المقالات
عودة منظمة التجارة العالمية
مع بزوغ فجر بديع فوق بحيرة جنيف في الـ17 من حزيران (يونيو)، حدث شيء غير عادي في المقر الرئيس لمنظمة التجارة العالمية. فبعد نحو ستة أيام من المفاوضات في إطار المؤتمر الوزاري الـ12 لمنظمة التجارة العالمية ـ التي بلغت ذروتها بمحادثات ماراثونية دامت 48 ساعة بلا توقف ـ تبنى الوزراء وكبار المسؤولين الذين يمثلون الدول الأعضاء "164 دولة" حزمة اتفاقيات تاريخية. ستساعد هذه الاتفاقيات متعددة الأطراف ـ بحجم ونطاق لم يسبق لمنظمة التجارة العالمية تحقيقهما منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي ـ الناس والشركات وكوكب الأرض.
نجوزي أوكونجو إيويالا
الاقتصادية
الإثنين,11 يوليو 2022 - 02:06 م
مشاهدات: 191
على سبيل المثال، توصل الوزراء إلى حل وسط بشأن اقتراح خضع للمناقشة لفترة طويلة للتنازل عن حماية الملكية الفكرية فيما يتصل بتدابير مكافحة جائحة مرض فيروس كورونا 2019 كوفيد - 19. لا تزال الإمدادات الحالية من لقاحات كوفيد - 19 تعتمد بشدة على أربعة أعضاء في منظمة التجارة العالمية يمثلون معا أكثر من 90 في المائة من الجرعات المصدرة. وكما أظهرت الجائحة فإن عديدا من المناطق التي تعتمد على الاستيراد معرضة لقيود التصدير التي تفرضها دول أخرى في مواجهة أزمات محلية.
تعتقد الحكومات في قلب هذه المفاوضات أن النتيجة ـ التي انتقدها نشطاء الصحة العامة لأنها لن تفعل إلا أقل القليل، وانتقدتها شركات الأدوية بحجة أنها تتجاوز الغرض منها ـ ستسهم في الجهود المبذولة حاليا لمنع تركز قدرة تصنيع اللقاحات والعمل على تنويعها. وهذا أمر مهم لتعزيز قدرة الإمدادات العالمية من اللقاحات على الصمود في المستقبل. تعهد الوزراء أيضا بالإبقاء على التجارة بين الحدود في الإمدادات والمكونات الطبية منفتحة وشفافة، وهذا من شأنه أن يساعد الأعضاء على الوصول بشكل أفضل إلى المنتجات اللازمة لمكافحة هذه الجائحة ـ والاستعداد بشكل أفضل للجائحة التالية،
ثم هناك الاتفاقية الجديدة بشأن إعانات دعم مصايد الأسماك ـ التي أبرمت أخيرا بعد نحو 21 عاما من المفاوضات ـ التي ستعمل على الحد من الدعم الحكومي الذي يقدر بنحو 22 مليار دولار سنويا الذي يسهم في استنفاد الموارد البحرية.
من خلال حظر إعانات الدعم التي تسهم في صيد الأسماك غير القانوني والسري وغير المنظم، فضلا عن الصيد في أعالي البحار وفي المخزونات التي أنهكها الصيد الجائر، يمثل هذا الاتفاق خطوة كبرى إلى الأمام على مسار حماية صحة المحيطات. كما يطلق هذا الاتفاق ـ الأول في تاريخ منظمة التجارة العالمية الذي يحمل هدفا بيئيا أساسيا في جوهره ـ العنان لموجة ثانية من المفاوضات لتعزيز القواعد الجديدة بشأن الاستدامة، بما في ذلك من خلال مزيد من الدعم لتهذيب السعة المفرطة والصيد الجائر.
في حين يواجه العالم أسوأ أزمة أمن غذائي في عقود من الزمن، تعهد أعضاء منظمة التجارة العالمية بجعل التجارة في المواد الغذائية والمدخلات الزراعية أكثر قابلية للتنبؤ، وهذا من شأنه أن يساعد على جعل الأسعار أقل تقلبا. وقد تبنوا اقتراحا قائما منذ أمد بعيد لمساعدة برنامج الغذاء العالمي من خلال ضمان عدم تسبب قيود التصدير الوطنية في منع هذه الهيئة التابعة للأمم المتحدة من الوصول إلى إمدادات الإغاثة الإنسانية التي توفرها لملايين من البشر في مناطق الحروب والكوارث الطبيعية. في تغريدة على تويتر، يقول ديفيد بيزلي المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي، "هذا الاستثناء الإنساني يوفر الوقت، والمال، ويضمن وصول الإغاثة الحرجة إلى الفئات الأكثر ضعفا".
حافظ أعضاء منظمة التجارة العالمية على القدرة على التنبؤ في مجال الاقتصاد الرقمي العالمي من خلال تمديد الوقف القائم منذ فترة طويلة لفرض الرسوم الجمركية على عمليات النقل الإلكتروني عبر الحدود. هذا القرار خبر سار لمستهلكي الأفلام وألعاب الفيديو التي تبث عبر الإنترنت، وأكثر إبهاجا للملايين من الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم التي تعتمد على الخدمات والأسواق الرقمية.
إضافة إلى هذا، أطلق أعضاء منظمة التجارة العالمية عملية إصلاح مؤسسي، مع الاعتراف بأن المنظمة في احتياج إلى التحديث وتحسين طريقة عملها. وقد التزموا بجعل نظام تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية يعمل بكامل طاقته مرة أخرى في غضون عامين. ومن الأهمية بمكان أنهم أدركوا الدور الذي تلعبه التجارة ومنظمة التجارة العالمية في تمكين النساء، وتوسيع الفرص لمصلحة المؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، وتحقيق الأهداف البيئية العالمية.
بعد المؤتمر، أعلن أحد العناوين الرئيسة، «فجر جديد يطل على نظام التجارة العالمي». لكن النجاح لم يكن حتميا بأي حال. الواقع أن كل الاجتماعات الوزارية السابقة لمنظمة التجارة العالمية، باستثناء قلة منها، لم تحقق إلا أقل القليل من وعودها أو انهارت بشكل حاد. لم ير عديد من المراقبين فرصة كبيرة لحدوث أي شيء مختلف هذه المرة، خاصة على خلفية من التوترات الجيوسياسية المتصاعدة والحرب في أوكرانيا.
مع ذلك، انضم إلى الإجماع في جنيف كل أعضاء منظمة التجارة العالمية، بما في ذلك أوكرانيا، وروسيا، والولايات المتحدة، والصين، والاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، وأستراليا، والبرازيل، والهند، وباكستان، وجنوب إفريقيا، والدول الجزر في منطقة الكاريبي والمحيط الهادئ. كان ذلك مثالا للتعددية في أفضل حالاتها. لقد تجاوز الأعضاء التوترات الثنائية واختاروا الاستثمار في النظام التجاري متعدد الأطراف الذي دعم لعقود من الزمن توسع التجارة العالمية والازدهار.
لقد أعادت الاتفاقيات منظمة التجارية العالمية إلى مسارها الصحيح كمنظمة موجهة نحو تحقيق النتائج. وهي تثبت أن المفاوضات متعددة الأطراف ـ التي كانت حتى وقت قريب توصف على نحو متزايد بأنها محتضرة ـ لا تزال قادرة على تحقيق النجاح، شريطة أن يتغلب الأعضاء على عقود من انعدام الثقة وأن يعملوا معا.
وسط كل الحديث عن الانفصال وانحسار العولمة، جددت الحكومات إيمانها بقدرة القواعد التعددية على مواصلة ترسيخ التجارة بين الدول والتكتلات. وهذا سيجعل من الممكن تجنب التكاليف الباهظة المترتبة على التفتت الاقتصادي البعيد المدى. ستستمر المنافسات الاستراتيجية بطبيعة الحال. لكن ذلك النوع من التعاون الاستراتيجي عبر خطوط الصدع السياسي الذي كان واضحا في جنيف سيكون ضروريا، في التجارة وغيرها من المجالات، إذا كنا راغبين في حل مشكلات المشاعات العالمية، من تغير المناخ إلى التأهب للجوائح.
الواقع أن التدابير التي تبناها 600 مندوب أعيا السهر أعينهم في غرفة الاجتماعات الرئيسة في منظمة التجارة العالمية ترسي الأساس لتمكين الأعضاء من إعادة بناء الثقة، والتوصل إلى مزيد من الاتفاقيات، ودفع الإصلاحات المؤسسية التي تشتد الحاجة إليها، للحفاظ على لياقة المنظمة وقدرتها على تحقيق الغرض منها. يجب أن يتمثل الهدف في مواصلة تحقيق النتائج من أجل الناس جميعا في مختلف أنحاء العالم. وأنا على يقين من أن هذا النهج القائم على التدرج كفيل بتشييد أساس متين لدعم منظمة التجارة العالمية بعد إعادة تنشيطها لفترة طويلة في المستقبل.