عاجل
المقالات

الفيلم المسيئ ودور الانترنت فى بث الكراهية الدينية

ساهم نشر الفيلم المسيئ للرسول والذي وصلت مدته الى 14 دقيقة في حرق وجرح واصابه العشرات حول العالم في اطار الاحتجاجات حول المحتوى الذي تضمنه، وليمثل حلقة اخرى من حلقات نشر الكراهية الدينية وما يزيد من تاثيرها هو دور الانترنت عبر مواقع نقل الفيدوهات والصور والشبكات الاجتماعية

 الفيلم المسيئ ودور الانترنت فى بث الكراهية الدينية
اضغط للتكبير

 

 

 




 

 وطرحت تلك القضية العديد من التساؤلات حول حدود التحكم في المحتوى عبر الانترنت وما هو تاثير ذلك او علاقته بحرية الراي والتعبير والاستخدام، ومدى انعكاس ذلك على امن الفرد والمجتمع والدول، وما هو تاثير ذلك على نشر قيم التسامح والسلام؟ وكيف يمكن الموازنه بين اعتبارات الامن والحرية؟

جاء نشر فيلم "براءة المسلمين" لياتي في ظل حلقة من حلقات نشر الكراهية الدينية والتي لعب بها الانترنت دور المحرض والحاضن لها فالفضل يرجع له قبل خمس سنوات في نشر الرسوم الدنماركية المسيئة من مجرد نشرها في صحيفة محلية الى حدث دولي اثار احتجاجات عالمية، الى جانب فيلم "فتنه" المسييء الذي روج له من هولندا، الى جانب نشر فيدوهات اخرى لحرق القران. ولكن هناك افلام اخرى متطرفه لم تلق حظها في الانتشار نظرا لغياب الغطاء السياسي التي تتحرك فيه بالاضافة الى بعدها عن دوائر النشطاء عبر الانترنت.
ويتسع جمهور الانترنت باتساع مستخدمية البالغ ما يزيد على 3مليار حول العالم، ويوجد في العالم العربي ما يزيد على 70 مليوم مستخدم للانترنت، منهم 58 مليون مستخدم للفيس بوك و36 الف مستخدم جديد شهريا، 6.5 مليون مستخدم لتويتر و155 مليون تغريدة عام 2011، وحظى موقع يوتوب على 167 مليون مشاهدة ويتم تحميل ساعه منه يوميا، ويقضى الفرد في العالم العربي اكثر من ساعتين يوميا في تصفح الانترنت، وهناك 88% من مستخدمي الانترنت العرب يزورون الشبكات الاجتماعية بشكل يومي.
وهو ما يشكل جمهورا واسعا للرسالة الإعلامية، وفرصا أكبر للاتصال الدائم بين العديد من ملايين الافراد حول العالم، وهو ما ينعكس فى إعادة تشكيل الحدود بين المجالين العام والخاص. وارتباط الافراد باستخدام الانترنت بشكل يومي ويرتبط بحياتهم والتعبير عن مشاعرهم ومواقفهم وافكارهم، وكوسيلة لنقل القيم والرموز المرتبطة بهم، وساعد على ذلك تقنية الوسيلة وطبيعه المحتوى وسرعه الانتشار.
وعلى الرغم من اشتراك المستخدمين حول العالم في استخدام شبكة انترنت واحدة الا انها كشفت عن حجم تحيزاتهم الفكرية والدينية وهذا التمايز اصبح يتم ترجمته في شن صراع ياخذ تاره اطر فكرية واخرى بالتحريض على العنف، واصبح يستخدم لاذكاء الصراعات العنصرية وتنمية اتجاهات الكره لدى الكثير من الفئات المناهضة لفئات أخرى.
وجاء ذلك مع تراجع الاعلام الجماهيري الذي كانت تسيطر علية الدولة الى اعلام يقودة الفرد ويحركة وفق مصلحته ودوافعه الذاتية بغرض التاثير في الراي العام وشحنه تجاه قضية ما، وساعد على ذلك رخص التكلفة، وسرعة الانتشار وتنوع طرق صياغه الرسالة الاعلامية من نص وصور وفيديو. للتعبير عن القيم الثقافية والدينية واتاحة الفرصة للمساهمة في طرح القضايا وتكوين الاجندة، وظهور فاعليين دينين غير تقليدين وفي شكل جديد واكثر تواصلا مع اتباعهم في شكل مواقع واغاني ورسائل نصية ونغمات وغيرها.
وبدأ يتم استخدام المعلومات الدينية كسلعه تجارية يتم تسويقها عبر الانترنت وحدث المزج بين الدين والتكنولوجيا على الرغم من الاختلاف في درجات الاستجابة السريعة للتغيير، واتفاقهما في الرغبة في الانتشار عبر الحدود، وبينما يميل الدين بطبيعته إلى مجموعة من القواعد والمعايير الأخلاقية المحافظة تتميز التكنولوجيا بطبيعتها المتغيرة وتتطورها بتغير الابتكارات والمهارات الفردية لمستخدميها. وإلارتباط بمعايير السوق والمال والابتكار.
وقد استفادت الأديان كغيرها من مزايا الانترنت لتوفير مادة مستمرة وسريعة ومتفاعلة عن الدين، وللرد على منتقديه، والتأكيد على النزعة الكونية له، وكان للإسلام والمسيحية السبق لاعتمادهما على الدعوة التبشيرية بخلاف اليهودية وبث مبادئهما والوعى بها وتجنيد أتباعهما

"ارض خصبه لزرع الكراهية"

بالرغم من الاعتقاد السائد بان الأصوليين هم أكثر الناس معاداة للحداثة والتكنولوجيا إلا أن الرؤية التحليلية لهم توضح أنهم لا يعارضون الحداثة إلا بقدر انتهاكها لقيمهم المحلية والتقليدية، وتؤمن الحركات الأصولية الدينية بشكل صارم بالقيم، وتتمتع بدرجة عالية من التماسك الداخلى بين أعضائها بمعزل عن العالم الخارجى الذى يحيط بها، ودائما ما ترجع إلى التاريخ حيث المصدر النقى للمعتقدات بدون أى تغيرات براجماتية، و تأخذ تلك الأصوليات اتجاها فكريا فقط أو اتجاها عسكريا فى محاولتها لهدم الواقع للعودة للمستقبل الذى منبعه التاريخ حيث القيم الأصيلة، وتشترك فى ذلك كل الجماعات الأصولية سواء التى تتبع الديانات السماوية أو الوضعية على حد سواء.
وقد استخدم المتطرفين الانترنت كأداة للدفاع والحيلولة دون استخدمها كأداة للهجوم عليهم وعلى معتقداتهم الثابتة. وذلك في اطار كون الانترنت اصبح فاعلا مؤثرا فى عملية إنتاج وإدارة وتوزيع العملية الثقافية فى العالم، ودوره في دفع الأفراد للتعرف على أوجه عديدة للإنسانية ومتمايزة عن نظرتهم الأحادية، وبشكل يتم فيه التفاعل إلى حد الصدام ما بين القيم المحلية وما تفرضه عولمة الانترنت من تحد لتلك القيم والجماعات التي تدافع عنها فى صورتها التقليدية.
وهناك العديد من الاسباب الاخرى التي تعزز ذلك أهمها يتمثل في، أولا فيما يتعلق بخصائص وطبيعة الانترنت، وما توفره من مزايا نسبية مقارنة بالوسائل التقليدية الأخرى، سواء من حيث انتشارها أو قدرتها على صياغة الرسالة، وثانيا حدوث تشابك للعامل الثقافى مع احتقانات داخلية تأخذ شكل تباينات اقتصادية وعرقية أو إثنية خاصة فى الدول الضعيفة فى بنائها القومى. وثالثا، محاولة الاستغلال السياسى للدين وخاصة من قبل اليمين المتطرف كنوع من التمييز ضد الأقلية العربية والإسلامية. ورابعا، تصاعد دور الدين فى العلاقات الدولية وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، والصعود الاسلامي في مرحلة ما بعد الربيع العربي، وخامسا، زيادة انتشار تكنولوجيا المعلومات بمعدلات متسارعة في استخدامها. وسادسا محاولة انتاج "العدو الاسلامي" مرة اخرى في الذكرى الحادية عشرة لهجمات الحادي عشر من سيتمر واستغلال ذلك في الانتخابات الامريكية القادمه وتغليب البعد الأمنى على السياسى الذى يستغل الدين فى التعبئة والحشد كحالة المحافظين الجدد فى الولايات المتحدة. وأخيرا، دفعت التكنولوجيا إلى الإحساس المتزايد بالأنا مقابل محاولة الآخر فرض قيمه ومعتقداته، حيث كشفت عن الانتماءات الأولية والهويات التى كانت تعتبر سرية من قبل وساعدت شبكات الاتصال في الكشف عنها.

"بين الحرية والامن"
قد مثلت الانترنت مجالا خصبا لتلاقح الأفكار من اجل الخروج بفكر إنسانى مشترك، فجودة الفكرة واستمراريتها هى الأجدر على البقاء فى ظل سوق ثقافى تنافسى مفتوح عبر الانترنت والذي يجسد بشكل افضل للأفكار الديمقراطية ولحرية التعبير ونقل الافكار والاتصال المفتوح‏ والتي لم تتماثل مع اي ساحة وجدت من قبل‏.
ولكن ‏ لسوء الحظ‏ أن الحرية التي قدمتها الانترنت حساسة للاستخدام السيئ من قبل دول وافراد وجماعات هم انفسهم عادة ما يكونون اعداء لحرية الفكر والتعبير‏، وذلك كون الانترنت في الاصل ما هو الا وسيلة محايدة ولكن المستخدمين هم الذين يوظفونه وفق اتجاهاتهم وميولهم الخاصة.
ويبقى التساؤل الأساسى هو هل يدفع ذلك التمايز والاختلاف الثقافى على الانترنت إلى التكامل والتفاهم حول رؤى مشتركة، أم سيخطفها الجانب المتشدد من كل طرف إلى ساحة المعركة حيث يكون الجميع خاسرين؟ وفى محاولة للإجابة على هذا التساؤل لابد من الإشارة إلى أن التطرف ليس له مستقبل، كون مسألة الطعن فى الأديان ككل أو احدها ليست بجديدة، كما أنها لا تأتى فقط من المتشددين من كل طرف، بل تأتى من أطراف أخرى كالتيار اليمينى المتطرف والجماعات اللادينية أو الفوضوية أو نتيجة لأهواء شخصية.
وهو ما يتطلب ان تقوم اطراف عملية الاتصال من افراد ومزودي الخدمة والحكومات والشركات والمجتمع المدني ووسائل الاعلام بتحمل المسئولية تجاة رفع الوعي بمخاطر بث الكراهية عبر الانترنت وعدم الاتجاة الى توظيف المشاعر الدينية لتحقيق اهداف سياسية، واهمية تبني تشريعات تجرم الاستخدام الضار للانترنت بتنبي قوانين مكافحة الجريمة الالكترونية، وعلى نحو يربط بين الحرية في استخدام والمسئولية في تنفيذ الفعل، وذلك الى جانب ضرورة التزام الشركات بامن المجتمع التي تعمل به، فلا يعقل ان تمتنع "شركة جوجل" عن حذف الفيديو بحجة حرية الاستخدام في حين هي ذاتها تقوم بحذف وحجب مواقع متشددة تراها خطرا على الولايات المتحدة. وهو ما يطرح قضية تصاعد دور الشركات التكنولوجية كلاعب اعلامي دولي وموقف الحكومات منها.
وتتطلب مواجهة حالات بث الكراهية الدينية عبر الانترنت ان يتم تعزيز دوره في نشر السلام والتسامح ورفع الوعي حول مخاطر الاستخدام السلبي للشبكة على امن المجتمع الدولي، وبخاصة انها تظل مورد ممتد ومتوافر بالفيديوهات المحرضة على العنف والكراهية، وهو ما يتطلب ان يتم تعزيز الحوار البناء بين اتباع الديانات في العالم مع الالتزام بقواعد الحوار وعدم نشر التعليقات المسيئة او الصور او الفيدوهات، ولا يتم ذلك بدون دور واعي للمستخدمين كطرف رقابي على استخدام تلك الفيدوهات وعلى اداء الشركات المقدمة للخدمة، فمثلا عندما يقوم المستخدم او اي وسيلة اعلام اخرى بنشر المقطع المسيئ كنوع من حشد الاحتجاج عليه فانه في ذات الوقت يساهم في انتشارة وفي ردود الافعال الفجائية وغير المحسوبة العواقب ويتم التضخيم من طبيعه العمل ليبدو وكانه حالة غير مسبوقة في الحجم والتاثير، وهو ما يوفر بيئة خصبة لنشر الشائعات والمعلومات المغلوطة في ظل نقص الوعي والمعرفة والمعلومة بين الشباب حتى من غير المستخدم للانترنت والذين لم يتاثروا فقط بما يتم تناوله في وسائل الاعلام التي تنقل، بل ايضا بدور نشطاء الانترنت وتاثيرهم في المجتمع.
فعملية مواجهة وسائل الفتنة في المجتمع تتطلب شعب واعي يستطيع ان يغلب العقل على العاطفة ويواجه ذلك بسد منيع من الفهم والادراك لحجم المخاطر الناجمة من محاولات تحريك المشاعر الدينية في اتجاه ممارسة العنف كوسيلة للتعبير عن الراي بدلا من استخدام الوسائل السلمية للمعارضة والاحتجاج التي هي الجديرة فقط على كسب معركة الافكار، وهو ما يساعد في ترسيخ قيم الحوار والاختلاف والتنوع واحترام الاخر التي هي من اسس المدنية والحضارة الانسانية


المصدر الاهرام - ملحق لوموند دبلوماتيك  .


طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك