المقالات
ثورة الذكاء الاصطناعي التوليدي
نشاهد في واقعنا اليوم أعدادا كثيرة من الابتكارات النوعية التقنية، التي شملت أغلب مناشط وجوانب حياتنا، وعديد منها أصبح من مكامن القوة لمجتمعاتها التي ابتكرتها وأنتجتها واستفادت منها في كثير من المجالات سواء الاقتصادية أو الدفاعية وغيرها، ومن هذه الابتكارات، الرقمية منها، التي أصبحت تشكل ثورة حقيقية ذات أبعاد وآفاق كبرى، وآثارها لم تعد فقط في مستوى مبتكريها أو مجتمعاتهم،
أ.د. محمد العسيري
الاقتصادية
الثلاثاء,25 أبريل 2023 - 01:11 م
مشاهدات: 137
تحدثت في المقال السابق عن الواقع الجديد في ظل الابتكارات النوعية والتقنيات المتجددة، خاصة الرقمية منها، لاستخدامات الذكاء الاصطناعي، وتم استعراض بعض الأمثلة لذلك، وذكرت نموذج "جي بي تي" الذي يعتمد على استخدام تقنيات التعلم العميق، وذكرت أن هناك كثيرا من المخاطر والتحديات تواجه الذكاء الاصطناعي التوليدي عموما، وأن هناك جهودا كبيرة من العلماء والباحثين والمطورين يعملون على تحديث وتحسين مثل هذه النماذج بصفة دورية ومستمرة، ما يشير إلى ثورة مقبلة لا محالة في هذا الجانب، وأننا بحاجة إلى الاستعداد لذلك، بتوحيد وتكثيف الجهود بخطط استراتيجية والبدء ببناء مراكز قواعد بيانات ضخمة وربطها بشبكة متكاملة، موثوقة المصادر، وتكون كمنصة وطنية متكاملة، وفي هذا المقال سنأخذ بعض الأمثلة التوضيحية لكيفية الاستفادة من ذلك والعوائد الإيجابية لها، على جميع النواحي سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو غيرها.
بل على مستوى العالم أجمع. وتحدثت في مقال سابق، عن هذه الابتكارات بعنوان، "الابتكار تقنيات إلكترونية رقمية مطورة"، وبشكل عام تحدثت عن عدد من أنواع هذه التقنيات الرقمية، وذكرت منها تلك التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي بشكل كبير، وتحدثت أن المستقبل التقني القريب، خاصة الرقمي، وفي ظل الابتكارات، يعدنا بكثير من المفاجآت، وأصبحنا بالفعل نسمع بما يسمى الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو محور حديثنا اليوم، ليشمل ماذا نعني به مع استعراض بعض الأمثلة له وذكر بعض الآثار المترتبة من استخداماته سواء كانت هذه الآثار إيجابية أو سلبية.
بشكل مبسط جدا، الذكاء الاصطناعي التوليدي هو مفهوم يشير إلى النماذج اللغوية الضخمة التي تم تطويرها باستخدام تقنيات التعلم العميق لتوليد النصوص بشكل آلي، يتم تدريب هذه النماذج على مجموعة كبيرة من النصوص الواردة في مختلف المجالات واللغات، ويتم استخدامها لتوليد نصوص جديدة تشبه إلى حد كبير النصوص الأصلية، وتستخدم في مجالات مختلفة مثل الترجمة الآلية، وإنتاج النصوص وخدمات الدردشة الحية، وإنشاء محتوى الوسائط الاجتماعية، وكثير من المجالات الأخرى،
ومن أنواع هذه النماذج هو لـ GPT، وهو عبارة عن نموذج ذكاء اصطناعي يستخدم تقنية تعلم الآلة بشكل ضخم جدا، لإنتاج نصوص جديدة، تم تطويره وإعلانه في 2018، بوساطة الشركة الأمريكية "أوبن أيه آي"، تحدثت عن ذلك بشيء من التفصيل سابقا، حيث يعد واحدا من أهم الابتكارات في مجال تعلم الآلة في الوقت الحاضر، حيث يمتلك القدرة على إنشاء نصوص جديدة بطريقة شبه طبيعية، ويتميز بقدرته على فهم النصوص بشكل أفضل ويتم استخدامه في عديد من التطبيقات، بما في ذلك التحليل اللغوي للنصوص والترجمة الآلية وتوليد النصوص والإجابة عن الأسئلة وتحسين خدمات الدعم الذاتي في عديد من المجالات الأخرى، بما في ذلك التعليم والطب والترجمة والأعمال المالية، وفي عديد من المجالات الأخرى التي تحتاج إلى تفاعل بشري متقدم، حيث يمكنه إنتاج نصوص بلغات متعددة وتحليل البيانات اللغوية المعقدة، وفي مساعدة الصوت وتحليل البيانات الضخمة والمحادثات الروبوتية، ويعمل العلماء والباحثون والمطورون من مهندسين في هذا المجال على تحديث وتحسين مثل هذه النماذج بصفة دورية ومستمرة.
هناك عديد من الابتكارات التي تم تحقيقها باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، ومن أبرزها، تطوير نماذج لخدمات الدردشة الحية، التي تتيح للمستخدمين التفاعل مع الروبوتات الذكية بشكل طبيعي وفاعل، وإنشاء محتوى الوسائط الاجتماعية، حيث يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنتاج المحتوى الذي يتم نشره على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل الصور والفيديوهات والرسائل الترويجية، كما يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لتطوير برامج التعليم الإلكتروني، التي توفر تجربة تعليمية أكثر فاعلية ومرونة، تلك الابتكارات هي بعض الأمثلة المميزة لاستخدامات الذكاء الاصطناعي التوليدي، ويمكن أن يكون هناك كثير من التطبيقات الجديدة والمبتكرة في المستقبل.
إلا أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يواجه بعض التحديات والمخاطر من نواح عديدة، سواء كانت أخلاقية مجتمعية، حيث يمكن أن يتم استخدامه في إنتاج المحتوى الضار أو المضلل، أو مشكلات في الإنتاجية والجودة في حالة عدم تدريبه بشكل جيد على مجموعات البيانات المناسبة، أو أمنية من ناحية الاختراقات أو تسريب المعلومات السرية والبيانات وغيرها، الأمر الذي يحتاج إلى قواعد ومعايير وأنظمة تنظيمية وأخلاقيات، لذلك كما أشار إليه كثير من الباحثين والمطورين، وكذلك الشركاء المساهمون بإنتاج مثل هذه النماذج الابتكارية.
قبل نحو عشرة أعوام وفي زيارة سابقة لي إلى كوريا الجنوبية والصين، كان لديهما نماذج مشابهة لمثل هذه النماذج من الذكاء الاصطناعي، وتستخدم كوسيلة للتواصل الاجتماعي وكوسيلة للشراء والدفع مثل وي شات وهي مرتبطة بالحساب البنكي، إلا أنها آمنة بشكل كبير، حيث تتم جميع العمليات هناك من خلال شبكات الاتصالات المحلية، وتتبع الأنظمة والقواعد التنظيمية هناك، وأرى أن الاستفادة من مثل هذه النماذج للذكاء الاصطناعي أصبحت ضرورة، وسيسهم الاستثمار فيه، في تنويع الاقتصاد الوطني وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، خاصة أن هذا القطاع في السعودية يحظى بالاهتمام الكبير في ظل قيادتها، التي تحرص دوما على كل ما فيه رفعة لهذا الوطن والوصول بجودة الحياة فيه إلى أعلى مستوياتها، كما يجب ولتلافي المخاطر والتحديات التي ظهرت في مثل هذه الابتكارات الخاصة بالذكاء الاصطناعي التوليدي، أن نبدأ ببناء مراكز بيانات ضخمة خاصة بكل قطاع ومجال لاحتواء المعلومات الصحيحة والدقيقة والمحلية، وربطها ببعض كشبكة معلوماتية متكاملة للرجوع إليها عند الحاجة، على سبيل المثال في التعليم، وفي الأبحاث والصناعات التقليدية أو الدفاعية وغيرها، وهي الفكرة نفسها التي طرحتها سابقا بأهمية وجود منصة وطنية موحدة للابتكارات النوعية
يتطلب نجاح الذكاء الاصطناعي التوليدي عدة أمور، منها: توافر مجموعة كبيرة ضخمة ومتنوعة من قواعد البيانات، الأمر الذي يتطلب أن يتم جمعها بشكل صحيح ودقيق ومنظم، وعدة تقنيات ابتكارية متقدمة ومهمة، يتطلب توافرها حسب طبيعة المحتوى المراد إنتاجه من استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، من تلك التقنيات على سبيل المثال، تقنيات الشبكات العصبية الاصطناعية، وهي عبارة عن نماذج حاسوبية تعتمد على محاكاة تفاعلية، تشابه العملية الحيوية للدماغ البشري، حيث يتم تدريب هذه النماذج على البيانات الضخمة المتاحة لتوليد المحتوى المطلوب، وهناك كذلك تقنيات التعلم العميق، وهي تمثل التقنيات المعينة والمسؤولة عن تدريب الشبكات العصبية الاصطناعية بشكل أكثر تعقيدا وعمقا، وهي تتميز بالقدرة على التعلم التلقائي والتحسين الذاتي، كما تعد التقنيات التي تمكن الحاسوب من فهم اللغة البشرية والتواصل وتسمى تقنيات اللغة الطبيعية، وهي تعد من التقنيات الأساسية، ومن التقنيات أيضا، تقنيات التصور الحاسوبي، وهي التي تسمح للحاسوب بتحليل الصور والفيديوهات وإنتاج المحتوى الجديد المطلوب إنتاجه، كما أن أنواع هذه التقنيات المطلوبة تعتمد على هدف المحتوى المراد تحقيقه من الذكاء الاصطناعي التوليدي، فمثلا نحتاج إلى تقنيات الروبوتات مثل تلك الأجزاء الميكانيكية في المصانع التي تساعد على تصنيع وإنتاج السيارات أو الأثاث أو الملابس، على سبيل المثال، "وهو ما أعني بالمحتوى"، وهناك تقنيات ابتكارية متنوعة وعديدة أخرى، يتطلب توافرها حسب طبيعة المحتوى المراد إنتاجه.
ففي المجال التعليمي، بدأ الذكاء الاصطناعي التوليدي استخدام تقنية GPT بشكل واسع، حيث يساعد استخدامها على تطوير الأنظمة التعليمية الذاتية ومساعدة الطلاب والمعلمين في عديد من المجالات، مثل توليد النصوص التعليمية والمحاضرات والتمارين الدراسية والتعليمات والإرشادات والاختبارات أيضا، بناء على الاحتياجات والمتطلبات الفردية للطلاب، كما يمكن أن تستخدم في تطوير نظام التقييم الأدائي للطلاب، حيث يمكن للطلاب تقديم إجاباتهم وتحليلها بشكل تلقائي وتحديد المجالات التي يحتاجون إلى التحسين والتركيز فيها، كما يمكن أيضا استخدام هذه التقنية في تحليل البيانات الكبيرة المتعلقة بالتعليم والتنبؤ بسلوك الطلاب وتوفير خطط تعليمية مخصصة، وفاعلة لكل طالب، وبالتالي يمكن عدها عموما، إحدى الأدوات المهمة في تحسين جودة التعليم.
كما يمكن استخدامها في المجال العسكري والدفاعي، سواء كان بشكل مباشر أو غير مباشر، حيث يمكن أن تستخدم في تطوير وتحليل المعلومات الاستخباراتية والتنبؤ بالتهديدات الأمنية، وبالتغيرات المستقبلية في الظروف الجوية والبيئية والاجتماعية التي قد تؤثر في العمليات العسكرية، وتحديد الخطط الاستراتيجية والتكتيكية بشكل أكثر فاعلية، كما يمكن أن تستخدم في تطوير أنظمة التعلم الآلي المستخدمة في الروبوتات والأنظمة الذكية للتحكم في الأسلحة والمركبات الدفاعية، وفي تدريب القوات على المهارات العسكرية والتكتيكية المختلفة، وذلك من خلال إنشاء نماذج تفاعلية يمكن للجنود التفاعل معها وتحسين مهاراتهم بشكل كبير، وفي تحسين وتطوير التقنيات العسكرية، من خلال المساعدة على تصميم الأسلحة والمركبات العسكرية وتحسين الأنظمة اللوجستية، إضافة إلى إمكانية استخدامها أيضا في تحسين الأمن السيبراني للقوات الدفاعية، من خلال تطوير أنظمة تعتمد على التعلم الآلي للكشف عن الهجمات السيبرانية وحماية الشبكات من التهديدات الأمنية المحتملة.
والأمثلة كثيرة على إمكانية استخدامات هذه التقنية، في عديد من المجالات الأكاديمية والصناعية والتجارية و الطبية وفي الإعلام والترفيه وغيرها، وأصبحت تشكل ثورة تقنية ابتكارية متجددة بالفعل، حيث بدأ كثير من الدول الكبرى استخدامها وتطبيقها، مثل: الولايات المتحدة والصين واليابان وكوريا والمملكة المتحدة وغيرها.
والسعودية تعد من الدول الرائدة في التحول الرقمي في المنطقة، حيث إن من مستهدفات رؤية 2030، تحقيق التنمية المستدامة وتحويل الاقتصاد السعودي إلى اقتصاد رقمي متطور، ويشمل ذلك استخدام التكنولوجيا والتقنيات الحديثة في جميع المجالات، بما في ذلك التعليم والصحة والنقل والإعلام والأعمال، وأطلق عديد من البرامج والمبادرات التي تهدف إلى جذب الاستثمارات ودعم البحث والتطوير والابتكار، وشاهدنا عديدا من التطبيقات الحكومية الإلكترونية المتنوعة، وهناك خطوات طموحة نحو الريادة الرقمية عالميا، وأرى أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي التوليدي، عن طريق وضع الخطط الاستراتيجية نحو بناء قواعد بيانات ومعلومات دقيقة وطنية لكل قطاع في مجاله، لتطبيقات وتقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، خصوصا أنه تم أخيرا إعلان المنطقة الخاصة للحوسبة السحابية والمعلوماتية، ما يسهل عملية هذا البناء، وتوجيه المراكز والهيئات التطويرية والبحثية للاستفادة من خوض هذه التجربة وإنشاء الشركات المتخصصة، ودعم الشركات الناشئة وعمل الشراكات الدولية مع الشركات العالمية ذات الخبرة في هذا المجال من خلال صندوق الاستثمارات العامة، سيدعم وبشكل كبير مسيرة هذا البلد نحو الريادة والتنافسية والتنمية المستدامة.