المقالات
لماذا تسيء الشركات التصرف؟
هل رجال الأعمال الناجحون أشبه بالأبطال أم الأشرار؟ في الروايات الخيالية، يمكن للمرء أن يجد كثيرا من الأمثلة التي تجسد كلتا الصفتين، بما في ذلك شخصية "إبينيزر سكروج" البائس التي ابتكرها تشارلز ديكنز، وشخصية رجل الأعمال الفرداني القاسي، جون جالت، للمؤلف آين راند. أما في رواية The Great Gatsby للكاتب F. Scott Fitzgerald، إف سكوت فيتزجيرالد، تجسد شخصية "توم بوتشانان" الثراء الذي اكتسب بالوراثة والحظ، الذي يتسم بالقسوة وعدم القدرة على التعاطف، في حين أن Jay Gatsby هو مليونير عصامي لا يعاني نقصا في العاطفة والمثالية.
دارون عاصم
الاقتصادية
الجمعة,11 نوفمبر 2022 - 10:22 ص
مشاهدات: 192
الحديث هنا عن دور صناعة التكنولوجيا، وهو مجال بدأ فيه عديد من رواد الأعمال كغرباء مثاليين يعدون بجعل العالم مكانا أفضل. فقد كان شعار Google "جوجل" "لا تكن شريرا". لكن أصبح مصطلح Big Tech "التكنولوجيا الفائقة" الآن مرادفا للهيمنة على السوق، والتلاعب بالمستهلكين، والتهرب الضريبي، وغير ذلك من الانتهاكات. "في 2018، أزالت "جوجل" شعارها من مقدمة مدونة قواعد السلوك الخاصة بها".
ولأعوام، كانت الجهات الفاعلة الأكبر في القطاع تكتسب أو تنسخ ببساطة منتجات الوافدين الجدد لتعزيز هيمنتها. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك شراء Facebook "فيسبوك" لـInstagram، "إنستجرام" في 2012، وشراء WhatsApp "واتساب" في 2014. ومنذ ذلك الحين أظهرت الوثائق الداخلية أن هذه الاستحواذات كانت مدفوعة برغبة كبار المسؤولين التنفيذيين في تحييد المنافسين المحتملين.
إن أكثر ما يثير التساؤل هو "عمليات الاستحواذ القاتلة"، إذ تشتري الشركة تقنية جديدة بحجة دمجها في نظامها البيئي الخاص، بهدف واحد وهو إلغاؤها تماما. وتأتي هذه الأساليب الاحتكارية في مقدمة الأساليب الأخرى المجربة والصحيحة، مثل تجميع المنتجات لمنع المستخدمين من التحول إلى الخدمات المنافسة، كما فعلت Microsoft "مايكروسوفت" للقضاء على Netscape "نيتسكيب"، وكما فعلت Apple "أبل" مع نظام iOS البيئي الخاص بها.
أخيرا وليس آخرا، استفادت التكنولوجيا الفائقة إلى حد كبير من عملية جمع البيانات الجامحة، التي تسمح للجهة المسيطرة بمعرفة مزيد عن المستهلكين أكثر مقارنة بـالمنافسين المحتملين، وإقامة حواجز هائلة أمام دخول السوق. والنتيجة ليست فقط تركيز السوق لكن أيضا التلاعب الجماعي بالمستخدمين، أحيانا من خلال عروض المنتجات المضللة، حتى من خلال الإعلانات الرقمية في كثير من الأحيان.
وما يدعو إلى التفاؤل، هو أنه ليست لدى الشركات نزعة لإساءة التصرف لا يمكن إصلاحها. فقد كان القاسم المشترك بين رجال الصناعة في نهاية القرن والجهات الفاعلة السيئة في الشركات اليوم، هو النظام الذي يفتقر إلى الضوابط المناسبة ضد التعسف. وإذا كنا نريد سلوكا أفضل وابتكارا أفضل من الشركات، فينبغي أن نوفر البيئة المؤسسية المناسبة والتنظيم الصحيح.
وحاولت أنا وجيمس أ. روبنسون تأكيد هذه النقطة في كتاب why nations fail، عندما قارنا بين بيل جيتس وإمبراطور الاتصالات المكسيكي كارلوس سليم. وقلنا إن كلا الرجلين لهما مصلحة في جني أكبر قدر ممكن من المال بأي وسيلة ممكنة، لكن سليم قد يفلت من العقاب على سلوك أسوأ بكثير من سلوك جيتس، بسبب الاختلافات بين الأنظمة القانونية والتنظيمية المكسيكية والأمريكية.
وعندما أنظر إلى الوراء أكتشف أننا كنا كرماء للغاية مع الولايات المتحدة. فعلى الرغم من أن الشركات الأمريكية لديها حافز أقوى من نظيراتها المكسيكية للابتكار، إلا أن هناك عديدا من الطرق التي يمكن من خلالها أن تفلت هي أيضا من سوء السلوك. وكانت فرص استغلال النظام تتضاعف بالفعل بحلول الوقت الذي أصبحت فيه Microsoft "مايكروسوفت" شركة رائدة، ومنذ ذلك الحين أصبحت تلك الفرص أكثر انتشارا، وكانت تكلفتها هائلة بالنسبة إلى الاقتصاد الأمريكي.
وتكمن مأساة السلوك التجاري السلبي في أنه يمكن تجنبه إلى حد كبير. ولإيجاد التوازن المناسب بين الحواجز والحوافز، يجب أن نتخلص من أسطورة رائد الأعمال البطل، وأن ندرك أن عواصف التدمير الخلاق لا تنفجر تلقائيا. إذ فقط من خلال لوائح تنظيمية أفضل ومؤسسات أقوى يمكننا تحقيق الازدهار ومحاسبة أقوى الأشخاص في المجتمع على سلوكهم.
هل رجال الأعمال الناجحون أشبه بالأبطال أم الأشرار؟ في الروايات الخيالية، يمكن للمرء أن يجد كثيرا من الأمثلة التي تجسد كلتا الصفتين، بما في ذلك شخصية "إبينيزر سكروج" البائس التي ابتكرها تشارلز ديكنز، وشخصية رجل الأعمال الفرداني القاسي، جون جالت، للمؤلف آين راند. أما في رواية The Great Gatsby للكاتب F. Scott Fitzgerald، إف سكوت فيتزجيرالد، تجسد شخصية "توم بوتشانان" الثراء الذي اكتسب بالوراثة والحظ، الذي يتسم بالقسوة وعدم القدرة على التعاطف، في حين أن Jay Gatsby هو مليونير عصامي لا يعاني نقصا في العاطفة والمثالية.
ويجد المرء الفروق نفسها في الصور التي تجسد من خلالها العلوم الاجتماعية رجال الأعمال. فقد كان جوزيف شومبيتر وأتباعه ينظرون إلى رواد الأعمال على أنهم محركات النمو، والشخصيات البطولية التي قدمت "عواصف من الدمار الإبداعي". وعلى النقيض من ذلك، أثار كتاب فريدريك إنجلز The Condition of The Working Class in England الازدراء تجاه رجال الصناعة البريطانيين الذين دفعوا عمالهم، ليس فقط إلى الفقر، لكن أيضا إلى ظروف عمل ومعيشة غير إنسانية. لكن لاحقا، جعل هو وكارل ماركس هاتين الصورتين جزءا أساسيا من نظريتهما عن الرأسمالية، رجال الأعمال الذين لا يرحمون يستغلون العمال، لكن أيضا يطلقون العنان للابتكار والنمو، ما يؤدي في النهاية إلى تحويل المجتمع.
وتعكس هذه الصور المتضاربة وجهات نظر المجتمع المعقدة بشأن الأعمال. ومن الواضح أنه سيكون من السذاجة توقع أن يكون جميع رجال الأعمال إما أبطالا وإما أشرارا. وكما هو الحال بالنسبة إلى معظمنا، فغالبا ما يتسمون بكلتا الصفتين.
إن عديدا من الأسماء التي نربطها الآن بالعمل الخيري أو التعليم العالي كانت تنتمي في الأصل إلى البارونات اللصوص في أواخر القرن الـ19 وأوائل القرن الـ20. إذ لم يظهر أقطاب الصناعة، مثل: جون دي روكفلر، وأندرو كارنيجي، وكورنيليوس فاندربيلت، أي ندم في ترهيب المنافسين والاستحواذ عليهم من أجل احتكار أسواقهم وزيادة الأسعار. وكانوا يتعاملون بقسوة مع أي عامل يتجرأ على المطالبة بأجور أعلى أو ظروف أفضل، بل كانوا يقتلونه أحيانا.
وربما كان ليلاند ستانفورد، مؤسس جامعة ستانفورد، أسوأ من ذلك. إذ لم يقتصر الأمر على قيامه هو ورفاقه بمحاصرة صناعة إنشاء السكك الحديدية على ساحل المحيط الهادئ، بل وضعوا أيضا خطة لجعل دافعي الضرائب الأمريكيين يدفعون تكلفتها. واستغل ستانفورد أيضا العمال المهاجرين أبشع استغلال، خاصة الصينيين منهم، الذين عملوا في ظل ظروف قاسية للغاية، وبأجور زهيدة، لدرجة أنه لم يكن يوظف الأمريكيين.
ثم انتقل ستانفورد إلى السياسة لترسيخ مكاسبه والاستفادة بصورة أكبر على حساب دافعي الضرائب. فقام بتسليح المجلس التشريعي لولاية كاليفورنيا والحكومات البلدية بقوة، لإصدار سندات توفر مزيدا من الأموال العامة لخطوط السكك الحديدية الخاصة به. وبصفته حاكما للولاية، قام بتنظيم دهم قاتل ضد الأمريكيين الأصليين، وأثار الكراهية ضد الصينيين أنفسهم الذين كان لهم دور حاسم في نجاحه.
وحاليا، لم تعد أسطورة الأعمال التجارية البطولية متماسكة. إذ تستخدم شركة جونسون آند جونسون، التي تمت الإشادة بها ذات مرة بسبب عمليات سحب منتجاتها الاستباقية لحماية العملاء، مناورة قانونية مشكوكا فيها "استراتيجية the Texas two-steps" خطوتي تيكساس أوdivisional merger "الاندماج الشعبي" لتجنب دفع تعويضات على تسويقها وبيعها مسحوق "التلك" الملوث