عاجل
المقالات

العملات بين التحول الرقمي والابتكار

يشهد عالمنا اليوم تحولا رقميا في جميع المجالات والأعمال، ساعد على ذلك توافر الابتكارات الإلكترونية والنوعية والتكنولوجيا الإبداعية، وأصبح هذا التحول الرقمي أحد مقومات النمو المستدام الشامل، ويعد مقياسا ضمن المقاييس التي تقاس بها جودة الحياة والتقدم والرقي بين الدول بشكل عام، ولذا أدرك كثير من الدول أهمية ذلك وما يحدثه هذا التحول الرقمي أو ما يسمى الرقمنة التكنولوجية من أثر كبير في جميع القطاعات بجميع أنواعها وتعدد أشكالها، سواء الاجتماعية منها أو الثقافية أو التعليمية أو الصناعية أو الطبية أو الدفاعية أو الاقتصادية وغيرها

 العملات بين التحول الرقمي والابتكار
اضغط للتكبير

ورسمت لذلك الأهداف وأعدت له كثيرا من الخطط والسياسات الاستراتيجية والتطويرية والمحفزات والمبادرات والبرامج، ووجهت كذلك له كثيرا من استثماراتها. وفي هذا المقال سأتطرق إلى أهمية دور الابتكار في التحول الرقمي، خاصة من الناحية الاقتصادية وأعني بذلك الاقتصاد الرقمي، وسيتم التركيز على تحول العملات سواء كان ذلك رقميا أو افتراضيا، وكون ذلك يعد جزءا من التحول الرقمي العام، وما الآثار المترتبة على ذلك سواء كانت تلك الآثار إيجابية أو سلبية.

العملات الافتراضية والرقمية هي عملات تعتمد على التقنيات والتكنولوجيا الرقمية، إلا أن هناك فرقا بين كل منهما قد يغيب عن البعض منا، فالعملات الرقمية، هي عملات رقمية تماما يتم إصدارها وإدارتها من قبل بعض البنوك المركزية أو الحكومات، وتعتمد على التشفير الرقمي لتأمين معاملاتها وتحويلاتها المالية وتسجيلها على دفاتر حسابات اللامركزية مثل البلوكتشين، ومنها على سبيل المثال الدولار الرقمي الذي يصدره البنك المركزي الأمريكي "الفيدرالي" والدولار الكندي الرقمي واليورو الرقمي واليوان الرقمي الصادر عن الحكومة الصينية. أما العملات الافتراضية فهي عملات غير رسمية وغير معترف بها من قبل الحكومات أو المؤسسات المالية الرسمية، فهي لا ترتبط بأي جهة رسمية مثل البنوك أو سلطة مركزية أو حكومية، وبالتالي فهي لا تخضع للرقابة، وهي عادة ما تستخدم في العالم الافتراضي، مثل الألعاب على الإنترنت، حيث يمكن استخدامها لشراء السلع الافتراضية والخدمات ويمكن استخدامها للتداول عبر الإنترنت مع الأفراد الذين يقبلونها كوسيلة للدفع.

وتستخدم العملات الرقمية في المعاملات الإلكترونية على الإنترنت، ويمكن استخدامها أيضا في المتاجر والمؤسسات التي تقبلها كوسيلة دفع، ومن أشهرها عملة بيتكوين، التي تم إطلاقها 2009، وتعد أول عملة رقمية أصدرت في ذلك الوقت، إلا أنه يوجد عديد من هذا النوع مثل الإيثيريم، وليتكوين، والريبل، والدوجكوين وغيرها، ويمكن استخدامها على نطاق واسع لإجراء عديد من المجالات مثل التداول والاستثمار والتجارة الإلكترونية وحتى الأعمال المصرفية لتشمل المعاملات المالية والتحويلات الدولية بسهولة وبتكلفة أقل من استخدام العملات النقدية التقليدية، إلا أنها تعد من الاستثمارات عالية المخاطر، للتقلب الشديد في قيمتها وزيادة نسبة احتمالية الاحتيال والتلاعب فيها عالية جدا، ولذا يجب على المستثمرين في هذا المجال البحث والدراسة والتحليل بدقة وعناية لها وضرورة الاطلاع الدائم على اللوائح والقوانين والتحديثات المستمرة المتعلقة بها في بلد الاستثمار، وذلك قبل الشروع في العملية الاستثمارية.

 

وكون موضوع التحول الرقمي أصبح موضع اهتمام كبير لدى كثير من الحكومات وكبار الشركات والمستثمرين، بما في ذلك العملات وتحولاتها الرقمية، لذا نجد أنه في مملكة الحزم والعزم، وفي ظل القيادة الرشيدة، وضعت لذلك أولويات واستراتيجيات وطنية وبرامج للتحول الرقمي تتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي انعكس ذلك على تقدمها إلى المركز الـ31 على مستوى العالم في مؤشر الأمم المتحدة لتطوير الحكومة الإلكترونية لعام 2022، وحققت كذلك ما نسبته 96 في المائة في معدلات نضج التنظيمات والتشريعات الرقمية الحكومية، وفي التقرير الصادر عن التنافسية والتقدم الرقمي الصادر عن المركز الأوروبي للتنافسية الرقمية أخيرا حصلت على المركز الثاني من بين دول مجموعة العشرين، كما تقدمت ثماني مراتب بين الدول الأكثر تنافسية على مستوى العالم، وفيما يخص العملات الرقمية السعودية فهناك دراسات من البنك السعودي المركزي "ساما"، قائمة وما زالت تحت التجارب، وأرى أن هذا المجال خصب للمبادرات الابتكارية الوطنية للباحثين والمهتمين في هذا المجال، التي بلا شك أن نجاحها سيكون له الأثر الكبير في استقرار وزيادة وازدهار ونمو الاستثمار الاقتصادي بشكل عام والمالي بشكل خاص

تواجه التعاملات المالية التقليدية الحالية في كثير من الدول عموما تحديات كبيرة من ناحية السرعة والكفاءة والأمان، ولا شك أن التوجه نحو الابتكارات المتعلقة بالتكنولوجيا المالية "التقنيات المالية" التي توفر حلولا رقمية مبتكرة لتلك التحديات، أصبح ضرورة لكي يساعد على تسهيل وتقليل التكاليف وزيادة الثقة والأمان، فعلى سبيل المثال، هناك عدد من التقنيات والابتكارات التكنولوجية مثل تقنية التعرف على الوجه وتقنية التحقق الثنائي العام وتقنية One-time Password وتقنية التحقق الفوري من هوية المستخدمين والتحكم في الوصول إلى الحسابات وزيادة أمانها، وتقنية السلسلة الكتلية لتتبع العمليات المالية بشكل فاعل وآمن، ومع التحول الرقمي الكبير الذي نشهده في واقعنا الحالي، تغير كثير من الطرق التي نتعامل بها في عديد من أمورنا الحياتية بمختلف أشكالها وأنواعها بما في ذلك ظهور العملات بأشكال تقنية مختلفة، وتحدثت في المقال السابق عن ذلك من خلال تعريف كل من العملات الرقمية والافتراضية والفرق بينهما، واستخداماتها وأنواعها، وكيف أنه مع هذا التحول الرقمي، بدأت هذه العملات في الظهور حيث تحظى بكثير من الاهتمام، وفي هذا المقال سأستكمل الحديث عن مزايا وعيوب هذه العملات الرقمية والدور الذي تلعبه التقنيات التكنولوجية والابتكارات النوعية في ذلك، وآثارها الاقتصادية عموما.

تعد العملات الرقمية جزءا مهما من التحول الرقمي والابتكار الذي نشاهده في عالمنا اليوم وفي مختلف القطاعات والمجالات، وتزداد أهمية هذه العملات في العالم الرقمي، خاصة مع تطور التكنولوجيا وتحول الاقتصاد العالمي إلى ما يعرف بـ"الاقتصاد الرقمي"، وفي الأعوام الأخيرة، بدأ العالم يشهد ظهور عديد من هذه العملات الرقمية وبأشكال جديدة وبأنواع مختلفة ذكرت بعضها سابقا، وأصبحت لهذه العملات الرقمية مزايا واضحة من خلال التعاملات المالية، حيث تسمح بإجراء عديد من العمليات المالية والتجارية بسرعة وأمان عبر الشبكات العنكبوتية "الإنترنت"، ودون الحاجة إلى وسطاء ماليين مثل البنوك أو الشركات الائتمانية، وذلك يعد في حد ذاته ابتكارا مهما في عالم الأعمال والتجارة الإلكترونية، حيث تلعب الابتكارات وبشكل كبير ومستمر في تحسينها وتطويرها، ومن بين هذه الابتكارات والتقنيات، التي تستخدمها هذه العملات الرقمية مثل الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي وتقنية بلوكتشين، التي تمكن المستخدمين أفرادا وشركات من إجراء تعاملاتهم المالية بشكل أسرع وأكثر كفاءة وشفافية وأمان، وتزيد من خصوصيتها وبتكاليف أقل من الطرق التقليدية المتعارف عليها، وذلك كله يجعل منها جذابة في جميع أنحاء العالم.

ومع تزايد استخدام العملات الرقمية، يتزايد الحديث عن الابتكار والتحول الرقمي في المجتمعات خاصة الاقتصادية منها، حيث تعد تلك العملات مثالا حيا على قدرة التكنولوجيا على تحويل الأساليب التقليدية في المجال المالي والتجاري، حيث بدأت بعض الدول في السماح وبشكل واسع باستخدام هذه العملات الرقمية، وقد أجريت مسحا مختصرا ووجدت أن هناك عديدا من الأمثلة على ذلك، مثل اليابان التي تعد واحدة من أوائل الدول التي سمحت بشكل قانوني باستخدام العملات الرقمية 2017، وكذلك في الولايات المتحدة التي تعد من الدول الرائدة في ذلك ويمكنك استخدامها للدفع عن طريق الإنترنت وفي بعض المتاجر، وفي سويسرا تعمل الحكومة على إنشاء بيئة وسياسة تنظيمية مناسبة للتعامل مع مثل هذه العملات، ففي 2019، قام البنك المركزي السويسري بتطوير نظام للعملات الرقمية الخاصة به، التي يمكن استخدامها للتداول والتحويلات المالية، والحال نفسه في سنغافورة، حيث أطلقت "السلطة النقدية السنغافورية" مشروعا لاستخدام العملات الرقمية الخاصة بها، الذي يهدف إلى تسهيل عمليات التحويلات المالية وتحسين كفاءة النظام المصرفي هناك، كما أن هناك تجمعا لبعض دول شرق آسيا "ماليزيا، سنغافورة، تايلاند، إندونيسيا وغيرها" لعمل عملة رقمية موحدة تسهم في تسريع التعاملات بين تلك الدول، وكذلك الحال في بعض دول أمريكا الجنوبية، وفي زيارتي الأخيرة إلى أستراليا وجدت بأنه تم السماح باستخدامها، لكن بشكل محدود، حيث ما زال تنظيمها قائما من قبل هيئة الرقابة المالية الأسترالية، وفي الإمارات تم السماح أيضا باستخدام هذه العملات الرقمية والمدعومة بتقنيات البلوكتشين والحكومة تعمل على إطلاق عدد من العملات الرقمية الخاصة بها، وهناك عديد من الدول الأخرى التي سمحت بشكل محدود باستخدام العملات الرقمية مثل كندا والمملكة المتحدة، حيث تحتاج العملات الرقمية إلى ترخيص من قبل هيئات الرقابة المالية في تلك الدول، ومن المتوقع أن يزداد استخدامها في المستقبل مع زيادة التطور التقني والتنظيمي.

وفي الوقت الذي نلمس ونشاهد فيه الابتكارات النوعية والتقنيات التكنولوجية المتطورة وبشكل لم يسبق لها مثيل، نجد أن في مملكتنا الحبيبة وفي ظل القيادة التي أولت التحول الرقمي الاهتمام الكبير وأنشأت لذلك الهيئات والمراكز البحثية وغيرها، ومنحت تراخيص لبنوك رقمية مثل بنك إس.تي.سي الرقمي والبنك السعودي الرقمي، وكما ذكرت سابقا أن العملات الرقمية أضحت جزءا مهما من التحول الرقمي والابتكار، وتعتمد في ذلك على التكنولوجيا المتطورة، وستسهم في إنشاء اقتصادات رقمية مستدامة، ولكون البنك المركزي السعودي الجهة الرئيسة التي تشرف على صدور النقود والعملات الرسمية، أرى أن يتم تكثيف الدراسات والتجارب في هذا المجال من خلال الاستفادة من الخبرات المحلية والدولية وعقد الشراكات العالمية، وتكثيف البحث والتطوير والابتكار من خلال مركز الابتكار لديهم، حيث يتم ربطه مع الجهات ذات العلاقة من جامعات وهيئات ومراكز بحثية وربطه كذلك مع بنوك محلية ودولية وذلك من خلال ما يعرف بمراكز الابتكار، لاحتضان الأفكار والمشاريع الريادية الرقمية في هذا المجال، والعمل على تطويرها والخروج بمنصات ومراكز موحدة توفر قاعدة متينة تسهم في تطوير آلية التعامل مع العملات الرقمية عموما، وبالتالي يتم التناغم مع مسارات العالم الخارجي في الابتكار والخروج بعملات رقمية سعودية بشكل خاص، وخليجية مستقبلا، ويتم تحقيق مكانة ريادية وأثر إيجابي لاقتصادنا الوطني.

طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك