المقالات
الذكاء الاصطناعي
احتل عالم التكنولوجيا كثيرا من عناوين الأخبار الرئيسة لـ2022، ففي تشرين الأول (أكتوبر) اشترى إيلون ماسك "تويتر" وهي إحدى منصات التواصل العامة الرئيسة التي يستخدمها الصحافيون والأكاديميون والشركات وصانعو السياسات، حيث سارع ماسك إلى فصل معظم موظفي "تويتر" المسؤولين عن الإشراف على المحتوى، وأشار إلى أن الشركة ستعتمد بدلا من ذلك على الذكاء الاصطناعي.
جابريلا راموس / ماريانا مازوكاتو
الاقتصادية
الأحد,5 فبراير 2023 - 08:41 ص
مشاهدات: 414
ولاحقا لذلك وتحديدا في تشرين الثاني (نوفمبر)، ذكرت مجموعة من الموظفين من شركة ميتا أنهم ابتكروا برنامجا للذكاء الاصطناعي قادرا على التغلب على معظم البشر في اللعبة الاستراتيجية "دبلومسي". أما في شينزين في الصين فيستخدم المسؤولون "التوائم الرقمية" لآلاف الأجهزة المحمولة المتصلة بشبكة الجيل الخامس لمراقبة وإدارة تدفقات الأشخاص وحركة المرور واستهلاك الطاقة بشكل متزامن، ومع التكرار الأخير لنموذج التنبؤ اللغوي"تشات جي بي تي"، فإن كثيرين يعتقدون أن ذلك سيشكل نهاية المقال الجامعي.
باختصار، فلقد كان عاما زادت فيه المخاوف الجدية الموجودة بالفعل بشأن كيفية تصميم التقنيات واستخدامها لتتحول تلك المخاوف إلى شكوك ذات طبيعة ملحة. من المسؤول هنا؟ من يجب أن يكون المسؤول؟ يجب تصميم السياسات والمؤسسات العامة لضمان أن الابتكارات تعمل على تحسين العالم، ومع ذلك يتم حاليا استخدام عديد من التقنيات بشكل منعزل عن السياق العام. نحن بحاجة إلى هياكل حوكمة شاملة وموجهة نحو تحقيق المهام حيث تتمحور حول مصلحة مشتركة حقيقية. يمكن للحكومات التي لديها القدرات اللازمة تشكيل هذه الثورة التكنولوجية لخدمة المصلحة العامة.
لو نظرنا إلى الذكاء الاصطناعي سنجد أن تعريفه طبقا لقاموس أكسفورد للغة الإنجليزية عموما هو "نظرية وتطوير أنظمة الكمبيوتر القادرة على أداء المهام التي تتطلب عادة ذكاء بشريا مثل الإدراك البصري والتعرف على الكلام واتخاذ القرار والترجمة بين اللغات". يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجعل حياتنا أفضل وذلك من خلال عديد من الطرق حيث يمكنه أن يعزز إنتاج الأغذية وإدارتها من خلال جعل الزراعة أكثر كفاءة وتحسين سلامة الأغذية. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا على تعزيز المرونة والصلابة ضد الكوارث الطبيعية وتصميم المباني التي توفر الطاقة وتحسين تخزين الطاقة وتعزيز استخدام الطاقة المتجددة، كما يمكنه أن يعزز دقة التشخيص الطبي عندما يقترن ذلك بتقييمات الأطباء.
ستجعل هذه التطبيقات حياتنا أفضل من نواح كثيرة. لكن مع عدم وجود قواعد وأحكام فاعلة، فمن المرجح أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إيجاد مزيد من عدم المساواة وتعميق أشكال عدم المساواة الموجودة بالفعل. لا يحتاج المرء إلى البحث كثيرا قبل أن يجد أمثلة على أنظمة تعمل بالذكاء الاصطناعي تعيد إنتاج تحيزات اجتماعية غير عادلة، ففي إحدى التجارب الحديثة، أصبحت الروبوتات التي تعمل بخوارزمية التعلم الآلي عنصرية وتميز على أساس نوع الجنس بشكل صريح، علما أنه دون رقابة أفضل فقد تمارس الخوارزميات التي من المفترض أن تساعد القطاع العام على إدارة مخصصات الرعاية الاجتماعية، التمييز ضد العائلات التي هي في أمس الحاجة إلى المساعدة، وما يثير القلق أيضا أن السلطات في بعض الدول تستخدم بالفعل تقنية التعرف على الوجه التي تعمل بالذكاء الاصطناعي لمراقبة المعارضة السياسية وإخضاع المواطنين إلى أنظمة المراقبة الجماعية.
إن الحصة السوقية هي أيضا مصدر قلق كبير فتطوير الذكاء الاصطناعي ـ والتحكم في البيانات الأساسية ـ يهيمن عليه عدد قليل من اللاعبين الأقوياء في عدد قليل من المناطق، وبين 2013 و2021، استحوذت الصين والولايات المتحدة على 80 في المائة من استثمارات الذكاء الاصطناعي الخاصة على مستوى العالم. يوجد الآن خلل هائل في القوة بين مالكي هذه التقنيات من القطاع الخاص وبين بقية الناس. لكن يتم تعزيز الذكاء الاصطناعي عن طريق الاستثمارات العامة الضخمة أيضا. يجب أن تتم إدارة هذا التمويل لخدمة المصلحة العامة وليس لمصلحة القلة. نحن بحاجة إلى بنية رقمية تتقاسم فوائد تحقيق القيمة الجماعية بشكل أكثر إنصافا. يجب أن ينتهي عصر التنظيم الذاتي المحدود
عندما نسمح للأسواق بالانتشار دون قواعد وأحكام تنظيمية قوية، فإن الدولة ودافعي الضرائب سيضطرون لأن ينقذوا الموقف بعد وقوع الحادث "كما رأينا في سياق الأزمة المالية لـ2008 وجائحة كوفيد - 19"، وعادة ما يكون ذلك بتكلفة مالية باهظة وآثار اجتماعية سلبية طويلة الأمد. والأسوأ من ذلك أنه مع الذكاء الاصطناعي لا نعرف حتى ما إذا كان التدخل اللاحق سيكون كافيا وكما أشارت صحيفة "الإيكونومست" أخيرا، فإن مطوري الذكاء الاصطناعي أنفسهم عادة ما يتفاجأون بقوة إبداعاتهم.
لحسن الحظ، نحن نعرف بالفعل كيف نتجنب أزمة أخرى ناجمة عن سياسة عدم التدخل. نحن بحاجة إلى مهمة ذكاء اصطناعي "تكون في تصميمها أخلاقية" مع وجود التنظيم السليم والحكومات المؤهلة التي تعمل على تشكيل هذه الثورة التكنولوجية لما فيه المصلحة المشتركة، بدلا من مصلحة المساهمين وحدهم. يمكن للقطاع الخاص مع وجود هذه الركائز أن ينضم إلى الجهود الأشمل من أجل جعل التقنيات أكثر أمانا وإنصافا.
يجب أن تضمن الرقابة العامة الفاعلة أن الرقمنة والذكاء الاصطناعي يوجدان فرصا من أجل تحقيق قيمة عامة. إن هذا المبدأ جزء لا يتجزأ من توصية "اليونيسكو" بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وهي إطار معياري اعتمدته 193 دولة عضو في تشرين الثاني (نوفمبر) 2021. علاوة على ذلك يتحمل اللاعبون الرئيسون الآن مسؤولياتهم فيما يتعلق بإعادة تأطير النقاشات العامة في هذا الخصوص، حيث اقترحت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن مشروع قانون حقوق الذكاء الاصطناعي، كما يطور الاتحاد الأوروبي إطارا شاملا لتنظيم الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك يجب علينا أيضا الإبقاء على استخدامات القطاع العام للذكاء الاصطناعي على أساس أخلاقي سليم، ومع دعم الذكاء الاصطناعي لمزيد من عمليات صنع القرار، فإن من المهم ضمان عدم استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي بطرق تقوض الديمقراطية أو تنتهك حقوق الإنسان.
يجب علينا أيضا التعامل مع نقص الاستثمار في قدرات القطاع العام نفسه الابتكارية وتلك المتعلقة بالحوكمة. لقد سلطت جائحة كوفيد - 19 الضوء على الحاجة إلى مزيد من القدرات الديناميكية للقطاع العام، علما أنه دون بنود وشروط قوية تحكم الشراكات بين القطاعين العام والخاص على سبيل المثال، فإنه يمكن للشركات أن تتحكم بسهولة بأجندة العمل في هذا الخصوص.
ومع ذلك تكمن المشكلة في أن قيام القطاع العام بالتعاقد الخارجي فيما يتعلق بالعقود العامة أصبح وبشكل متزايد يعد عائقا أمام بناء قدرات القطاع العام. تحتاج الحكومات إلى أن تكون قادرة على تطوير الذكاء الاصطناعي بطرق لا تعتمد على القطاع الخاص بالنسبة إلى الأنظمة الحساسة، وذلك حتى تتمكن تلك الحكومات من الحفاظ على سيطرتها على المنتجات المهمة والتأكد من التمسك بالمعايير الأخلاقية. وبالمثل، يجب أن تكون الحكومات قادرة على دعم تبادل المعلومات والبروتوكولات والمقاييس القابلة للتشغيل المتبادل بين الإدارات والوزارات. سيتطلب هذا كله استثمارات عامة في القدرات الحكومية وذلك من خلال تبني نهج موجه نحو تحقيق المهام.
نظرا إلى أن كثيرا من المعرفة والخبرة تتركز الآن في القطاع الخاص، فإن التعاون بين القطاعين العام والخاص سيكون أمرا حتميا ومرغوبا. يتعلق تحقيق المهمة باختيار الراغبين، أي من خلال الشراكة في الاستثمار مع الشركاء الذين يدركون إمكانات المهمات التي تقودها الحكومة. إن الأمر الجوهري في هذا الخصوص هو تزويد الدولة بالقدرة اللازمة لإدارة كيفية نشر أنظمة الذكاء الاصطناعي واستخدامها بدلا من تأخرها الدائم عن اللحاق بالركب. إن بإمكان القائمين على السياسات مشاركة مخاطر ومزايا الاستثمار العام من خلال وضع شروط للتمويل العام وكما يمكنهم، بل ينبغي لهم أن يطلبوا من الشركات التقنية الكبرى أن تكون أكثر انفتاحا وشفافية.
إن مستقبل مجتمعاتنا على المحك. يجب ألا نحل مشكلات الذكاء الاصطناعي والسيطرة على المخاطر السلبية المتعلقة به فحسب، بل يجب علينا أيضا تشكيل اتجاه التحول الرقمي والابتكار التقني على نطاق أوسع. ليس هناك وقت أفضل من انطلاقة العام الجديد للبدء في وضع الأساس لابتكار غير محدود من أجل مصلحة الجميع.