عاجل
الدوريات قضايا استراتيجية

تكنولوجيا الإتصالات والإيديولوجيا الخفية

يشهد العالم ثورة في تكنولوجيا الإتصالات والمعلوماتية لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية كماً ونوعاً. وهذه التكنولوجيا تشكل العامل الأساسي في تطوير المجتمع العالمي ونقله من حال الى أخرى محدثة تحولاً جذرياً في بنائه المادي وبنائه الثقافي العام. إذ أنه لكي يحدث التطوير في البناء المادي والإجتماعي

تكنولوجيا الإتصالات والإيديولوجيا الخفية
اضغط للتكبير
,,ولا بد من أن يصاحبه تغيير في الذهنيات والعقليات وفي البنية الثقافية ككل حتى يتم التأقلم مع الأوضاع الجديدة. وتدلنا القراءة التاريخية للمجتمعات أن كل عصر من العصور قد خضع لسيادة نمط فكري عكس التجربة الإقتصادية والسياسية والإجتماعية الواقعية. وإن كل نمط إنتاج قد ولد أفكاراً موقعية اقتصادية وأشكالاً من الإيديولوجيات، ذلك لأن كل ما يطرأ على قوى الإنتاج وعلاقاته من تغيير يتطلب نوعاً من التوصيف الإيديولوجي للذوات الإقتصادية الفاعلة. وبالمقابل كل ما يطرأ من تبدلات قيمية أو مفاهيمية يحدث تغييراً في الممارسات الإجتماعية والإقتصادية تؤثر جدلياً في البناء المادي للمجتمع. فلكل بنية اقتصادية اجتماعية، بعلاقاتها ومناشطها وتعقيداتها، بنية معرفية/عقلية مواكبة لها، والرباط بين البنيتين رباط جدلي وثيق.

لكن اللافت والمهم في تكنولوجيا الإتصالات والمعلوماتية هو أنها تشكل البنية التحتية للإقتصاد الجديد أي أنها عوامل إنتاج مادي، وهي في الوقت نفسه البنية التحتية لصياغة ونشر ثقافة تفرض قيمها ومفاهيمها وإيديولوجياتها بهدف ضبط السلوك الإنساني بما يتلاءم مع النظام السياسي والإقتصادي العالمي الجديد، أي عوامل إنتاج معرفي. هي النقطة المحورية التي ترتكز عليها البنية الإجتماعية والبنية المعرفية المواكبة لها.

ما نهدف إليه في هذا البحث هو الإضاءة على جانب مهم من استخدامات تكنولوجيا الإتصالات، على الوظيفة الإيديولوجية والمعرفية لها التي تبغي في نهاية المطاف إخضاع العالم لسياسة القيّمين عليها ولسلطانهم الإقتصادي. ولا يعنينا في هذا المقام مسألة الإيديولوجيات المختلفة بين الطبقات أو بين المجتمعات، بل الإيديولوجيا العامة التي تتوجه إلى مختلف الطبقات ومختلف المجتمعات سواءً أكانت محافظة أو ليبرالية، دينية أو علمانية، إشتراكية أو رأسمالية، إيديولوجيا المسيطرين على وسائل الإتصال الحديثة التي تقصد كل هؤلاء وتتوجه إلى الغني والفقير، الكبير والصغير، الجاهل والمثقف. وبما أن أساسها اقتصادي فهي تحاول أن تحقق حولها حالة استقطاب كلي لأن كل إنسان هو في النهاية فاعل إقتصادي وله مصلحة إقتصادية.

فكيف تستخدم هذه التقنيات في نشر مفاهيم وتصورات جديدة للكون؟ وكيف تتجلى الإيديولوجيا في مضامين البرامج التلفزيونية وفي ثقافة الإنترنت؟ ما هي الأفكار التي تبثها والنماذج التي تحاول تعميمها من أجل قولبة العقول وتشكيل أنماط حياة معينة أي عولمة الثقافة والإقتصاد؟ كيف تتسلل هذه الأفكار إلى اللاوعي الفردي والجماعي فتدفع بالناس نحو تصرفات يتوهمون أنها صادرة عن قناعاتهم الشخصية؟

تقتضي الإجابة على هذه التساؤلات توضيح المفاهيم الأساسية التي ينهض عليها البحث وهي الإيديولوجيا والثقافة والعولمة، ثم التعريف السريع بالإعلام وتقنيات الإتصال الحديثة. أما التركيز فسيكون على الأكثرها تأثيراً وفاعلية وهي التلفزة والإنترنت معتمدين في تجميع المادة العلمية نظرياً على ما كتب حول الموضوع، على ندرته، من المصادر والمراجع والدراسات السابقة، وميدانياً على مراقبة برامج الفضائيات التلفزيونية وتحليل مضامينها.

الاشارة المرجعية

نسخة pdf
فاطة بدوى ،تكنولوجيا الإتصالات والإيديولوجيا الخفية ، قضايا استراتيجية ، المركز العربي لابحاث الفضاء الالكتروني ، اغسطس 2012


تكنولوجيا الإتصالات والإيديولوجيا الخفية

طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك