عاجل
المقالات

«ساندي»!

«ساندي»، اسم رقيق وناعم لإعصار قاتل، مدمر، اجتاح الشواطئ الشمالية الشرقية للولايات المتحدة، فحطم كل شيء في طريقه، وأغلق اسواق المال والمطارات ومحطات المترو، وأدى الى شلل الحياة في مدن اميركية رئيسة وصاخبة مثل نيويورك وواشنطن ونيو جرسي وسواها. بيوت مهدمة، اشجار مقتلعة، سيارات محطمة، أمواج مندفعة نحو اليابسة بقوة خفية، شوارع غارقة في مياه موحلة وشرسة... تلك مشاهد تكررت خلال الايام القليلة الماضية، وجمعت بين فضائيات العالم التي راحت ترافق خط سير «ساندي» القاتل بدءاً من الكاريبي مروراً بأميركا وصولاً الى كندا شمالاً.

«ساندي»!
اضغط للتكبير
كان الكثير من هذا الدمار متوقعاص، وإنْ ما فعله «ساندي» فاق التوقعات قليلاً. لكن المفارقة التي ظلت راسخة في أذهان المشاهد تمثل، خلال الاعصار، في الفروق بين اسم الإعصار الذي لم يبرح الشاشات، وفعله على الأرض، فقد ظل هذا المشاهد متشبثاً باسترسال منطقي في ان ساندي هو اسم لفيلم سينمائي أو كرتوني مثل «ساندي بل»، او مقهى في بروكلين، أو مدينة ملاهٍ، أو قصيدة لشاعر عاشق يتغزل فيها بفتاة تحمل هذا الاسم الشائع، الودود...غير ان هذه التداعيات المفهومة، بالطبع، انعكست على الشاشة كائناً مائياً خرافياً يأكل الأخضر واليابس، ويزرع الرعب أينما حل. كان متوقعاً أن يطغى «ساندي» على اخبار الحملات الانتخابية المحمومة، والمنافسة الحادة بين باراك اوباما «الديموقراطي»، وخصمه «الجمهوري» ميت رومني، بيد أن ما حصل كان العكس، بل أكثر من ذلك، فأي رؤية تحليلية للكارثة لم تمر إلا عبر المؤشر الانتخابي، وكيف أن في وسع المرشحَين استثمار «بركات ساندي» في رفع الرصيد الانتخابي. بهذا المعنى، فإن تغطية التلفزة، عموماً، لم تأبه بالبعد التراجيدي الانساني للمحنة، بمقدار ما سعت إلى البحث عن حظوظ اوباما ورومني، وهما يتأهبان لخوض الانتخابات على إيقاع «رقصة الموت» التي برع فيها «ساندي» الزاحف من جبروت الأطلسي. وما أثار الانتباه هو تلك التعليقات الشامتة التي ملأت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، والتي رأت في ساندي «غضباً إلهياً» يختبر بلاد العم سام، ويعاقبها على شرورها، ونسي الشامتون انه لو حلت «العزيزة ساندي» (وهنا سنؤنث الاسم) في ديارهم لحولتها الى «أثر بعد عين»، ولحصدت من الأرواح ما فاق الحصيلة المرة لـ «الربيع العربي»، ناهيك عن أن الشماتة في غضب الطبيعة تخالف قيم البشر عموماً. ويمكن ان نضيف ان ساندي كانت رؤوفة قياساً الى أعاصير سياسية تنذر هذا الشرق الحزين بخراب أين منه الفاتنة الأميركية «ساندي»، التي تسلحت بموج البحر وسرعة الرياح فحسب، بينما عواصف الشرق تتسلح بكل الاسلحة، وتفتك من دون توقع... وها هي الفضائيات تشهد وتجبر المشاهد على مقارنة لا مفر منها.
طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك