام المالي العالمي بعيدة المدى.
في مواجهة الأزمة الأوكرانية، ومع إدراك مدى محدودية الخيارات العسكرية المتاحة لها، كان من المفهوم أن تلجأ الحكومات الغربية إلى توظيف ترساناتها الاقتصادية والمالية. فرضت مثل هذه العقوبات على بعض الدول من قبل، بدرجات متفاوتة من النجاح، لكن ليس بأي درجة من النجاح الذي حققته العقوبات المفروضة على روسيا الآن.
من أبرز هذه العقوبات استيلاء الولايات المتحدة وحلفائها على قدر كبير من احتياطيات البنك المركزي الروسي من النقد الأجنبي، ومنع وصول بعض البنوك الروسية إلى نظام الرسائل المالية للمعاملات الدولية سويفت SWIFT. لقد تعلم العالم تعبيرا جديدا "الحرمان من سويفت"، وجرى استخدام النظام المالي كسلاح على نحو غير مسبوق.
من السابق للأوان تقييم تأثير العقوبات المفروضة على روسيا، فلا يوجد حتى الآن ما يشير إلى حدوث تأثير حاسم في النظام الروسي أو سياساته. لكن الضرر الذي سيلحق باقتصاده في الأمد البعيد سيكون كبيرا في الأرجح.
في الوقت ذاته لن يكون تأثير العواقب الحالية المترتبة على العقوبات التي يقودها الغرب مقتصرا على هدفيها المباشرين، روسيا وبيلاروسيا. تتساءل دول أخرى ما إذا كانت هي الأخرى قد تجد نفسها معزولة عن النظام المالي القائم على الدولار إذا تجاوزت حكوماتها أحد خطوط الولايات المتحدة الحمراء. وكانت الصين تشعر بالانزعاج لبعض الوقت إزاء احتمالات تعرضها للعقوبات المالية الأمريكية.
لا أدرى ما إذا كان هناك معادل لغوي لتعبير "الحرمان من سويفت" في اللغة الصينية. لكن تشو شياو تشوان، محافظ بنك الشعب الصيني السابق، تحدث عن المخاطر التي تحدق بالصين من جراء العقوبات الأمريكية، ودعا إلى اتخاذ تدابير دفاعية لزيادة استخدام الرنمينبي في الأسواق العالمية. وتساءل آخرون صراحة ما إذا كان أي تحرك صيني ضد تايوان ليشعل شرارة عقوبات مماثلة من جانب الغرب.
في الأعوام الأخيرة، اتخذت الصين خطوات للتخفيف من هذا الخطر. على سبيل المثال، أنشأت نظاما خاصا للدفع بين البنوك عبر الحدود، يستخدم صيغة الرسائل ذاتها التي يستخدمها نظام سويفت لتقديم التسويات بعملة الرنمينبي عبر الحدود بين أعضائه. وسجل هذا النظام نموا سريعا مع بعض المشاركة النشطة من بنوك غربية كبرى، وإن كان حجم المعاملات التي أجريت عبره قبل حرب أوكرانيا أقل من 1 في المائة من حجم المعاملات التي تتم عبر نظام سويفت. ورغم أن هذا الرقم من المرجح أن يرتفع مع سعي البنوك الروسية الممنوعة من الوصول إلى نظام سويفت إلى استخدام النظام الصيني كبديل، فستظل أحجام المعاملات أقل من أن تتسبب في إحداث فارق كبير