المقالات
أمريكا والاستثمار في البنية التحتية
أقر قانون البنية الأساسية مبلغ 1.2 تريليون دولار في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، لتحديث الطرق والجسور وشبكات النطاق العريض الأمريكية، إضافة إلى قانون الرقائق والعلوم الذي أجيز أخيرا، الذي سيخصص أكثر من 52 مليار دولار لتعزيز صناعة أشباه الموصلات الأمريكية، حيث كانت التشريعات الاقتصادية الكبرى حديث الساعة في أمريكا. وربما نشهد قريبا إضافة قانون خفض التضخم، الذي أصبح في الطريق الآن إلى مجلس النواب، بعد إقراره في مجلس الشيوخ، إلى هذه القائمة.
مايكل سبنس
الاقتصادية
الخميس,1 سبتمبر 2022 - 06:18 ص
مشاهدات: 225
في البيئة السياسية المستقطبة الحالية، التي شكلتها عقليات المحصلة الصفرية "حيث يخسر طرف كل شيء ويكسب الآخر كل شيء"، يكاد يكون من الممكن اعتبار هذه الاختراقات شبه معجزات. الواقع أن انعكاس اتجاه فترة طويلة من نقص الاستثمار في الماضي لافت للنظر. "رغم عدم ارتباطه بشكل مباشر بالاقتصاد، فإن أول تشريع خاص بتنظيم الأسلحة النارية يمر عبر الكونجرس منذ نحو 30 عاما يستحق أيضا الذكر هنا". سارع المعلقون بكل تأكيد إلى الترويج لها باعتبارها انتصارات للرئيس الأمريكي جو بايدن، والديمقراطيين، مع تساؤل عديد من المراقبين ما إذا كانت لتساعد على تحويل المد في انتخابات التجديد النصفي في أيلول (سبتمبر).
أيا كانت التأثيرات السياسية المترتبة عليها، فإن قوانين مثل قانون البنية الأساسية، وقانون الرقائق والعلوم، وقانون خفض التضخم، ترقى إلى كونها زيادة مذهلة في الاستثمار طويل الأجل في إمكانات النمو في أمريكا، وإيجاد التوازن بين الأبعاد المختلفة لنمط النمو الأمريكي، وبشكل بارز خفض الانبعاثات من ثاني أكسيد الكربون.
الواقع أن قانون خفض التضخم من شأنه أن يسمح بأكبر استثمار في العمل في تاريخ أمريكا، ما يمنح الولايات المتحدة الفرصة للاقتراب من تحقيق هدفها المتمثل في خفض الانبعاثات إلى النصف بحلول 2030. وبما أن الولايات المتحدة تـعـد ثاني أكبر مصدر للانبعاثات من ثاني أكسيد الكربون على مستوى العالم "بعد الصين"، فإن مثل هذا الاستثمار يشكل ضرورة أساسية، ليس فقط لخفض الانبعاثات العالمية بشكل مباشر، بل أيضا لتحفيز آخرين على القيام بدورهم. كما يشتمل قانون خفض التضخم على فقرات لا تتعلق بالمناخ، مثل السماح لبرنامج ميديكير "الذي يقدم المساعدة الطبية لكبار السن" بالتفاوض على أسعار الأدوية التي تستلزم وصفة طبية، وتمديد إعانات الدعم التي يتيحها قانون الرعاية الميسرة حتى 2025، وتقديم نسخة ما من ضريبة الشركات بحد أدنى 15 في المائة.
على نحو مماثل، يعيد قانون الرقائق والعلوم تنشيط الاستثمار الأمريكي في العلوم والتكنولوجيا، بما في ذلك رأس المال البشري الذي يقود التوسع في القاعدة التكنولوجية التي يقوم عليها الاقتصاد. يولي التشريع اهتماما خاصا لأشباه الموصلات والتكنولوجيا الرقمية، مع توجيه حصة من الاستثمار إلى جهود الحد من اعتماد أمريكا على قوى أجنبية من المحتمل أن تكون غير جديرة بالثقة. لكن الأمر الأعظم أهمية هو أن قانون الرقائق والعلوم يزيد ماديا من احتمالية ارتفاع الإنتاجية في الأمد المتوسط أو البعيد. مع ارتفاع معدلات إعالة المسنين وإحكام ظروف سوق العمل، تنشأ الحاجة إلى نمو الإنتاجية بدعم من التكنولوجيات الرقمية لتحقيق أنماط نمو عادلة ديموغرافيا في العقد المقبل وما بعده.
.سيطلق الاستثمار الموسع في القطاع العام، والحوافز التي يصنعها، العنان لطفرة في الاستثمار الخاص في مجالات أساسية. هذه لست مجرد تكهنات. إن الاستثمار العام الجيد التوجيه في العلوم والتكنولوجيا والبشر والبنية الأساسية يصنع الفرص التي سيغتنمها القطاع الخاص الديناميكي والنظام المالي، ما يدفع الإبداع والنمو وتشغيل العمالة.
لا شك أن بعض الانقسامات الواسعة تظل قائمة في الولايات المتحدة بشأن توزيع الدخل والثروة والفرص. لكن حتى هنا، يشير تشريع حديث ضمنا إلى الاعتراف بأن إبطال الاتجاهات الضارة يتطلب استثمارات عامة، خاصة في التعليم، وأجندة جانب العرض التي تساعد على إيجاد الفرص. وينبغي لنا ألا نستبعد إعادة التوزيع، لكنها ليست حلا كاملا.
قد يخشى بعض المراقبين أن هذا الإجماع الجديد الجزئي الهش على أهمية الاستثمار في الأصول الملموسة وغير الملموسة والبنية الأساسية الداعمة، يعتمد بشكل أساس على اعتبارات جيوسياسية، خاصة المنافسة مع الصين. الحق أن الحرب الباردة جلبت طفرة في الاستثمار العام في العلوم الأساسية والإبداع التكنولوجي. وعلى هذا فقد لا يدرك صناع السياسات بشكل كامل أهمية الأجندة الاقتصادية المتوازنة للأجل البعيد لدعم الثورة الرقمية، والتحول إلى الطاقة المتجددة، والتقدم نحو نمو مستدام وعادل.
على الرغم من خطر اتهامي بالإفراط في الحماس، أنصح كل من يعرب عن مثل هذه المخاوف بالامتناع عن التفتيش عن العيوب في مثل هذه المنحة. لا أقصد بهذا أن أجندة حرب باردة جديدة تتفق مع أجندة النمو المستدام. لكن الأجندتين متوائمتان بما يكفي لتمكين السياسات القائمة على مصلحة مشتركة في "الفوز" بالمنافسة الاستراتيجية مع الصين من جلب فوائد اقتصادية طويلة الأمد تعوض عن غياب التقارب بين الحزبين بشأن أجندة نمو قوية.
تظهر الانتصارات التشريعية الأخيرة التي أحرزها الديمقراطيون إمكانية التوصل إلى نتائج ملموسة بالاستعانة بأجندة وسطية والاستعداد لتقديم تنازلات. على الرغم من موافقة مجلس الشيوخ على قانون خفض التضخم في تصويت جرى على أساس الاتجاه الحزبي، كان لا بد من تعديل بنود أو إسقاط أخرى لتأمين الدعم المطلوب، خاصة من جانب جو مانشين من وست فرجينيا وكريستن سينيما من أريزونا. مهما كانت النتائج غير مرضية في نظر بعض أنصار مشروع القانون، فإن هذه هي طبيعة التسوية، التي تعد المفتاح إلى التقدم المشترك.
يشير التشريع الحديث أيضا إلى الرغبة في تعزيز المصلحة العامة العريضة في الأبعاد الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والبيئية، على الرغم من الاختلافات العميقة حول القضايا الاجتماعية. يبشر الفصل بين القضايا والأهداف بالخير على نحو مماثل بالنسبة إلى عملية صنع السياسات، لأنه يعمل على منع أجندة كاملة من الوقوع رهينة للمسائل الأكثر إثارة للجدال.
في حين لا يوجد ما قد يضمن استمرار إحياء الاستثمار العام الأمريكي، فلا يخلو الأمر من سبب للأمل. تشير تجارب عديد من الدول - بما في ذلك دول نامية ناجحة - إلى أن الجزء الأشد صعوبة من التحول الاقتصادي الكبير هو البداية. بمجرد أن تبدأ فوائد برامج الاستثمار في الظهور، يتنامى الدعم الشعبي لأجندة اقتصادية وسطية تطلعية، ما يقلل من فرص الانقلاب عليها.
لا أحد يستطيع أن يجزم ما إذا كانت عزيمة صناع السياسات الأمريكية لتدوم كل هذه المدة. لكن في الوقت الحالي، ينبغي لنا أن نثني على أولئك الذين أثبتوا قدرة القيادة البرجماتية الموجهة نحو إحراز النتائج على جلب التقدم الحقيقي على الرغم من الاستقطاب الحزبي العميق.