التغييرات المناخية
التكنولوجيا الخضراء
توجو و مبادرات التنمية المدفوعة بالتكنولوجيا
توجو ذلك البلد في الغرب الإفريقي استطاع أن يجذب اهتمام العالم من خلال مبادرته الابتكارية للمدفوعات الرقمية "نوفيسي" وتعني التضامن بلغة الإيوي التي وفرت المساعدة المالية لسكانها أثناء الجائحة. ويرى المسؤولون أن التحول الرقمي أداة رئيسة للنمو والتنمية في البلاد. وكانت توجو في طليعة الدول الإفريقية المستفيدة من التكنولوجيا في تطبيق سياسة المالية العامة والمساعدة على الوصول إلى الأهداف التنموية للبلاد. وفي هذه المقابلة مع آدم بيسوادي من مجلة "التمويل والتنمية" وكيف ولجت توجو دربا لم يكن مطروقا من قبل في مجال التحول الرقمي.
سينا لوسون
الاقتصادية
السبت,28 مايو 2022 - 12:52 م
مشاهدات: 447
وعن برنامج المدفوعات "نوفيسي" في توجو وآثاره خلال عامين من تفشي الجائحة، بينما واجه كثير من الدول صعوبة في تحديد ملايين المعوزين وتسجيلهم وتحويل المدفوعات لهم بسبب إجراءات التباعد الاجتماعي، تمكنت توجو من توزيع 34 مليون دولار على أكثر من 920 ألف نسمة من سكانها المعرضين للمخاطر، وهو ما يصل إلى ربع السكان البالغين، عن طريق الاستفادة من تكنولوجيات الهواتف المحمولة، ومصادر البيانات غير التقليدية، وتعلم الآلة.
وقد ظهر برنامج "نوفيسي" بدافع من الحاجة الماسة إلى عدم ترك أي أحد خلف الركب حيث وضعت إجراءات الفرض قيودا تهدف إلى مكافحة الفيروس ومنعه من الانتشار. فلا يزال 50 في المائة من سكان توجو يعيشون في فقر مدقع، بينما يعمل نحو 80 في المائة في القطاع غير الرسمي ويكسبون عيشهم من وظائف يومية لا يمكنهم أداؤها من منازلهم. وكان يتحتم دعم أولئك الأفراد وعائلاتهم لمنع ارتفاع معدل الفقر على المستوى الوطني.
وبشأن الأمر الذي جعل برنامج "نوفيسي" فريدا من نوعه أولا سرعة نشره. فقد انطلق البرنامج في 8 نيسان (أبريل) 2020، أي: عقب ما لا يزيد على ثمانية أيام من إعلان رئيس البلاد حالة الطوارئ الصحية. وكانت منصة "نوفيسي" قد طورت محليا بشكل كامل، وكان النظام جاهزا وبدأ يعمل خلال ما لا يزيد على عشرة أيام. إنه برنامج تحويل نقدي بالوسائل الرقمية 100 في المائة لا يحتاج إلى التعامل المباشر بدءا من التسجيل، مرورا بتقييم أهلية الاستفادة منه حتى تحويل المدفوعات النقدية. والاستفادة من الوسائل الرقمية على امتداد هذه العملية أتاحت نشر المساعدة الاجتماعية بسرعة أثناء الأزمة.
ثانيا: كانت المدفوعات النقدية شبه فورية. واستلم الناس التحويلات النقدية من خلال الحسابات في هواتفهم المحمولة خلال أقل من دقيقتين متى وجد أنهم مستوفون للشروط. وفي غضون أسبوع واحد بعد إطلاق البرنامج تمكن "نوفيسي" من صرف مساعدات اجتماعية لنحو 450 ألف شخص. وكان تحقيق ذلك سيكون صعبا باستخدام الطرق التقليدية.
ثالثا، يعمل هذا البرنامج دون شبكة إنترنت. فمنصة التحويل النقدي لا تقتضي الربط بشبكة الإنترنت كي يستطيع مستخدموها الاشتراك وتسلم مدفوعاتهم. وهي تستخدم الوسائل المحمولة منخفضة التكنولوجيا مثل بيانات الخدمات التكميلية غير المهيكلة. وبالتالي، فأناس يعيشون في منطقة غير مغطاة بشبكة الإنترنت ولديهم هواتف ذات إمكانات أساسية من الجيل الثاني يمكنهم التسجيل ببساطة عن طريق طلب الرقم الرمزي المختصر لبيانات الخدمات التكميلية غير المهيكلة وهو (855) من هواتفهم المحمولة للوصول إلى قائمة خاصة.
ورابعا، يستفيد هذا البرنامج من الذكاء الاصطناعي، والتصوير بالأقمار الصناعية، والبيانات الوصفية للهواتف الخلوية، وتعلم الآلة في تحسين عملية استهداف المستفيدين. وربما كانت هذه نقطة تحول في توصيل مساعدات برامج الحماية الاجتماعية في الدول التي لديها سجلات اجتماعية محدودة. وقد قادت الحكومة في توجو منهج استهداف الذكاء الاصطناعي، بدعم فني من الباحثين في مؤسسة Innovations for Poverty Action وCenter for Effective Global Action، ومنحة قيمتها عشرة ملايين دولار من GiveDirectly لدعم 140 ألف نسمة.
وأخيرا، يراعي هذا البرنامج كذلك النوع الاجتماعي فتحصل النساء على تحويلات نقدية أعلى بنسبة 15 في المائة مما يحصل عليه الرجال، لأنهن راعيات أساسيات لأسرهن.
يبدو أن توجو تتقدم حتى على الاقتصادات المتقدمة في مجال التحول الرقمي للخدمات الحكومية. والسؤال هنا كيف استطاعت أن تحقق هذا التقدم، القفز هو الطريقة الوحيدة لتقديم حلول إفريقية للمشكلات الإفريقية. ففي توجو، أنشأنا هيئة توجو للتحول الرقمي، وهي تعنى بتعيين أصحاب المهارات والقدرات اللازمة لقيادة التحول الرقمي، وبضمان إمكانية التشغيل البيني للنظم الحكومية وتعزيز قيمة البيانات.
ومع تفشي الجائحة، لم يعد ينظر إلى التكنولوجيات الرقمية على أنها ترف اختياري وإنما عنصر ضروري يمكن الناس والمؤسسات والدول من الحفاظ على أهميتها وقدراتها التنافسية وكفاءتها.
واليوم يتحرك العالم نحو حقبة تدفعها التكنولوجيا. ويجري حاليا استخدام الوسائل الرقمية في جمع المصادر المتنوعة للبيانات غير التقليدية ولتوفير رؤي متعمقة. وأصبح هذا الأمر حقيقة واقعة في القطاع الخاص، حيث تستخدم البيانات في توليد رؤى للاستهلاك ودفع النمو بتقديم خبرات وخدمات تصمم خصيصا لتلبية احتياجات العميل. وكي تسير الحكومات على النهج نفسه وتبلغ المستوى نفسه من التقدم في استخدام البيانات لتكوين رؤى ووضع سياساتها على أساس مستنير، ينبغي للدول أن تؤسس بنية تحتية رقمية عامة على المستوى الوطني تتسم بشمول جميع فئات المجتمع، والشفافية، وتأمينها من الهجمات الإلكترونية، والاتساق مع الأطر التنظيمية من حيث خصوصية البيانات. لا تقف إفريقيا موقف المتفرج على التحول الرقمي العالمي. فالقارة تشهد حاليا طفرة في التنمية الرقمية، ولا سيما ما يتعلق بمعدلات تغلغل الهواتف المحمولة، والحصول على خدمة الإنترنت، وقبول المدفوعات عبر الهواتف الذكية. ويحصل مواطنو توجو على خدمة الإنترنت عالية السرعة بصورة متزايدة، وذلك بفضل توسع شبكات الجيلين الثالث والرابع على مستوى البلاد. وقد بلغ معدل تغلغل خدمة الإنترنت عبر الهواتف في توجو 63 في المائة 2020، مقابل ما لا يزيد على 13 في المائة منذ خمسة أو ستة أعوام.
وانخفضت أسعار التوصيل بهذه الخدمات كذلك على مدار الفترة نفسها، بينما تواصل توفير خدمة الإنترنت عالية السرعة عبر الأجهزة الثابتة والمحمولة. وبالتالي، يستطيع عدد أكبر من سكان بلدنا الآن أن يجني منافع الاقتصاد الرقمي، بما فيها التواصل بشكل أفضل، وتحسن إمكانية الحصول على المعلومات عبر الإنترنت، والفرص الجديدة المتاحة لقطاع الأعمال، ومنها التجارة الإلكترونية. وتهدف توجو إلى أن تصبح مركزا لوجستيا وخدميا لمنطقة غرب إفريقيا. وبالتالي، عملت البلاد على تنفيذ عملية تحويل لاقتصادها وجعلت التكنولوجيا الرقمية في صميم استراتيجيتها التنموية. وفي واقع الأمر، ثلاثة أرباع مشاريعنا على خريطة طريق التنمية في توجو لـ2025 تحتوي على عنصر رقمي. وأدمجت هذه المشاريع في استراتيجية وطنية "توجو الرقمية 2025" وتهدف إلى: تزويد جميع المواطنين والمقيمين فوق سن الخامسة ببطاقة هوية تحتوي على البيانات البيومترية وتيسير الحصول على خدمات الإنترنت والأجهزة المحمولة بطريقة تتسم بفاعلية التكلفة.
ورقمنة الخدمات العامة والاجتماعية، وكذلك أداء كل المدفوعات من الحكومة إلى المواطنين ومن المواطنين إلى الحكومة لجعلهم أقرب إلى الإدارة العامة. وتعجيل وتيرة تحويل الاقتصاد وجعل توجو مركزا رقميا يتمتع بمنظومة بيئية للابتكار ويزخر بالمشاريع المبتدئة.
لا يمكن تحقيق أهداف التنمية المستدامة دون التحول الرقمي. وحسب البنك الدولي، هناك نحو 690 مليون نسمة يعيشون على أقل من 1.90 دولار يوميا، وتضم منطقة إفريقيا جنوب الصحراء أكثر من 50 في المائة من أشد سكان العالم تعرضا للمخاطر. ونواجه تهديدها من جائحة كوفيد - 19، وتغير المناخ، وكذلك العدد المتزايد من الصراعات والكوارث الطبيعية، كما أنها عكست مسار التقدم نحو تخفيف حدة الفقر في أنحاء العالم.