عاجل
المقالات

من يدافع عن «حقوق الإنسان المصرى الرقمية» فى الدستور الجديد؟

قامت ثورة يناير من أجل تثبيت وتطوير وتعميق واحترام حقوق الإنسان المصرى الأساسية التى نصت عليها الشرائع السماوية والقوانين والمواثيق الدولية والمحلية، وهى حقوق لم تعد مادية فقط، بل أصبح بينها شق رقمي يعرفه العالم الآن تحت مسميات مختلفة من بينها

من يدافع عن «حقوق الإنسان المصرى الرقمية» فى الدستور الجديد؟
اضغط للتكبير

قامت ثورة يناير من أجل تثبيت وتطوير وتعميق واحترام حقوق الإنسان المصرى الأساسية التى نصت عليها الشرائع السماوية والقوانين والمواثيق الدولية والمحلية، وهى حقوق لم تعد مادية فقط، بل أصبح بينها شق رقمي يعرفه العالم الآن تحت مسميات مختلفة من بينها: «حقوق الإنسان فى مجتمع المعلومات - حقوق الإنسان فى العصر الرقمى - وغيرها»، وهى حقوق يتعين الدفاع عنها والنص على صيانتها وحمايتها فى الدستور الجديد، حتى لا نصحو ذات يوم مثلا وقد سلبنا أحد حقنا فى التواصل والمعرفة، بسبب فعل مشابه لما أقدم عليه زبانية النظام السابق فى الأيام الأولى للثورة، حينما قطعوا الاتصالات، واللافت للنظر أن هذا النوع من الحقوق يغفله كل من شكلوا أو أعلنوا نيتهم تشكيل أحزاب للوصول إلى البرلمان الذى سيقوم بتشكيل لجنة وضع الدستور الجديد، كما يغفله من أعلنوا نيتهم الترشح لرئاسة الجمهورية، ويحدث هذا التجاهل على الرغم من أن الأحداث أثبتت أن الحقوق الرقمية التى انتزعها شباب الثورة وبرعوا فى استخدامها كانت هى العامل الأول فى بروز فكرة الثورة وإطلاق فعالياتها خاصة فى البداية، وحقيقة لا أعرف هل تجاهل الحقوق الرقمية للإنسان المصرى فى حديث مؤسسي الأحزاب ومرشحي الرئاسة أمر يحدث جهلا أم عمدا.
يمكن القول إن حقوق الإنسان الرقمية يقصد بها إجمالا الحقوق التى تضمن للإنسان القدرة على تداول المعلومات والبيانات فى البيئة التى يعيش فيها، والحق فى الوصول إليها واستخدامها، القدرة على الاتصال والتواصل مع بيئته أو مع من يريد من خلال خطوط وشبكات الاتصالات.
وليس من قبيل الترف الحديث عن هذه النوعية من الحقوق الآن، فالحوار الوطنى بدأ، والتحضير للانتخابات البرلمانية والرئاسية على قدم وساق، وإذا لم تحظ القضية بالاهتمام الواجب الآن فسوف تطوى صفحتها فى زحام الحديث عن القضايا والحقوق المعتادة الأخرى، لتظل الحقوق الرقمية للإنسان المصرى نسيا منسيا، مثلما كان الحال فى العهد البائد والرئيس المخلوع وأجهزته الأمنية العاتية طوال السنوات الماضية.
وحقوق الإنسان الرقمية ليست من القضايا وليدة اليوم، فجذورها ممتدة للوراء حتى بداية تسعينيات القرن الماضى، حينما تحدث الكثيرون حول العالم عن أن قدرة الانسان على إجراء ـ مجرد إجراء ـ المكالمات التليفونية هى حق من حقوق الإنسان الرقمية، ثم بدأت القضية تتبلور وتكتسب مزيدا من النضج والوضوح والأهمية مع موجة الانتشار السريعة لشبكة الإنترنت فى بداية النصف الثانى لتسعينيات القرن الماضى، ثم ازدادت وضوحا وأهمية مع التوجه الواسع والمتزايد صوب توسيع نطاق الاعتماد على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بصورها المختلفة فى شتى مناحى الحياة وزيادة الدور الذى تلعبه هذه التكنولوجيا كأداة من أدوات التنمية الشاملة والترفيه والخدمات ثم كأداة للتعبير عن الرأى والمشاركة المجتمعية ومراقبة الحكومات والتغيير السياسى الجذرى.
والآن انتهى الأمر بأن المعلومات الرقمية لم تعد فقط أداة للمساعدة فى تنمية الفرد، بل تجاوزت ذلك وأصبحت ضرورة حيوية لا يستطيع الإنسان الحياة بدونها، فإذا كان الإنسان الآن يحتاج إلى خدمات المأكل والمشرب والمسكن؛ لكى يتمكن من الحياة، فمثلا نجد أنه فى الهند أصبح الحق فى الرعاية الصحية فى بعض المناطق النائية ببعض الولايات مرتبطا وممزوجا بالقدرة على استخدام رسائل التليفون المحمول النصية القصيرة، فرسالة نصية قصيرة تكتبها شابة هندية مدربة على شاشة محمول أصبحت كفيلة بإنقاذ حياة شخص كان لا يجد الدواء أو العلاج من قبل، وفى بوليفيا تحولت الإنترنت إلى شريان حياة لآلاف من صغار مزارعى الكاكاو والبن بالقرى والريف والمناطق البعيدة، وأصبحوا يستخدمونها فى التسويق والتوزيع والوصول للأسواق الخارجية والحصول على المعلومات الخاصة بالإرشاد الزراعى والإنتاج، ولم يعد ممكنا الاستغناء عنها، وفى كمبوديا تستخدم الإنترنت من أجل تدعيم قدرة سكان القرى البعيدة والمعزولة على ممارسة حقوقهم السياسية والمشاركة في العملية الديمقراطية.
وقد فرضت هذه الأمور حقائق جديدة غيرت المعادلة الثنائية التقليدية القائمة على أن عنصرى الخبز والحرية هما الأصلح للتعبير عن حقوق الإنسان وصيانتها، ودفعت إلى الساحة بمعادلة جديدة ثلاثية الأطراف تقضى بأنه فى العصر الرقمى ومجتمع المعلومات العصرى لم يعد مطلوبا من الدولة أن توفر لمواطنيها الخبز والحرية فقط، بل لابد أن يكون معهما طرف ثالث هو المعلومة والبيان والحاسب وشبكة المعلومات والاتصالات.
لذلك صدرت أثناء دورتى انعقاد القمة العالمية لمجتمع المعلومات فى جنيف 2003 وتونس 2005 وما بعدهما العديد من الوثائق والمبادرات والقوانين الدولة المتعلقة بحقوق الانسان فى العصر الرقمى ومجتمع المعلومات، ويعد الإعلان العالمى لمجتمع المعلومات الصادر عن الدورة الأولى للقمة مثالا بارزا فى هذا الصدد، وأذكر أننى ارودت فيما كتبته عن أعمال القمة أن فكرة الحرية وحقوق الإنسان الرقمية ـ وأبرزها الحق فى الوصول والحصول على المعلومات ـ كانت هى روح الإعلان، فالبند الأول فى الإعلان الذى تحدث عن الرؤية المشتركة عالميا لمجتمع المعلومات قال: مجتمع المعلومات يرتكز على الناس ويستطيع كل فرد فيه أن يخلق المعلومات والمعارف وأن ينفذ إليها وأن يستخدمها ويتقاسمها»، والمعنى هنا أن ركيزة مجتمع المعلومات أن يكون الفرد متمتعا بحق توليد واستخدام وتقاسم المعلومات، ثم اكد البند الثانى من الإعلان المعنى نفسه مرة أخرى قائلا: «يقوم مجتمع المعلومات الذي ننشده على المبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأن يكون قادراً على تحقيق النفاذ الشامل إلى المعلومات واستخدامها في خلق المعارف وتجميعها ونشرها».
وفى البند الرابع من الإعلان ارتفعت درجة وضوح هذه الروح بشكل كبير، حيث جاء فى هذا البند أن الحرية والحق في الحصول على المعلومات هو الفرضية المنطقية الضرورية التى يقوم عليها مجتمع المعلومات، ويقول نص هذا البند «إن حرية التعبير وحرية الرأي، والحق في استقاء المعلومات والأفكار وتلقيها ونشرها بغض النظر عن الحدود الجغرافية على النحو المكرس في المادة 19 والمادة 29 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هي الفرضية المنطقية الضرورية التي يقوم عليها مجتمع المعلومات». 
وتكرر الحديث بشكل أو بآخر عن حق الوصول للمعلومات والحصول عليها مرات أخرى عديدة، منها البند الخاص بتعزيز استخدام تكنولوجيا المعلومات في مراحل التعليم والتدريب وتنمية الموارد البشرية، وفى البند الخاص بالعلاقة بين مجتمع المعلومات والحكم السليم والديمقراطية، وتعزيز العلاقات مع المواطنين، وأيضا في البند الخاص بتوحيد المقاييس والمعايير المستخدمة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، حيث يركز على ضرورة تبنى المعايير المفتوحة التى يمكن استخدمها بقدر اكبر من الحرية عند الاختيار والتشغيل حيث يذكر هذا البند أنه ينبغي التركيز بشكل خاص على وضع مقاييس دولية وعلى وضع مقاييس مفتوحة قابلة للتشغيل البيني وغير تمييزية وتدفعها قوى الطلب، وفى البند 46 يعاود الإعلان التركيز من جديد وبشدة على حق الوصول للمعلومات والحصول عليها، قائلا: لا بد لأي مفهوم لمجتمع المعلومات من وجود وسائط مستقلة وتعددية وحرة وفق النظام القانوني لكل بلد على أساس الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وخاصة منه المادتين 19 و29، ينبغي أن يتاح للأفراد ووسائط الإعلام النفاذ إلى المعلومات المتاحة، فمن المبادئ المهمة لمجتمع المعلومات حرية النفاذ إلى المعلومات واستعمالها، من أجل إقامة المعرفة وتراكمها ونشرها.
وقد تواصل الاهتمام بحقوق الإنسان فى العصر الرقمى ومجتمع المعلومات بعد انتهاء أعمال الدورة الثانية للقمة فى تونس، حيث ظهرت على الساحة منظمات مدنية وهيئات دولية وإقليمية ترصد وتدقق فى حالة هذه الحقوق وأوضاعها بكل مكان بالعالم، وبدأنا نشهد تقارير دورية وشهرية وسنوية تتحدث عن انتهاكات حقوق الإنسان الرقمية جنبا إلى جنب مع تقارير رصد حالة حقوق الإنسان بشكل عام.
وفى الوقت الذى كانت حقوق الإنسان الرقمية تحظى بمزيد من الاهتمام عالميا وتجد طريقها إلى الاتفاقات الدولية والدساتير والقوانين الوطنية، لم يكن أحد فى مصر والمنطقة العربية يعبأ ككل بهذا الأمر، ففى التعديلات الدستورية التى اجراها النظام السابق على دستور 1971 لم يأت ذكر هذه الحقوق على شفاه أحد، لا من الحكم ولا من المعارضة ولا منظمات وجماعات المجتمع المدنى، وظل الدستور لا يعبأ بهذه القضية، فعلى سبيل المثلا نجد أنه من بين 211 مادة بذلك الدستور الذى عطل بعد الثورة، كانت هناك ثلاث مواد ذات علاقة واهية وضعيفة جدا بالحقوق الرقمية وهى:
ـ المادة 45: لحياة المواطنين الخاصة حرمة يحميها القانون، وللمراسلات البريدية والبرقية والمحادثات التليفونية وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها أو الاطلاع عليها أو رقابتها إلا بأمر قضائى مسبب ولمدة محددة ووفقا لأحكام القانون. 
ـ المادة 207: تمارس الصحافة رسالتها بحرية وفى استقلال فى خدمة المجتمع بمختلف وسائل التعبير، تعبيرا عن اتجاهات الرأى العام واسهاما فى تكوينه وتوجيهه، فى اطار المقومات الأساسية للمجتمع، والحفاظ على الحريات والحقوق والواجبات العامة، واحترام حرمة الحياة الخاصة للمواطنين، وذلك كله طبقا للدستور والقانون. 
ـ المادة 210: للصحفيين حق الحصول على الأنباء والمعلومات طبقا للأوضاع التى يحددها القانون، ولا سلطان عليهم فى عملهم لغير القانون. 
كان هذا تمهيدا أراه ضروريا قبل الإجابة عن السؤال المهم: ما هى على وجه التحديد حقوق الإنسان المصرى الرقمية التى نطالب بتبنيها فى الدستور والبرلمان الجديد؟. هذا ما أتناوله الأسبوع المقبل
 
 
 
 
قائمة حقوق رقمية مطلوب إدخالها فى الدستور الجديد

حتى لا يتحجج أحد ممن سيتولون أمر إعداد الدستور الجديد بأن قضية الحقوق الرقمية للإنسان المصرى غائمة أو غير واضحة أو لم يتصد لها أو يوضحها أحد. سأعرض الآن وفى هذا الوقت المبكر جدا - الذى لا تزال اجتماعات لجنة الوفاق الوطنى المسئولة عن وضع تصور للدستور الجديد فى بدايات عملها واللجنة التأسيسية لا تزال فى علم الغيب - قائمة بحقوق الإنسان الرقمية المتداولة فى المحافل والمنتديات والمنظمات العالمية والإقليمية المعنية بهذه القضية؛ ليتولى الخبراء الدستوريون إعادة تركيزها والتعبير عنها فى نصوص عليا داخل الدستور الجديد، بما يفتح الطريق نحو حتمية تجسيدها على نحو أكثر تفصيلا فى القوانين الأخرى التى يعتبر الدستور "أباً" لها جميعا.
تشير الوثائق العالمية المتعلقة بحقوق الإنسان الرقمية إلى أن هذه الحقوق تمضى فى مسارين الأول يركز على القضايا والموضوعات ذات العلاقة بالإنترنت وتداول المعلومات والوصول إليها وحرية التعبير داخل الشبكة وخارجها، والثانى يركز على القضايا والموضوعات ذات العلاقة بقدرة الإنسان على الاتصال والتواصل مع البيئة المحيطة به من خلال خطوط وشبكات الاتصالات والمعلومات، وهنا سنذكر الحقوق الواردة فى اثنتين فقط من هذه الوثائق على سبيل التوضيح، الأولى وثيقة تحمل اسم "إعلان الديمقراطية الرقمية"، وتنتمى للمسار الأول، وهى منشورة على موقع مركز الديمقراطية الرقمية على الإنترنت وبها عشرة حقوق هى:
1 - حق "الاتصال المفتوح بالإنترنت: الذى يفرض أن تكون شبكات الاتصالات مفتوحة ومتنافسة بما يتيح الوصول الدائم للإنترنت، ويتضمن أن يمتلك المواطنون القدرة على اختيار موفر الخدمة الذين يفضلونه، وأن تتمكن الشركة الموفرة للخدمة من العمل والتشغيل بدون أى قيود مصطنعة، يفرضها مالكو الشبكة أو الحكومات.
2 - الحق فى اتصالات غير مقيدة: ويتيح هذا الحق لكل إنسان نقل أى رسالة إلى أى إنسان آخر دون تدخل من أحد، سواء الحكومات أو مشغلي الشبكات.
3 - الحق فى شبكات مجتمعية قوية: أى أن توفر له الدولة شبكات معلومات واتصالات مجتمعية مؤسسية عالية السرعة تربط الهيئات المحلية والمؤسسات الاجتماعية وخادمات بث الوسائط التى توفر برامج غير تجارية وقنوات متطورة للوصول إلى الحكومة والتعليم والخدمات العامة بحيث توفر اتصالات مزدوجة لكل قطاعات المجتمع.
4 - الحق فى حصة بالتليفزيون الرقمي: أى أن يستخدم جزءًا من إمكانيات التليفزيون الرقمى فى تقديم عروض عامة مثل برامج الأطفال والبرامج التعليمية والثقافية والشئون العامة، وينبغى أن تستخدم إيرادات بيع الترددات التى تتنازل عنها المحطات فى المزاد بعد اكتمال الانتقال إلى البث الرقمى فى دعم برامج الخدمة العامة للمواطن.
5- الحق فى الخصوصية عبر الإنترنت: أى أن يتمتع الإنسان بأنظمة اتصالات آمنة من المراقبة والاستغلال بكل أنواعه، ومحمية من سياسات الحكومات والشركات بشأن الخصوصية، بما يوفر له درعا واقيا ضد المراقبة والرصد.
6 - الحق فى الترددات اللاسلكية الشائعة: ويقصد به أن تكون الترددات اللاسلكية التى لا يحتاج استخدامها إلى ترخيص متاحة لكل المواطنين بشكل متكافئ، وتخصيص جزء منها للخدمات العامة وغير التجارية.
7 - الحق فى أجهزة ومعدات خالية من القيود: أى أن تمتنع الشركات المنتجة للأجهزة والمعدات الحكومات والشركات المشغلة لشبكات الاتصالات وتوفير خدمات المعلومات عن وضع أى عوائق أو قيود تحرم الإنسان من تشغيل وضبط وإدارة الأجهزة فى منزله بطريقة مفتوحة تمامًا تناسب رغباته واحتياجاته.
8 - الحق فى برمجيات متحررة من القيود: ويقصد به ألا تؤثر أنظمة وتقنيات حماية الاستخدام وحقوق الملكية الفكرية وإدارة الحقوق الرقمية المصاحبة سلبيًا على حقوق المواطن والمستهلك المحمية بالقانون أو توسيع نطاق أو مجال سيطرة مقدم الخدمة أو السلطة أو حامل أو صاحب حقوق النسخ والنشر.
9 - الحق فى مواقع عامة على الويب: كما أن هناك مساحات عامة مثل الحدائق والمتنزهات والشواطئ والميادين فى مشهد العالم الحقيقي، من حق الإنسان تخصيص جزء من فضاء شبكة الويب لتطبيقات الاهتمامات العامة والخطاب غير التجاري، كمعلومات الجماعات والمشروعات التعليمية والخدمات الاجتماعية والتعبير الثقافى وغيرها، مما يمثل أحجار بناء الديمقراطية التى لا تخدمها عادة مواقع الويب التجارية.
10 - الحق فى خدمة رقمية عامة: أن أن يتساوى كل المواطنين فى الوصول لخدمة الهاتف العامة ليشمل خدمات الاتصالات المتطورة كذلك، وتوفير هذه الخدمات للمناطق متدنية الدخل فى الأحياء الفقيرة والقرى والمناطق المعزولة والوعرة.
وهناك وثائق أخرى تؤكد على الحقوق نفسها لكنها تضيف:
- الحق فى حرية التنقل والحق فى حرية التجمع عبر الفضاء الافتراضى.
- الحق فى حرية التعبير والوصول للمعلومات.
- حق الملكية الفكرية. 
- الحق فى التعليم والوصول لتكنولوجيا المعلومات التى يتعين أن تستخدم بلا تمييز.
وفى المسار الثانى الذى يركز على حقوق الإنسان الرقمية ذات العلاقة بقدرة الإنسان على الاتصال والتواصل مع البيئة المحيطة به، نذكر هنا الوثيقة التى كتبها هيربرت بيركيرت أستاذ قانون الاتصالات بجامعة سانت جالن بسويسرا، والتى تنقسم إلى نوعين من الحقوق، الأول هو الحقوق غير القابلة للمصادرة وليست محلا للاختيار والمفاضلة حتى من قبل الفرد نفسه، وتتضمن:
- الحق فى الدخول إلى وسائل الاتصالات: ومن مظاهره القدرة على المشاركة فى الأنشطة المتعددة للإنترنت من ترفيهية واجتماعية وثقافية، والدخول إلى وسائل الاتصالات بشكل عام.
- الحق فى الاتصال الشخصى الذاتى: أى حق الإنسان فى أن يجرى أى نوع من الاتصالات مع آخرين، وأن تكون هذه الاتصالات له هو فقط.
- الحق فى الوصول إلى المعلومات والدخول عليها: ويبنى هذا الحق على أن البيئة الاتصالية الشاملة ليست غاية فى ذاتها، وإنما هى وسيلة تتيح الوصول إلى المعلومات المبتغاة، وهذا الحق من طبيعة شاملة يتوافق مع فكرة حرية التجول المعلوماتى.
- الحق فى المشاركة الاتصالية: بمعنى إن حقوق الإنسان فى البيئة الاتصالية الشاملة يجب أن تقود إلى حقوق المشاركة فيها، ثم إن هذه الحقوق بما تتضمنه من معلومات واتصالات ومشاركة ينبغى أن تندمج فى مفهوم حقوق المواطنة. 
أما الحقوق الاتصالية الاستثنائية التى أوردها الدكتور بيركيرت فى تصنيفه، وقال إنها نابعة من طبيعة اختيارية وليست طبيعة أساسية شاملة ملزمة فتتضمن ما يلى: 
- الحق فى الخصوصية: أى إمكانية البقاء فى عزلة بعيدا عن المشاركة مع الغير.
- الحق فى الاستعارة: أى حق الفرد فى اختيار شخصية مستعارة أثناء تواصله مع الآخرين.
- الحق فى عدم الظهور: ويقصد به أننا كمواطنين يكون من حقنا فى البيئة الاتصالية أن نكون ظاهرين أو نمتنع عن الظهور "نختفي" دون أدنى تأثير للضغط الاجتماعى كما هو الشأن فى البيئة العادية، بل يمكن أيضا عدم الظهور دون أن يكون لذلك عقاب ما. 
كانت هذه نماذج يسيرة وسريعة لجانب من حقوق الإنسان الرقمية كما يناقشها ويتداولها العالم، وقد يتصور البعض أن هذه الحقوق مجرد فرضيات وأفكار نظرية لا أكثر، وهذا اعتقاد خاطئ، فهناك العديد من البلدان التى وضعتها موضع التطبيق فى دساتيرها وقوانينها، وهناك أيضا عشرات المنظمات والمؤسسات الدولية المعنية بأوضاع حقوق الإنسان بدأت تتحرى وترصد مدى احترام الحقوق الرقمية فى بلدان العالم المختلفة، وفى مقدمة هذه المؤسسات منظمة "هيومان رايتس ووتش" التى اعدت الكثير من الدراسات حول أوضاع حقوق الإنسان عبر الإنترنت بالعالم، واحتوت هذه الدراسات على منهجيات لقياس مدى احترام حقوق الإنسان الرقمية، من بينها استطلاعات رأى تتحرى وترصد ما يلى:
- القوانين والضوابط التى تحكم محتوى المعلومات والاتصالات عبر الإنترنت بكل دولة.
- مدى الحرية فى الوصول إلى الإنترنت والمعلومات.
- الموافقات الحكومية المطلوب الحصول عليها قبل الوصول للإنترنت أو قبل إنشاء أى موقع.
- المعلومات المطلوب من موفرى خدمات الإنترنت تقديمها إلى السلطات حول المواطنين المشتركين لديهم.
- القوانين التى تنظم استخدام التشفير فى الاتصالات الإلكترونية والمعاملات الإلكترونية.
ـ أوضاع الرقابة على المحتوى بكل دولة.
- سياسات حجب المواقع ومراقبتها ورصدها.
- المسئولية القانونية لموفرى خدمات الإنترنت وشركات نقل البيانات.
- أوضاع الرقابة فى مواقع إدارة وتشغيل الإنترنت كمقاهى الإنترنت والمكتبات وغيرها من المواقع التى يمكن للإنسان استخدامها فى الوصول للإنترنت والمعلومات.
- أوضاع الدخول المجانى والمنخفض التكلفة على الإنترنت.
لست فى حاجة إلى القول بأن هذه الحقوق تعد حديثة بشكل كبير بالنسبة للمشرعين الدستوريين والقانونيين، الذين اعتادوا على حقوق كانت ترتبها أوضاع حقبة ما قبل ثورة المعلومات وما قبل ثورة يناير، وبالتالى يحتاج الأمر إلى التبصير بها، ليس فقط بين الجمهور العام، وإنما داخل دوائر صنع القرار والجهات واللجان المعنية بكتابة الدستور المقبل، والتحدى الأكبر هنا هو كيفية تحويل المعانى والأفكار الواردة فى هذه الحقوق إلى نصوص محكمة قابلة لأن توضع كمواد فى الدستور الجديد، وهذه مهمة تقع مسئوليتها الأولى على عاتق كل الأطراف الفاعلة فى قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وفى مقدمتها وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وما يرتبط بها من هيئات وأجهزة، ثم منظمات المجتمع المدنى العاملة فى القطاع والتى يتعين عليها التحرك بسرعة لإدارة حوار واسع حول هذه الحقوق، ثم النضال بكل جدية من أجل بلورتها والذهاب بها إلى صانعى وواضعى الدستور الجديد.


طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك