المقالات
اجعلـوا علـم الابتكـار سبيـلًا للاكتشـافـات
يتحدث الجميع عن الابتكار.. فعلى سبيل المثال.. نرى مجلس الشيوخ الأمريكي يعمل على مشروع قانون عن الابتكار في الطب الحيوي، بينما أعلنت مؤخرًا الوكالة الرئيسة المختصة بالتمويل في أستراليا عن أنها ستشطب المئات من العلماء المتخصصين في المناخ، في إطار جدول أعمال "البرنامج الوطني للعلوم والابتكار". أما في الهند، فسيقوم "المجلس الوطني للمتاحف العلمية" بإنشاء مراكز للابتكار في المراكز التابعة له.
أندرو كوسياك
الأحد,26 مارس 2023 - 08:09 م
مشاهدات: 122
كما أن هناك المزيد من المؤسسات التي تضع كلمة "الابتكار" في مسمّياتها وعلاماتها التسويقية، فالابتكار يمثل حجر الزاوية بالنسبة إلى السياسات الوطنية والمحلية، وهو يستهلك مليارات الدولارات من الاستثمارات على مستوى العالم. وعلى الرغم من ذلك.. فإن الأدلة على حدوث هذه الجهود المبذولة في مجال الابتكار تكاد أن تقترب من الصفر، فنحن ـ ببساطة ـ لا نعرف كيف يحدث الابتكار، ولذلك.. ينبغي أن نبذل المزيد من الجهود؛ كي نتوصل إلى هذه المعرفة.
عادةً ما يختلط مفهوم الابتكار بمفهوم الاختراع والإبداع، فالإبداع هو القدرة على إنتاج أفكار ومفاهيم وأشياء جديدة تمامًا، وهو الذي يبعث على الاختراع، وأكثر المجالات التي يبرز فيها ذلك هو مجال التكنولوجيا، ومجال قطاع الأعمال. فبينما يستمتع الفنانون بالإبداع، ويركِّز المهندسون والعلماء على الاختراعات، يحتاج الابتكار إلى مكوِّن ثالث، ألا وهو: "النجاح في السوق".
يضم التاريخ أمثلة على التحول السريع من الإبداع إلى النجاح في السوق، ومثال ذلك.. نجاح بيكاسو في تحقيق دخل من إبداعاته، و"ملاهي ديزني" التي تُعَدّ من أكثر المناطق جذبًا للسياح، وجلبًا للربح، أما الابتكارات الكاسحة، التي لها آثار تحويلية جذرية، مثل المحرك البخاري، أو هاتف الـ"آي فون" من إنتاج شركة "أبل"، فتُعتبر نادرة.
إن الطريق نحو الابتكار الآن يغلب عليه الفن أكثر من العلم، مما قد يفسر سبب الوهن الذي أصابه بصورة صادمة، حيث إن فرصة حصول اختراع ما على النجاح التجاري أو الاجتماعي اللازم ـ لكي يُعترف به كابتكار ـ لا تتعدى نِسَبًا ضئيلة جدًّا، حتى إنّ نسبة صغيرة جدًّا من الِمنَح التي يقدمها برنامج بحوث الابتكار في المشروعات التجارية الصغيرة في الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تَنْتُج عنها أنشطة اقتصادية، أو منتجات، أو خدمات حيوية بالفعل. وبالنسبة إلى الأسواق المشبعة تحديدًا، مثل أسواق الهواتف المحمولة، أو الاكتشافات الطبية، يكون معدل النجاح فيها أشد انخفاضًا.
تحتاج الحكومات إلى الابتكار الذي لا يمثل نقطة تحوُّل في نشاط ما فحسب، ولكن يقدم أيضًا حلولًا للمشكلات التي تمثل "تحديات كبرى" يواجهها العالم، ومثال ذلك: موارد الطاقة البديلة، والحد من التغير المناخي، والقضاء على الفقر، وتحسين الرعاية الصحية، والنهوض بالأمن. هناك برامج بحثية عديدة تعمل في هذه المجالات وغيرها، تدَّعي لنفسها الابتكار، وذلك من منطلق أنها تبحث عن أساليب جديدة، وتطبقها على مشكلات معينة. ويبدو أن هناك مَن يظنون أن البحث نفسه مُبتكر، بسبب انبثاق اكتشافات جديدة عنه، أو لأن البحث سيؤول حتمًا إلى نتائج مبتكرة، في حين أن الأمر ليس بهذه البساطة، فلا يوجد ثمة فهم عميق لعملية الابتكار، حيث إنها تتسم بكونها معقدة، ولم يتم تصويرها ـ أو صياغتها ـ بالشكل الأمثل، فلا توجد نظرية موحَّدة، أو نموذج يمكن الركون إليه عن الابتكار. وبعبارة أخرى .. لا يوجد ما يمكن أن يُسمَّى بعِلْم الابتكار.
إذَن، كيف يمكن أن ينشأ علم الابتكار؟ هناك عدة مجالات، يمكن للأبحاث أن تبدأ منها، حتى يمكنها صياغته، ومثال ذلك: دراسات براءات الاختراع، أو الأشخاص المبدعين، مثل الموسيقيين، والرسامين، حيث يمكن أن نستفيد من نتائج مثل هذه الدراسات؛ لتَصَوُّر نموذج لعملية الابتكار؛ ووضع مفاهيم لها، انطلاقًا من المفاهيم العامة للابتكار في مجالات الهندسة، والفنون، والعلوم، والمجالات الاجتماعية.
لا شك أن هذه المهمة معقدة وضخمة، ولكن يمكن البدء بالخطوة الأولى، من خلال البحث عن العوامل المشتركة، ووضع القواعد والملامح التي من شأنها أن تدعم الابتكار. كما أن النظر إلى التجارب السابقة سيساعدنا؛ فغالبًا ما يدَّعي الأشخاص والمؤسسات التعلم من الأخطاء، ولكنْ، كم منهم يحلل الفشل تحليلًا منظَّمًا؟ إنّ مكتبات براءات الاختراع تعج بوثائق لا تُستخدم أبدًا، وهناك برامج بحثية وتجارب إكلينيكية كثيرة لا تُكلَّل بالنجاح. ومن ثم، يمكن لتحليل هذا الفشل أن يساعد الآخرين على النجاح، ويمكنه أن يسهم في المساعدة على فَهْم ما الذي يحث على الابتكار.
لا يوجد ثمة فهم عميق لعملية الابتكار.
مِن أحد أساليب النظر إلى التجارب السابقة أيضًا: "تخيُّل الأفضل"، ويتبع ذلك النزول بهذا التخيل إلى أرض الواقع. تخيَّلْ ـ على سبيل المثال ـ قطعة أثاث مكتبي ذات أداء وظيفي شامل، بحيث إنها تستوفي كل احتياجات الموظف، كما أن لونها يتغير تبعًا لاختلاف الطقس، وتتكيف مع طول الشخص الذي يستخدمها، ووزنه. وهنا، تأتي الحدود التقنية، والتكاليف الباهظة، ورَدّ فعل السوق المتوقَّع، كي تنزل بنا هذه الأشياء مجتمعةً من هذا التخيل إلى شيء ملموس يمكن تسويقه، كأنْ يكون المنتَج كرسيًّا، يمكن تعديل ارتفاعه، ومكتبًا، يمكن تعديل وضعه على مستويين من الارتفاع، ويمكن إتاحتهما بألوان مختلفة. فطابعات الكمبيوتر تم ابتكارها بطريقة مشابِهة، عن طريق تضمين ودمج وظائف أخرى غير الطباعة نفسها.
يُعَدّ حجر الأساس لعلم الابتكار هو الربط بين الأفكار التي تبدو في ظاهرها غير مترابطة. إننا محاطون بكَمّ هائل من الاكتشافات، كلّ منها في مجال منفصل عن الآخر. ورغم ذلك.. فعمل روابط سريعة بين هذه المجالات ـ مثل الربط بين الأحياء، والتقنية ـ يمكن أن يصل بنا إلى أفكار أكبر، ويعيد توجيه البحث والتنمية نحو اتجاهات جديدة.
ينبغي على الباحثين في علم الابتكار تطوير نماذج للسوق، وللمنتجات؛ للتنبؤ بالنتائج الناجحة. ويمكن أن تقوم هذه النماذج على الحوسبة التطورية الناشئة، ويمكن تطويرها وإجازتها واختبارها باستخدام تيارات البيانات المتاحة، مثل اهتمامات المستهلكين وتفضيلاتهم. كما ينبغي على المؤسسات الخاصة أن تنشئ مبادرة عالمية على المدى الطويل، على أن تكون على مستوى مشابه لتلك التي أطلقها بيل جيتس ـ مؤسِّس شركة "مايكروسوفت" ـ وهي "تحالُف القفزة النوعية للطاقة". وفي الحقيقة، يمكن لهذا التحالف نفسه أن يستفيد بشدة من علم الابتكار.
بعبارات تجارية.. إذا قارَنَّا بين الاستثمار، والناتج؛ فقد تصل نسبة احتمال فشل عملية الابتكار إلى %99، وهو ما لا يمكن ـ ببساطة ـ لأي مؤسسة تجارية أن تتحمله. أما الصناعة الرائجة، فقد انتقلت إلى برامج "6 سيجما"، وغيرها، بحيث لا تكاد تتحمل أكثر من خطأ أو اثنين في المليون، ولكن يجب على الحكومات والعلماء أن يعطوا مزيدًا من الاهتمام لعملية الابتكار نفسها، بدلًا من مناقشة الأشكال المختلفة للابتكار.
-
Published online: