المقالات
تزايد التهديدات للتجارة العالمية والحمائية
الحمائية قد تجعل العالم أقل صلابة وأكثر افتقارا للمساواة وأكثر عرضة للدخول في دائرة الصراعات فمنذ أربعة أعوام، كتب أحدنا مقالا عن مستقبل التجارة للنشر في عدد حزيران (يونيو) 2019 من مجلة "التمويل والتنمية"، احتفاء بالذكرى السنوية الـ75 لمؤتمر بريتون وودز. وكان مؤدى الرسالة أنه لا توجد أدلة قوية على التراجع عن العولمة، لكن التجارة الدولية والنظام متعدد الأطراف الذي ترتكز عليه كانا يتعرضان للهجوم، وقد يتوقف مستقبلهما على اختيارات السياسات. ومنذ ذلك الوقت، اختار صناع السياسات في بعض أكبر الاقتصادات وقف أي إجراءات جديدة للتكامل الدولي، وفي عدة حالات اعتماد السياسات الحمائية أو القومية.
بينيلوبي جولدبيرج / تريستان ريد
الاقتصادية
السبت,15 يوليو 2023 - 06:33 ص
مشاهدات: 137
واليوم، لا توجد إلى الآن أدلة دامغة على تراجع التجارة الدولية عن مسار العولمة. فقد تباطأ نمو التجارة العالمية، مقيسا بالدولار، في أعقاب الأزمة المالية العالمية في الفترة من 2008 - 2009، وسجل تراجعا حادا مع بداية تفشي الجائحة في 2020. لكن منذ ذلك الوقت ارتفعت قيمة التجارة إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق. وانخفضت أخيرا قيمة التجارة العالمية قليلا، كنسبة من إجمالي الناتج العالمي، مدفوعة في الأغلب من الصين -التي ظلت لأعوام طويلة تنتهج استراتيجية "التدوير المزدوج" المتمثلة في إعطاء الأولوية للاستهلاك المحلي مع البقاء منفتحة أمام التجارة والاستثمار الدوليين- ومن الهند، ويرجع ذلك إلى نهاية فترة رواج الصادرات الاستثنائية التي شهدها البلدان على حد سواء خلال العقود السابقة، إلى جانب انخفاض حجم الواردات من السلع الوسيطة مقارنة بما سبق. ومع ذلك، لا تزال واردات السلع الوسيطة، كنسبة من إجمالي الناتج المحلي، مستمرة في النمو في بقية أنحاء العالم ويصدق ذلك على الصادرات.
ولم تتسبب التعريفات الجمركية التي استحدثتها الولايات المتحدة والصين في 2018 في خفض معدلات التجارة، بل تسببت في كبح التجارة بين الولايات المتحدة والصين، كما كان متوقعا. لكن التجارة في المنتجات الأشد تأثرا بالتعريفات الجمركية ازدادت بين بقية أنحاء العالم. بعبارة أخرى، لم يطرأ على التجارة أي انخفاض، وإنما أعيد توزيعها فحسب. ولم تمنع حرب التعريفات الجمركية دولا أخرى -مثل الدول الأعضاء في "الاتحاد الإفريقي" و"رابطة أمم جنوب شرق آسيا" و"اتفاق الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ"- من السعي لتطبيق اتفاقات تجارية إقليمية أو محدودة الأطراف.
وأدت جائحة كوفيد - 19 إلى قيام دول عديدة بفرض قيود مؤقتة على صادرات الدواء، وأوقف بعضها شحنات القمح وغيره من المواد الغذائية، في ظل الارتفاع الحاد في الأسعار في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية. لكن هناك حكومات كثيرة لا تزال تسعى حثيثا لتحقيق التكامل الاقتصادي فيما بينها، على سبيل المثال، من خلال الصفقات التي تيسر على أصحاب المهن المتخصصة العمل في الدول الأجنبية، أو التي تسهل تدفق السلع الاستهلاكية عن طريق معايير أمان مشتركة.
ولا شك أن التجارة قد تستجيب مع فترة تأخير إلى التغيرات في بيئة السياسات. والسياسات بحد ذاتها قد لا تواكب التغيرات في المزاج العام. فقد تكرر ظهور مصطلحات مثل "الأمن القومي" و"إعادة توطين النشاط" على نحو أكثر تواترا في المقالات الإخبارية والدراسات البحثية. وربما كان من أبرزها استطلاعات الرأي الأخيرة التي أجراها اقتصاديون من كلية بوث لإدارة الأعمال في جامعة شيكاغو. ففي استطلاع آذار (مارس) 2018، بلغت نسبة المجيبين المعارضين للتعريفات الجمركية الأمريكية المبدئية 100 في المائة. غير أنه في استطلاع كانون الثاني (يناير) 2022، كان المجيبون متشككين بشأن سلاسل الإمدادات العالمية: فلم يكن هناك سوى اثنين من مجموع 44 اقتصاديا لم يوافقا الرأي بأن الاعتماد على مدخلات الإنتاج الأجنبية جعل الصناعات الأمريكية عرضة للاضطرابات
طرأ تغير واضح أخيرا على السياسات والاتجاهات العامة إزاء التجارة العالمية. لكن كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟ وما الدور الذي أسهمت فيه العوامل المختلفة؟ وما التطورات المحتملة بعد ذلك؟
بشأن العولمة المفرطة اقترنت فترة "العولمة المفرطة"، التي تشكلت خلال التسعينيات وما بعدها بإنجازات اقتصادية هائلة. فقد انخفض الفقر المدقع، حسب تعريف البنك الدولي انخفاضا كبيرا، وكان من المتوقع القضاء عليه في كل الدول باستثناء عدد ضئيل من الدول التي تعاني الهشاشة المؤسسية، ويرجع الفضل في ذلك جزئيا للنمو الملحوظ في دول شرق آسيا. وارتفعت مستويات المعيشة، المقيسة بمتوسط نصيب الفرد من الدخل، في مختلف أنحاء العالم.
وأصبح بوسع المستهلكين في الاقتصادات المنفتحة تجاريا الحصول على مجموعة متنوعة هائلة من السلع المتاحة من شتى أنحاء العالم بأسعار معقولة. وسمحت الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر وغيرها من الإلكترونيات للناس بزيادة إنتاجيتهم والاستمتاع بمزيد من الوسائل الترفيهية المتنوعة أكثر مما كانت الأجيال السابقة تحلم به. ومع تراجع أسعار السفر الجوي أصبح بوسع الناس زيارة دول أخرى، واستكشاف ثقافات وأفكار جديدة، وهي تجربة كانت مقصورة في السابق على بالغي الثراء.
وبينما أسهمت عوامل كثيرة في هذا الارتفاع في مستويات المعيشة، أسهم الانفتاح والسياسات الأخرى، التي تسترشد بآليات السوق بدور رئيس. فالتجارة مع الدول منخفضة الأجور "في ذلك الوقت" أثرت في أسعار السلع والأجور في الاقتصادات المتقدمة، ما عاد بالنفع على المستهلكين في تلك الدول والعاملين في الاقتصادات المصدرة. وظل التضخم منخفضا على نحو يدعو للدهشة، رغم التيسير الكمي وتزايد الدين في الولايات المتحدة.
وأخيرا، تمتع العالم الغربي بالسلام فترة طويلة نادرة بالمقاييس التاريخية، ما عزز الرخاء. وكان الترابط العالمي الوثيق المحرز في نهاية القرن الـ20 حسبما يذهب البعض هو أحد العوامل الرئيسة المساهمة عن طريق إعطاء حافز للجميع لحسن السلوك. فالحروب في هذه الفترة من العولمة المفرطة، إنما تعني حدوث انقطاعات في سلاسل الإمداد العالمية، وما لذلك من عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي ـ وهو ما نحن بصدد اكتشافه.
طرأ تغير واضح أخيرا على السياسات والاتجاهات العامة إزاء التجارة العالمية. لكن كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟ وما الدور الذي أسهمت به العوامل المختلفة؟ وما التطورات المحتملة بعد ذلك؟
لكن تحت السطح، كانت التوترات تتزايد، ما أدى إلى رد فعل قوي ضد العولمة. وفيما يلي نرصد ثلاث مراحل لحركة تراجع العولمة. وقد بدأت المرحلة الأولى نحو 2015 مع ما كان لحالة القلق من الحوكمة والمنافسة من الدول منخفضة الأجور من دور في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والتعريفات الجمركية الأمريكية، وممارسات الصين الثأرية، وعودة الآراء المتطرفة للظهور في أوروبا.
وحول رد فعل عالمي قوي، فرغم أن الشخص العادي في العالم كان أفضل حالا في نهاية الحقبة الأولى من القرن الجديد، كان كثير من العمال في الاقتصادات المتقدمة يشعرون بأن الركب قد فاتهم، فأصبحوا أسوأ حالا من آبائهم. وهناك قدر كبير من الدراسات البحثية الاقتصادية، التي تثبت هذه الآثار على توزيع الدخل، التي تضمنت مكونا جغرافيا مميزا، فالمجتمعات الأكثر عرضة لمنافسة الواردات من الدول منخفضة الأجور بفضل الأنماط الصناعية المكانية القائمة من قبل كانت أسوأ حالا من المجتمعات، التي كانت في مأمن من أخطار الواردات.
إن عواقب سياسية كبيرة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وفي الوقت نفسه، صنعت الحوكمة فائزين كبارا، مثل: الشركات "فائقة الشهرة" متعددة الجنسيات التي أفادت من التخصص الدقيق في سلاسل القيمة العالمية، في هيئة التكاليف المنخفضة والأرباح المرتفعة، إلى جانب فئة من الأفراد الذين يتقاضون مستويات عالية من المكافآت ممن جنوا الثمار المصاحبة لتوسع الأسواق والفرص الاقتصادية الجديدة. فالأمر لم يقتصر على أن البعض فاتهم الركب، بل إن آخرين كانوا يتسابقون نحو المقدمة.
وقد استغرق الاقتصاديون التقليديون فترة طويلة للإقرار بتلك الآثار. ولكن هذه الآثار لم تكن بالجديدة بمختلف الاعتبارات، فكانت انعكاسا للتوترات المعتادة بين الرفاهية الكلية وصراع توزيع الدخل الذي تولده التجارة. غير أن سرعة هذه التغييرات وحدتها هما ما أعطى هذه التوترات بعدا جديدا. وبالمثل، لم يكن هناك جديد أساسا في توصيات الاقتصاديين، حيث رفض معظمهم الحمائية كحل وصادقوا على أحد أشكال إعادة التوزيع من الفائزين إلى الخاسرين.
وفي الوقت ذاته، أخذت الحكومات الغربية تزداد قلقا من أن المنافسة مع الصين "ليست عادلة" نظرا لأنها تستخدم الدعم إلى جانب القيود التي تفرضها على الشركات الساعية لدخول أسواقها. وقد حفز ذلك مطالب بوضع سياسات أكثر ميلا للمواجهة مع الصين، ولا سيما أنها لم تعد اقتصادا ناميا فقيرا.
ولا شك أنه كانت هناك ردود فعل قوية من قبل إزاء التجارة العالمية، ولا سيما في نطاق احتجاجات سياتل عام 1999. ولكن هذه الحركات لم تؤثر في السياسة. ولم تكن هناك أسباب كافية للاعتقاد أن رد الفعل المضاد للعولمة بين عامي 2015 و2018 كان سيخلف كذلك عواقب على مستقبل العولمة. وفي آخر المطاف، كان العالم وثيق الترابط لدرجة لا تسمح له بالعودة إلى النظام القديم.
وبشأن ضغوط الجائحة فقد بدأت المرحلة الثانية من حركة تراجع العولمة مع دعوات التحلي بالصلابة مع بداية الجائحة في 2020. ولكن ما المقصود بالصلابة؟ لا يوجد مقياس مرجعي واضح. يعتمد تعريف الصلابة وقياسها على طبيعة الصدمة. فجائحة كوفيد، مثلا، كانت صدمة عرض ـ مع مواجهة أهم الموردين الدوليين حالات الإغلاق العام في أوقات مختلفة، مما تسبب في تباطؤ عمليات التوصيل ـ وصدمة طلب على حد سواء، حيث ازداد الطلب بسرعة على السلع الطبية والسلع المعمرة كالسيارات وشراء المسكن الثاني.
وأثناء الجائحة، كانت حالات التأخر في عمليات التوصيل قصيرة الأجل وحالات النقص في الإمدادات نتيجة اضطراب التجارة الدولية يشار إليها على نطاق واسع بالأزمة. ولكن تم تضخيم جانب كبير من هذا الأمر مع أن الأسواق في واقع الأمر كانت تتمتع بصلابة كبيرة "دراسة Goldberg and Reed 2023a". فالولايات المتحدة، مثلا، تستورد السلع والمستلزمات الطبية من مجموعة من الدول المختلفة. والاستثناء الوحيد هو الأقنعة الوقائية. ولكن في 2020 وصلت شحنات أقنعة الوجه من الصين في غضون أشهر، وهو ما يعني أنه تم التغلب على النقص تماما.
ومثل هذه الأمثلة تبين أن التجارة الدولية أدت إلى زيادة الصلابة. وعلى المنوال نفسه، حافظت الولايات المتحدة فعليا على العلاقات التجارية، فقد دخل المستوردون في معاملات تجارية مع شركاء أجانب على نحو أكثر انتظاما وسعوا إلى التعاقد مع موردين جدد، رغم انخفاض حجم التجارة الكلي. وفي دراسات أخرى تقوم على نماذج محاكاة كمية، يتضح أن التجارة الدولية تجعل الاقتصادات أكثر تنوعا في مصادرها ومن ثم أكثر صلابة "دراسة Caselli and others 2020، ودراسة Bonadio and others 2021". والتفكير البديهي هو أن صدمات العرض أقل ارتباطا عبر الاقتصادات مقارنة بارتباطها داخل الاقتصادات وأن فرص النفاذ إلى موردين متعددين تسمح بسهولة الاستجابة للصدمات ذات الخصوصية القطرية.
عموما نجد أن الحجج ضد التجارة التي تؤكد هشاشة سلاسل الإمدادات لا تتسق مع الأدلة. وقد استخدمت هذه الحجج لإذكاء المزاج العام المؤيد للحمائية الذي نشأ في المرحلة الأولى، لكن في نهاية المطاف لم تكن الآثار المبدئية قادرة على الاستمرار. وحققت التجارة نموا سريعا في 2021 مع تجاوز العالم منعطف إدارة الجائحة.
وحول دور الضغوط الجغرافية ـ السياسية بدأت المرحلة الثالثة مع الحرب الروسية - الأوكرانية في شباط (فبراير) 2022. وبالنسبة للجمهور العام، أبرزت هذه الأحداث أخطارا جديدة ناجمة عن التخصص على النطاق الدولي. فمع قطع روسيا إمدادات الغاز إلى الدول الأوروبية وارتفاع أسعار الطاقة ارتفاعا بالغا، اتضحت عيوب الاعتماد على بلد واحد في الواردات من مدخلات الإنتاج الحيوية. ولم تكن المخاوف متأصلة في حالة روسيا، لكن باستنباط الأوضاع، بدأت الدول تستعرض احتمالات ما قد يحدث إذا اضطرت للانفصال عن الصين بين عشية وضحاها. وخلص صناع السياسات إلى أنه سيكون من الأفضل لهم الانفصال على الفور، إن لم يكونوا قد فعلوا ذلك بالفعل، وفق شروطهم الخاصة.
وفي حدود الفترة الزمنية نفسها، اعتمدت الدول نمطا فكريا جديدا على نطاق واسع ـ وهو أن الرخاء الدولي مباراة صفرية النتيجة. وفرضت الولايات المتحدة حظرا على صادراتها إلى الصين من شرائح المنطق والذاكرة المتقدمة والمعدات المستخدمة في إنتاجها. فتكنولوجيا أشباه الموصلات لها استخدامات عسكرية بلا شك، وحظر التصدير يمكن أن يتسبب في انتكاس القدرات العسكرية في الصين. لكن هذه التكنولوجيا لها استخدامات أكبر بكثير في القطاع المدني، لذا فإن الحظر يعرقل أيضا التطور التكنولوجي في القطاع المدني. وتحول العالم من عالم يشجع التجارة والمنافسة والابتكار في كل الدول إلى عالم لا تسعى فيه الاقتصادات الأكثر تقدما للتنافس فحسب، بل للاستئثار. والاحتمال الآخر هو أن ينتهي الأمر في العالم إلى التجزؤ في معسكرات متنافسة وأن حربا باردة جديدة ستتكشف، وفي هذه المرة بين الولايات المتحدة والصين.
في هذه المرحلة فإن أي تنبؤات هي من قبيل التكهنات إلى حد كبير، نظرا لأن النتائج، كما في السابق، ستتوقف بدرجة كبيرة على اختيارات السياسات. وأحد الاحتمالات هو أن هذا آخر المطاف بالنسبة إلى حركة التراجع عن العولمة، فستقتصر التدخلات للاستئثار بفرص الحصول على التكنولوجيا على تلك المنتجات ذات الاستخدام المزدوج المؤكد، بينما ستواصل التجارة الانتعاش في غيرها من المنتجات. لكن هناك احتمالا آخر بأن ينتهي الأمر في العالم إلى التجزؤ في معسكرات متنافسة وأن حربا باردة جديدة ستتكشف، وفي هذه المرة بين الولايات المتحدة والصين "وحلفاء كل منهما". وقد تكون عواقب الاحتمال الثاني وخيمة.
حول حرب باردة جديدة تؤكد نماذج النمو طويلة الأجل الكثيرة أهمية حجم السكان في البحث والتطوير. فمن المتوقع أن تتمتع أكبر دول العالم وأكثرها سكانا بأفكار جديدة وتتمكن من تحقيق المزايا المطلقة، وهو ما يتأكد من مراكزها السوقية الرائدة في مختلف المنتجات. وفي حال انفصام عرى التعاون العلمي بين الصين والولايات المتحدة، فإن فرص العالم ستكون محدودة في التوصل إلى حلول لما قد يأتي من جوائح وأمراض مستوطنة.