ووفقًا لتحليل أجراه «مختبر ستانفورد للاقتصاد الرقمي»، تراجع معدل توظيف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عامًا في المهن الأكثر تعرضًا لتأثير الذكاء الاصطناعي بنحو 19% مقارنة بالمستوى الذي كان يمكن بلوغه لو استمر التوظيف بالوتيرة المسجلة في المهن الأقل تعرضًا لهذه التقنيات منذ عام 2022.
وتسلط النتائج الضوء على تحدٍ متنامٍ أمام الخريجين الجدد، يتمثل في تقلص بعض فرص العمل التي كانت تتيح لهم دخول سوق العمل واكتساب الخبرة تدريجيًا، بالتزامن مع تزايد اعتماد الشركات على الأدوات الذكية في تنفيذ المهام الأولية والروتينية.
وظائف المبتدئين في مواجهة الأتمتة
تشير بيانات الدراسة إلى تفاوت ملحوظ في اتجاهات التوظيف بين المهن المختلفة؛ إذ انخفض توظيف الشباب في نحو 40% من الوظائف الأكثر تعرضًا للذكاء الاصطناعي بنحو 11%، بينما ارتفع بنحو 10% في فئات وظيفية أخرى أقل اعتمادًا على هذه التقنيات.
ويعزو التحليل هذا التراجع بصورة أساسية إلى تباطؤ التوظيف، وليس إلى زيادة عمليات تسريح العاملين، بما يشير إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي قد يظهر في صعوبة الحصول على فرص جديدة قبل أن يظهر في فقدان الوظائف القائمة.
واستند الباحثون إلى بيانات الرواتب والتوظيف التي توفرها شركة «ADP» الأميركية، والتي تشمل ملايين العاملين، لرصد التغيرات في سوق العمل منذ انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي على نطاق واسع.
هل يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل سوق العمل بالكامل؟
على الرغم من تراجع فرص التوظيف لدى بعض الفئات الشابة، لم يجد الباحثون دليلًا على فقدان واسع النطاق للوظائف على مستوى الاقتصاد نتيجة الذكاء الاصطناعي. كما لم يرصدوا فجوة مماثلة بين الوظائف الأكثر والأقل تعرضًا لهذه التقنيات لدى العاملين الأكبر سنًا والأكثر خبرة.
ويشير هذا التباين إلى أن الخريجين الجدد قد يكونون أكثر عرضة لتغيرات سوق العمل، خصوصًا في الوظائف التي تعتمد على مهام يمكن للأنظمة الذكية تنفيذ أجزاء منها، مثل معالجة البيانات وإعداد المحتوى والبرمجة الأساسية.
لكن هذه المؤشرات لا تعني بالضرورة اختفاء تلك المهن، بقدر ما تعكس احتمال تغير طبيعة المهام المطلوبة، وارتفاع أهمية المهارات التي تمكّن الموظفين من توظيف الذكاء الاصطناعي ومراجعة نتائجه والتعامل مع المشكلات التي تتطلب حكمًا بشريًا.
متطلبات أعلى أمام الخريجين الجدد
لا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على عدد الوظائف المتاحة، بل يمتد إلى المهارات والمؤهلات التي تطلبها الشركات من المتقدمين.
ووفقًا لدراسة أجرتها شركة «برايس ووترهاوس كوبرز»، زادت متطلبات إعلانات الوظائف للمبتدئين في المجالات الأكثر تأثرًا بالذكاء الاصطناعي، فيما يتعلق بمهارات مثل القيادة والتفكير الاستراتيجي، إلى سبعة أضعاف مستواها المسجل عام 2019.
ويعكس هذا التحول ارتفاع سقف التوقعات من الموظفين الجدد، إذ باتت بعض الشركات تبحث عن مرشحين يجمعون بين المعرفة التقنية والتحليل والتواصل وحل المشكلات، بدلًا من الاقتصار على تنفيذ المهام الروتينية.
ويثير ذلك تساؤلًا مهمًا حول كيفية اكتساب الشباب الخبرة اللازمة للترقي المهني، إذا تراجعت الوظائف الأولية التي كانت تمثل نقطة انطلاق لمساراتهم الوظيفية.
المهن الحرفية تكتسب أهمية متزايدة
في ظل هذه التحولات، قد تتزايد جاذبية المهن التي تعتمد على المهارات اليدوية والتفاعل المباشر، مثل البناء والسباكة والصيانة، نظرًا إلى صعوبة أتمتة كثير من مهامها بالكامل.
كما أشار «مركز بيو للأبحاث» إلى ارتفاع نسبة الأشخاص دون الثلاثين عامًا الذين يتوقعون أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى انخفاض عدد الوظائف، لتصل إلى 73%، بزيادة قدرها 12 نقطة مئوية خلال عامين.
وتعكس هذه المؤشرات تنامي القلق بشأن مستقبل التوظيف، وتطرح تساؤلات حول قدرة أنظمة التعليم والتدريب على مواكبة التغيرات التي يفرضها الاقتصاد الرقمي.
التدريب وإعادة التأهيل في صدارة الحلول
تضع هذه التحولات المؤسسات التعليمية والشركات وصناع السياسات أمام مسؤولية تطوير مسارات أكثر مرونة للتعليم والتدريب والتوظيف، بما يساعد الشباب على اكتساب المهارات المطلوبة في سوق عمل يتغير بسرعة.
وتشمل الأولويات تعزيز التدريب العملي، وتنمية المهارات الرقمية والتحليلية، وتوسيع فرص التدريب داخل المؤسسات، إلى جانب مساعدة الخريجين على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بكفاءة ومسؤولية.
وفي المحصلة، لا يتوقف التحدي عند تأثير الذكاء الاصطناعي في عدد الوظائف، بل يمتد إلى كيفية توزيع الفرص المهنية وإتاحة المجال أمام الأجيال الجديدة لاكتساب الخبرة. فبينما تفتح التقنيات الذكية آفاقًا لرفع الإنتاجية وظهور وظائف جديدة، تظل حماية فرص الدخول إلى سوق العمل وإعادة تأهيل الشباب عنصرين أساسيين لضمان استفادة أوسع من التحول الرقمي.