عاجل
المقالات

براءة «يوتيوب» ومعايير رقابة عمالقة الشبكة على «المنشورات» الالكترونية

في 2006، نشر الناشط المصري وائل عباس، شريط فيديو على شبكة الانترنت يظهر رجلي شرطة يغتصبان بواسطة عصا خشبية سائق باص. والشريط كان وراء ملاحقة القضاء للشرطيَّين.

براءة «يوتيوب» ومعايير رقابة عمالقة الشبكة على «المنشورات» الالكترونية
اضغط للتكبير
 
 
 

 

وبعد أيام، حظَّر موقع «يوتيوب» الشريط معلناً أنه يخرق مبادئه وتوجيهاته وقواعده التي تحظر «الترويج للعنف وصور العنف». وعاد «يوتيوب» عن خطوت
ه إثر مراسلة ناشطي حقوق الانسان له وللشركة المالكة، «غوغل»، وإعلامهما بأن شريط عباس هو وثيقة من الارشيف الافتراضي توثق عنف الشرطة المصرية،
وواحدة من أدوات الإصلاح. وإثر قضية شريط عباس، خلصت «غوغل» الى أن أهمية بعض المشاهد، ولو انتهكت معاييرها الناظمة، تغلب على كفة الحظر ودواعيه.

وفي الأسابيع الأخيرة، اضطرت شركة «غوغل» الى التراجع عن قواعدها إثر أزمة شريط «براءة المسلمين»، وحظّرته موقتاً في مصر وليبيا «نظراً إلى حساسية الأوضاع في هذين البلدين»،
كما ورد في بيان صحافي، على رغم أن الحكومتين الليبية والمصرية لم تتقدم إلى «غوغل» بطلب منعه وعدم ترويجه للعنف أو دعوته الى اصلاء جماع الكراهية دعوةً تخالف توجيهات «يوتيوب».
وفي مطلع الأزمة، لم يقطع مقص رقيب «غوغل» الشريط، ولم يزله عن الشبكة في معظم دول العالم. ورفضت الشركة طلب البيت الابيض إزالته عن الشبكة كلها، لكنها قطعت قنوات الوصول إليه
في عدد من الدول، منها الهند وأندونيسيا اللتان اعتبرتاه «غير قانوني» واستجابتا لدعوة احترام القوانين الوطنية (المحلية).

وفي خضم الحوادث، بدا أن قرار «غوغل» هو الأمثل في مثل هذه الظروف، لكنها لم تُطلع المستخدمين على منطق حظر الشريط ودواعيه، في وقت تلتزم احترام حرية التعبير،
وتحرص على إعلام المستخدمين باستجابتها طلبات الحكومات في العالم. وفي وقت ارتقت الشبكة الالكترونية قوة عملاقة ترسم وجه دائرة الخطاب العام العالمية، حري بها التزام معايير الشفافية
وإماطة اللثام عن سبل إدارتها شؤون حرية التعبير.

ولم ينشِء سيّاد العالم الرقمي مثل «غوغل» و «فايسبوك» و «تويتر» المحاكم، ولم يصوغوا قوانين وهم في حلٍ من الدساتير، لكنهم يتولون تنظيم حرية التعبير، نزولاً على طلبات الحكومات في بعض الاوقات، واحتكاماً إلى معايير مبادئهم الخاصة في أوقات أخرى. والحق أن هذه الشركات تتصدى لتحديات كبيرة في عالم متشابك، نسيجه الاجتماعي والسياسي متباين ومتنوع، وتواجه معضلات كبيرة.
وفي سعيهم الى صوغ «المبادئ التوجيهية» للمجتمع الرقمي العالمي، قد يضطر عمالقة العالم الافتراضي الى تعديل هذه التوجيهات أو تكييفها نزولاً عند «ضغوط» الحكومات. وتوقع أن تبادر الشركات الى حظر نشر أشرطة على موقعها للحؤول دون شغب أو أن تتحمل مسؤولية الشغب، في غير محله. لكن الشركات هذه يسعها أداء دور بارز في إرساء الحريات من طريق تفسير «فقه تشريعاتها» اثناء صوغه وتطويره، وإشهاره على الملأ.

درج محرك بحث «غوغل» على نشر رسالة تشرح للمستخدمين اسباب حظر شريط فيديو، نزولاً على طلب إحدى الحكومات، لكنه أخفق في إعلام جمهوره بدواعي حظر «براءة المسلمين» في مصر وليبيا. ففي الساعات الأربع والعشرين الاولى، وقّع مستخدمو «يوتيوب» رسالة تزعم أن الشريط أزيل إثر أمر قضائي. ثم استبدلت هذه الرسالة بأخرى مفادها: «الوصول الى هذا الشريط غير ممكن في بلدك».
ولا شك في أن مثل هذه الأزمة قد يتكرر ويفترض ألا تصبح اجراءات الرقابة المرتجلة والسريعة ديدان حال عمالقة الانترنت. والشركات هذه مدعوة الى إعداد رسائل تنشر في مثل حالات الرقابة الطارئة، توازن بين معايير الحرية التي يرفع لواءها «غوغل»، وبين مقتضيات «طارئة»، وتعلم المستخدم بمبادئ عملها و «أخلاقها». وعلى سبيل المثل، قد تقول رسالة توضيحية إن «مشاهدة هذا الشريط محظورة موقتاً في بلدك جراء حوادث العنف الطارئة، على رغم أن مضمون ما ينشر على «يوتيوب» لا يبرر العنف ولا يسوغه».

وفي الدول التي لم يحظر فيها الشريط، قد تسبق عرضه رسالة تحذيرية تقول: «بعض الناس يفضلون عدم مشاهدة هذا الشريط ويرونه مسيئاً، على رغم أنه لا ينتهك مبادئ مجتمع يوتيوب...».
وثمة سابقة لمثل هذه الرسائل، فـ «غوغل» نشر رسالة اعتذار في 2009 حين تصدرت نتائج محرك بحثه صورة عنصرية لميشيل أوباما. والرسائل التوضيحية ترسي معايير الشفافية
وتساهم في النقاش حول حرية التعبير الدائر في بعض الدول.?

* صحافية سابقة مدوِّنة، وباحثة في «وورلد بوليـــسي انستيتيوت»، عن موقع «فورين بوليسي» الأميركية، 5/10/2012، اعداد منال نحاس?
طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك