المقالات
تطوير التكنولوجيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي
لطالما تصور كتاب القصص الخيالية سيناريوهات، حيث يخضع كل نشاط بشري للمراقبة من قبل سلطة مركزية خبيثة. لكن الآن، وعلى الرغم من كل تحذيراتهم، إلا أننا نجد أنفسنا ننطلق بسرعة متهورة نحو مستقبل بائس يستحق وصف جورج أورويل، في كتابه بعنوان "1984". الواقع أن المهمة المتمثلة في تقييم الكيفية التي نحمي بها حقوقنا -كمستهلكين، وعمال، ومواطنين- لم تكن في أي وقت مضى أكثر إلحاحا مما أصبحت عليه الآن.
سيمون جونسون / دارون عاصم / سيلفيا بارماك
الاقتصادية
الثلاثاء,20 يونيو 2023 - 06:23 ص
مشاهدات: 154
يتمثل أحد الاقتراحات المعقولة في الحد من براءات اختراع تكنولوجيات المراقبة لتثبيط تطويرها والإفراط في استخدامها. بافتراض ثبات كل العوامل الأخرى، قد يتسبب هذا في الدفع بعمليات تطوير التكنولوجيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بعيدا عن تطبيقات المراقبة، على الأقل في الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات المتقدمة، حيث تشكل سبل حماية براءات الاختراع أهمية كبيرة، وحيث سيكون أصحاب رؤوس الأموال المغامرة محجمين عن دعم الشركات التي تفتقر إلى حقوق الملكية الفكرية القوية. لكن حتى في حال تبني مثل هذه التدابير المعقولة، فسيظل العالم منقسما بين البلدان التي تفرض ضمانات فعالة بشأن المراقبة، وتلك التي لا تفرض مثل هذه الضمانات. لهذا، نحن في احتياج إلى النظر في الأساس الشرعي الذي تقوم عليه التجارة بين هذه الكتل الناشئة.
على مدار الشهور الـ18 الأخيرة سجلت قدرات الذكاء الاصطناعي قفزة كبيرة إلى الأمام، ومن غير المرجح أن تتباطأ وتيرة التطور. كان الإصدار العام لروبوت المحادثة ChatGPT في تشرين الثاني (نوفمبر) 2022 طـلقة الذكاء الاصطناعي التوليدي التي دوت في مختلف أرجاء العالم. لكن الزيادة السريعة بالمستوى ذاته في قدرات المراقبة التي تمتلكها الحكومات والشركات لم تكن أقل أهمية. ولأن الذكاء الاصطناعي التوليدي يتقن عمليات مضاهاة الأنماط، فقد جعل التعرف على الوجوه عملية دقيقة بدرجة مذهلة "وإن كان ذلك لا يخلو من بعض العيوب الكبرى". ومن الممكن استخدام النهج العام ذاته للتمييز بين السلوك "الطيب" والسلوك المريب، الذي يستند ببساطة إلى الكيفية التي يتحرك بها الناس أو ينسجمون مع محيطهم.
تقودنا مثل هذه المراقبة من الناحية الفنية إلى "إنتاجية أعلى"، بمعنى أنها تزيد من قدرة أي سلطة على إجبار الناس على القيام بما يفترض أن يقوموا به. إذا طبقنا هذا على شركة، فإنه يعني أداء الوظائف على المستوى الذي تعده الإدارة أعلى مستويات الإنتاجية. وفي حالة الحكومة، يعني فرض القانون أو ضمان الامتثال لمن هم على رأس السلطة.
من المؤسف أن ألف عام من الخبرة أثبتت أن زيادة الإنتاجية لا تؤدي بالضرورة إلى تحسين الرخاء المشترك. اليوم، تسمح عمليات المراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي للمديرين المستبدين والقادة السياسيين الفاشيين بفرض قواعدهم بشكل أكثر فاعلية. لكن رغم أن الإنتاجية قد تزداد، فإن أغلب الناس لن يستفيدوا من هذا.
هذه ليست مجرد تكهنات. ذلك أن الشركات تستخدم بالفعل أساليب المراقبة المعززة بالذكاء الاصطناعي لمراقبة كل خطوة يقوم بها موظفوها. على سبيل المثال، تشترط شركة أمازون على عمال التوصيل استخدام تطبيق Mentor الذي يسجل قيادتهم، باسم السلامة كما يفترض. ويزعم بعض السائقين أن تتبعهم يظل مستمرا حتى عندما لا يعملون.
في عموم الأمر، تشير تقديرات الشركة الاستشارية جارتنر، إلى أن حصة كبار أصحاب الأعمال الذين يستخدمون الأدوات الرقمية لتتبع أعمالهم تضاعفت منذ اندلعت جائحة كوفيد - 19، لتصل إلى 60 في المائة، ومن المتوقع أن تبلغ 70 في المائة في غضون الأعوام الثلاثة المقبلة. ورغم أن الأدلة المتاحة تشير إلى أن زيادة المراقبة ترتبط بتدني مستويات الرضا الوظيفي، فإن عددا كبيرا من أرباب العمل الذين يوافقون على أن مراقبة موظفيهم تثير "مخاوف أخلاقية" لم يتوقفوا عن مراقبتهم
صحيح أن تكنولوجيا المراقبة ليست معادية للبشر بطبيعتها. بل إنها على العكس من ذلك، قد تعمل على تحسين شروط السلامة "مثلما يحدث عند المراقبة بحثا عن حالات إطلاق النار" أو شروط الراحة. لكن يتعين علينا أن نعمل على إيجاد التوازن الصحيح بين هذه الفوائد والخصوصية، ويجب أن نبذل قصارى جهدنا لضمان عدم تحيز تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي "على سبيل المثال، على أساس لون البشرة أو الجنس".
يتطلب التصدي لهذه القضايا فرض معايير دولية جديدة وتعزيز التعاون. يجب الإفصاح عن أي تطبيقات تستخدم الذكاء الاصطناعي لتتبع العمال أو معاقبتهم، بشفافية كاملة، فيما يتصل بكيفية تقديم التوصيات. فإذا فصلت من عملك لأن تطبيق الذكاء الاصطناعي عد أن سلوكك مريب، يجب أن يكون بوسعك أن تطعن في مثل هذا القرار. مع ذلك، لأن عديدا من أنظمة الذكاء الاصطناعي الجديدة أشبه بصندوق أسود لا يفهم محتواه حتى مطوروه، فإنها تحد تلقائيا من نطاق الإجراءات الواجبة.
حتى في دولة مستقطبة مثل الولايات المتحدة، من المرجح أن يتحد الناس لمصلحة تقييد عمليات المراقبة. فالجميع من اليسار إلى اليمين يتشاركون في قلق أساسي بشأن الخضوع لمراقبة متواصلة، حتى إن اختلفت مخاوف كل منهم. يصدق ذات القول على كل الديمقراطيات في العالم.
بيد أن الصين من غير المرجح أن تتعاون مع الجهود المبذولة لكبح جماح الاستخدام غير المقيد لأدوات المراقبة. فهي لم تكتف بزيادة المراقبة الداخلية منهجيا لقمع المعارضة ومراقبة السلوك الاجتماعي بدرجة غير مسبوقة، بل تقوم أيضا بتصدير تكنولوجيات المراقبة إلى آخرين. لقد أصبحت تكنولوجيا القهر أرخص في كل مكان وفي الوقت ذاته.
في هذا العالم المتشعب، ربما يعمل أحد المعسكرات على تطوير معايير قوية تحكم متى وكيف يمكن استخدام المراقبة. سيظل الموضوع مثيرا للجدال، لكن التكنولوجيا ستكون إلى حد كبير تحت السيطرة الديمقراطية. في معسكر آخر، سيستخدم القادة المستبدون المراقبة المكثفة للإبقاء على شعوبهم تحت السيطرة. وستنتشر الكاميرات في كل مكان، ما يسهل القدر الذي يراه النظام مناسبا من القمع.
يلوح في الأفق اختيار اقتصادي كبير لديمقراطيات العالـم. هل ينبغي لنا أن نستمر في شراء السلع من الدول حيث يخضع العمال لتكنولوجيات المراقبة التي ما كنا لنشجعها في دولنا؟ هذا لا بد أن يفضي إلى تزايد عمليات المراقبة والقمع من قبل الأنظمة التي تسعى على نحو متزايد إلى تقويض ديمقراطياتنا. من الأفضل كثيرا، لتحقيق هدف الرخاء المشترك، أن ندعو إلى تحجيم تكنولوجيا المراقبة، على سبيل المثال، من خلال اشتراط الامتناع عن قبول إدخال المنتجات غير الممتثلة بشكل كامل لضمانات المراقبة إلى أسواقنا.
في تسعينيات القرن الـ20، وأوائل العقد الأول من القرن الـ21، منحت الولايات المتحدة وأوروبا الصين قدرة أكبر كثيرا على الوصول إلى أسواقهما على افتراض أن الصادرات من الدول حيث الأجور منخفضة ستعود بالفائدة على المستهلكين المحليين، وتسهم في التحول الديمقراطي عند المصدر. بدلا من ذلك، أصبحت الصين أكثر استبدادا، وعمل النمو المدعوم بالصادرات على تعزيز قوة نظامها الحاكم.
ينبغي لنا أن نكف عن الارتكان إلى أي أوهام حول العواقب المترتبة على السماح للدول التي تفرض سيطرة محكمة على عمالها بالوصول غير المقيد إلى الأسواق. هل تـسـتـخـدم تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي لمساعدة العمال، أو تجريدهم من كرامتهم؟ لا يجوز للسياسات التي ننتهجها في التعامل مع التجارة وبراءات الاختراع أن تتعامى عن مثل هذه التساؤلات.