عاجل
الدوريات قضايا استراتيجية

الربيع العربي الإسلامي بين التكنولوجيا والجيوسياسة

تتعدد الأسباب وراء إنطلاق الربيع العربي من تونس بنهاية العقد الأول من الألفية الثالثة، وبلوغ أقصى مداه في مصر في 25 يناير 2011 وبفارق أسابيع قليلة. قد يختلف المحللون في تفسير الأسباب نوعا وتأثيرا، وقد يختلفون لزمن طويل قبل سبر غور جميع الأسباب والإتفاق عليها

 الربيع العربي الإسلامي بين التكنولوجيا والجيوسياسة
اضغط للتكبير
. ولكن هناك مشهدا واقعيا حيا لتلك الثورة أجمع عليه الكثيرون ولا أعتقد أن عليه خلاف كبير، وهو أن ردود الفعل الأمريكية كانت، كما نقلتها وسائط الإعلام، تبدو دائما متأخرة بخطوة واحدة عن حركة ثورة الشباب المصري في ميدان التحرير بالقاهرة. أي أن المشهد بدا وكأن مركز الهيمنة الأمريكي بكل مكوناته المعقدة من مراكز فكرية وبحثية ومخابرات مركزية لاتعرف لقدمها موطئا ولا لسيرها إتجاها، وراحت تتبع خطى شباب التحرير خطوة بخطوة، ناهيك عن تفاجؤ وتخبط وإنهيار الأطراف المحلية المهيمن عليها بكل أدواتها القمعية والأمنية في المنطقة العربية. بدا الجانب الآخر من المشهد أن حركة الشعوب المقهورة كانت بالحس الإنساني الفطري أقدر وأسرع في الإمساك باللحظة التاريخية دون ما مراكز للفكر أو البحث أو الإستخبار! إلا أن هناك منحى عكسي ومتناقض تماما مع هذا المشهد بجانبيه، وقد تبدى في ما تم نشره إعلاميا قبيل إنطلاق شرارة الثورة في تونس مباشرة! فقد أصدرت مجلة فورين بوليسي الأمريكية الجزء "89" برقم "6"، عن شهري نوفمبر وديسمبر 2011، بعنوان "العالم أمامنا". خُصِص هذا الإصدار لتحليل نتائج العقد الأول من الألفية الثالثة ويستشرف العقد التالي! وإحتوى على مقالات متعددة غطت معظم مقومات السياسة الخارجية الأمريكية من شئون سياسية وإقتصادية وإجتماعية وتكنولوجية وغيرها. بدا المشهد المتناقض مع ما يوحي به مشهد قيادة ميدان التحرير لحركة الحدث الكبير في مقال بعنوان "التمزق الرقمي" كتبه كل من إيريك شميدت الرئيس التنفيذي لشركة جوجل، عملاق الإنترنت الشهير، و جيرد كوهين مدير الأفكار بنفس الشركة!. وقد يكون جديرا بالذكر أن الصحافة الأمريكية نشرت في 2 ديسمبر 2011، وأثناء كتابة هذا المقال، أنه قد تم إختيار جيرد كوهين ضمن قائمة أكثر 7 شخصيات قيادة وتأثيرا في أمريكا عن عام 2011، ومن المشرف أن يكون الدكتور أحمد زيل ضمن هذه القائمة. يتبلور التناقض في أن المقال المنشور قبيل الربيع العربي مباشرة يتنبأ بالحدث تحديدا وبدقة من حيث هو فعل آت لا محالة، إلا أنه لم يحدد زمن ذلك الفعل! فهل كانت حركة الشباب في كل من تونس وميدان التحرير بالقاهرة مقودة بشكل غير مباشر من قبل "جهات خارجية" كما إدعت نظم الإستبداد الحاكمة دفاعا عن نفسها في وجه الثورة؟! في ذلك المقال؛ "التمزق الرقمي"، طرح الكاتبان فكرة جديدة تماما وهي أن هناك قوة أو سلطة سياسية جديدة قد ظهرت وفرضت نفسها على باقي السلطات التي تشكل الدولة، أي دولة، وهي السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية مع السلطة الرابعة وهي الصحافة والإعلام. هذه السلطة الجديدة هي سلطة "التواصل" أو القدرة على التواصل، وهي قدرة تولدت من رحم التكنولوجيا الرقمية، أي الحاسب الآلي، ممثلة في تطبيقات شبكة الإنترنت وتحديدا فيما يعرف بالفيس بوك والتويتر واليو يتوب. يبدأ المقال بتقرير: "أن قوة تكنولوجيا الإتصالات – الأدوات التي تصل بين الناس وكمية هائلة من المعلومات وبين الناس وبعضهم – سوف تجعل القرن الواحد والعشرين كله مفاجآت! فسوف يتم ضبط الحكومات على غفلة عندما تخرج أعداد كبيرة من مواطنيها مسلحين بلا شئ حرفيا سوى هواتفهم المحمولة، يشاركون في تمردات صغيرة تتحدى سلطة تلك الحكومات. وبالنسبة لوسائط الإعلام فإن التقارير سوف تصير بإضطراد عملا مشتركا بين مؤسسات الأخبار التقليدية والعدد المتزايد بسرعة من الصحفيين المواطنين". ليس من المفاجأة إذن وطبقا لتلك المقدمة أن تنفجر ثورتا تونس ومصر خلال أسابيع من نشر ذلك المقال! وأن نتعلم كمشاهدين أهمية التقارير والمقاطع المصورة المنقولة عبر الإنترنت في صنع الأحداث وليس فقط في تسجيلها. في مقطع آخر ذي دلالة واضحة يؤكد كل من شميدت وكوهين: "بالرغم من أنه في الواقع فإن الحكومات والقطاع الخاص سيستمران في إمتلاك القوة الأعظم، فإن أي محاولة لفرض التحدي السياسي والإقتصادي عن طريق تكنولوجيات الإتصال سوف يفشل بدون الإنخراط العميق للقوى الأخرى الصاعدة في هذا المجال – وبالتحديد، المنظمات غير الحكومية والنشطاء. إن الفعل الحقيقي في "دولة التواصل" تلك يمكن أن تجدها في المكاتب المتشنجة في القاهرة، وفي غرف المعيشة الخاصة في أمريكا اللاتينية وفي شوارع طهران. من تلك المواقع وغيرها، يقوم النشطاء ومهاويس التكنولوجيا بتجييش وتعبئة ‘الجماهير الحاشدة المفاجئة‘ التي تهز قواعد الحكومات الإستبدادية، وبناء أدوات جديدة لإختراق برامج الحماية والرقابة الإلكترونية، وإذاعة التقارير والصور عبر تويتر عن وثائق حقوق الإنسان في عصر الإنترنت. إذا نظرنا إلى تلك الجهود كل على حدة، فقد يبدو الأمر غير عملي أو غير مهم، ولكنها لو أخذت مجمعة فسوف تمثل تغييرا ذا دلالة قوية في العملية الديموقراطية.............في الجانب المضئ فإن إنتشار التكنولوجيا في الأمم المتواصلة جزئيا مثل مصر تعمل على كسر الحواجز التقليدية مثل العمر والجنس والمستوى الإجتماعي." بقراءة هذا المقطع لابد وأن يستعيد القارئ كل تلك التقارير والتحليلات التي صدرت ومازالت تنشر إعلاميا عن دور المنظمات غير الحكومية والنشطاء في صنع الربيع العربي، وتلك الإتهامات التي وجهت للشباب في ميدان التحرير بالعمالة لأطراف خارجية! إتهامات وصلت بالعديد ومنهم الشهير "وائل غنيم" الذي يعمل بالفعل في شركة جوجل! إلى محاكمات عسكرية والزج بهم خلف القضبان! إلا أن التهم الفعلية التي وجهت إليهم لم تشمل أبدا أي نوع من "العمالة الخارجية"! إن شميدت وكوهين يصفان ما حدث في ميدان التحرير بمنتهى الدقة قبل أن يحدث بشهرين!، بل وأتيا على ذكر القاهرة ومصر تحديدا، ولكن المجلس الأعلى العسكري في مصر بعد ثورة 25 يناير والذي تولى السلطة في مصر بحكم الظرف التاريخي - بغض النظر عن السجالات الدستورية في ذلك - لم يعلن أبدا عن إثبات أي صلة مباشرة بين الثورة والعمالة رغم كثرة الإتهامات الجزافية في إعلام الثورة المضادة وحتى من بعض من أعضاء المجلس الأعلى العسكري نفسه!. هذا وللمفارقة التاريخية، فإن المؤسسة العسكرية هي التي إعترفت بالثورة وإنضمت إليها في الوقت المناسب، تضامنا أو إضطرارا، فوقعت في متناقضة لا مفر منها، بين تبني الثورة بالأمر الواقع من جهة، وإتهام شباب الثورة بشكل غير مفهوم أو مبرر حتى الآن من جهة أخرى. من هنا جاءت الإتهامات تلفيقية ومن قبيل تلك التهم المبتذلة والجاهزة سلفا بالعنف ومقاومة أو إهانة السلطات! إن هذه المتناقضة غير المفهومة لابد وأن تحيلنا إلى مستوى آخر من التحليل في محاولة الفهم لسلوك المجلس الأعلى العسكري في مصر الذي بدا لمعظم المصريين غير مفهوم، بل ووصل الإمر إلى إتهامه بالتواطؤ مع النظام المستبد القديم والثورة المضادة، بل ونادى ميدان التحرير بسقوط "المشير" مثلما فعل مع مبارك المخلوع. لم يخفف من الإحتقان إلا بدء الإنتخابات البرلمانية مؤخرا تحت حماية الجيش أساسا، ونجحت إلى حد مذهل بل ومفاجئ. لا أعتقد في جدوى محاولات قراءة هذا المشهد على مستوى الأحداث اليومية وأخبار الإعلام وتحليلات خبراء الفضائيات التي تلهث وراء الربح والإنتشار في "مولد الثورة". إن معظم التحليلات المطروحة لفهم المشهد، أسبابه ونتائجه المستقبلية، لم تتخط القشرة التكتيكية للأحداث، بل إنني لا أذكر أحدا أتى على ذكر لفظة "جيوسياسة" أو "جيوبوليتيك" أو "جيوستراتيجي" في كل هذا السيل الإعلامي الهادر بشأن الربيع العربي، ربما مرة واحدة فقط سمعتها على قناة الحوار اللندنية! هذا رغم أن الجيوسياسة قد تكون هي المدخل الاقرب لقراءة وفهم هذا الإنقلاب التاريخي. إن التكنولوجيا وحدها لا تصنع الحدث ولا التاريخ، وإنما هي العامل الأكثر تأثيرا من محركات التاريخ المتعددة من سياسية وإقتصادية وإجتماعية، وخاصة جيوسياسية، وهي موضوعنا هنا. يقر بذلك كاتبا المقال؛ شميدت وكوهين حيث يقولا: "...لسنا ندعي هنا أن تكنولوجيات الإتصال سوف تقوم بتغيير العالم وحدها، ولكنها توفر طريقة جديدة لممارسة واجب حماية المواطنين حول العالم والذين تساء معاملتهم من قبل حكوماتهم أو يمنعون من إبداء آرائهم." لم يخترع كل من شميدت وكوهين دور التكنولوجيا في صناعة التاريخ، ولم يدعيا ذلك. فقد سبقهم إلى ذلك عالم الجيوسياسة الروسي كوندراتيف في دوراته المشهورة بإسمه، والتي تشكل أهمية كبيرة للجغرافيا السياسية لأنها تساعد في توليد دورات السلوك السياسي. حدد كوندراتيف أربعة دورات تاريخية رئيسية من منطلق التطور التكنولوجي بدءا من عصر الثورة الصناعية في نهاية القرن الثامن عشر 1780. بدأ كوندراتيف بأول دورة وكانت على إثر إختراع الآلة البخارية وصناعة القطن بقيادة بريطانيا منذ 1780 وحتى 1848، ثم الدورة الثانية مع إختراع السكك الحديدية والصلب بقيادة بريطانيا أيضا منذ 1852 وحتى 1896، ثم الدورة الثالثة مع إختراع الكهرباء والسفن البخارية العملاقة بقيادة الولايات المتحدة وألمانيا منذ 1896 وحتى 1945، ثم الدورة الرابعة مع إختراع وصناعة البتروكيماويات بقيادة الولايات المتحدة كقوة عظمى منذ 1945 حتى تاريخ مفتوح لم يحدده كوندراتيف. أما الدورة الحالية للتاريخ فهي تبدأ فيما بعد 1973 ومن منظور تكنولوجي فهي ترتبط بالتكنولوجيا الفائقة وتكنولوجيا المعلومات التي تعرض لها شميدت وكوهين. ترتبط بتلك الدورات التاريخية دورات سلوك سياسي تتمثل أهمها في الهيمنة، فنجد أن دورة الهيمنة خلال الدورة الأولى والثانية هي للإمبراطورية البريطانية، بينما تتحول دورة الهيمنة الثانية للولايات المتحدة إعتبارا من الدورة التاريخية الثالثة بدءا من عام 1890. تمر كل دورة هيمنة بمراحل صعود وإنتصار ونضج ثم إنحدار، وهذا ما إنطبق بالكامل على الإمبراطورية البريطانية التي إنتهت بصعود الهيمنة الأمريكية والتي بدورها مرت بمراحل الصعود والإنتصار والنضج وبدأت مرحلة الإنحدار إعتبارا من 1973، إلا أن دورة الهيمنة التالية لم تتضح معالمها بعد. كان ذلك حديثا عن دورات تاريخية من حيث البعد الزماني، فماذا عن البعد المكاني؟ بمعنى أين تقع أماكن الهيمنة؟ يجيب علم الجغرافيا السياسية على هذا السؤال من خلال نظرية "قلب الأرض" للسير جون هالفورد ماكندر والتي تقول بأن: • من يسيطر على شرق أوروبا يسيطر على قلب الأرض (أوراسيا: غرب آسيا وشرق أوروبا) • من يسيطر على قلب العالم (أوراسيا) يسيطر على جزيرة العالم (قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا) • من يسيطر على جزيرة العالم يسيطر على العالم كله والآن ما علاقة كل هذا بالربيع العربي؟ إن العالم العربي يقع على الحافة الجنوبية لمنطقة أوراسيا، ولابد لأي قوة هيمنة لكي تسيطر على أوراسيا أن تتحكم في تلك الحافة وهذا ما أعطى للشرق الأوسط وفي قلبه مصر الأهمية الإستراتيجية عبر التاريخ. فبعد غياب الحضارة الفرعونية أصبحت مصر ممرا للغزوات الغربية وصولا للشرق بدءا من الإسكندر المقدوني الذي نجح في الوصول إلى الهند ثم نابليون الذي تعثر في مصر بسبب تدخل بريطانيا التي إحتلت مصر وفلسطين بعد ذلك وغيرهما من دول المنطقة لكي تؤمن طريقها للسيطرة على أوراسيا حتى أفغانستان وتوطد إمبراطوريتها وهيمنتها. بعد ذلك إحتل أفغانستان الإتحاد السوفييتي بنهاية الحرب الباردة ضد إستراتيجية قوة الهيمنة الجديدة؛ الولايات المتحدة وذلك في مطلع ثمانينيات القرن الماضي. مثَّل هذا الإحتلال نقطة تحول تميزت بأول إستخدام موسع لقوى الهيمنة الأمريكية للإسلام كعقيدة في حربها ضد الإتحاد السوفييتي طوال الثمانينيات. ومع خروج السوفييت من أفغانستان ثم سقوطه نهائيا من التاريخ عام 1989 كان لابد لقوى الهيمنة من وجود عدو يبرر تدخلها في أوراسيا مرورا بالعالم العربي، فكان الإسلام هو العدو المرشح لهذا الدور بإمتياز. من ثم إنقلبت سياسة الولايات المتحدة نحو الإسلام رأسا على عقب طوال عقد التسعينيات والعقد الأول من القرن الواحد والعشرين، فصعد إلى واجهة السياسة العالمية الإرهاب الإسلامي ممثلا في ظاهرة بن لادن وطالبان تلامذة المخابرات المركزية نفسها! من خلال واقعة 11 سبتمبر الأشهر!. ثم إنتهى دور الإرهاب الإسلامي بعدما إستنفذت الولايات المتحدة كل وسائلها ومواردها في الحرب في كل من أفغانستان والعراق وإنتهى الأمر بالإنسحاب الذي تقرر ليكون في العام 2012، بعدما وصلت لأقصى ما يمكن تحقيقه بالغزو والإحتلال. على صعيد آخر، فمنذ أيام قليلة وبأواخر شهر نوفمبر الماضي (2011) وفي غمرة ضبابية أحداث الربيع العربي وصعود تيار الإسلام السياسي لم يلتفت الإعلام العربي إلا قليلا جدا (قناة الجزيرة) إلى حدث جيوسياسي ضخم، حيث قررت الولايات المتحدة تزويد القاعدة العسكرية بإستراليا بـ 2500 جندي مارينز أمريكي. حدث ذلك في إحتفالية كبيرة بالعاصمة الإسترالية حيث أعلن أوباما أنه على الجميع أن يعلم أن الأزمة الإقتصادية في أمريكا لن تمنعها من الإنتشار العسكري في نطاق جنوب شرق آسيا لتأمين مصالحها الإقتصادية، والمعني بهذا التحدي هو الصين طبعا. بهذا وطبقا لنظرية ماكندر فإن أمريكا بعد إنسحابها المزمع من أفغانستان والعراق، قد إنتقلت بثقل قواتها على الأرض من الحافة الداخلية لأوراسيا والتي تشمل العالم العربي، إلى الحافة الكبري عبر المحيط الباسيفيكي ومركزها إستراليا، والهدف هو محاصرة الصين؛ القوة المرشحة للمنافسة على الهيمنة العالمية من الجنوب حيث الحافة البحرية الكبرى، ومن الغرب حيث الإسلام السياسي الذي يمكن تجييشه عند اللزوم. من الصعب جدا الفصل بين تلك التحركات والتغيير في المواقع والمواقف وما يجري من أحداث الربيع العربي! بعد الإتهام بالإرهاب وبعد الغزو والإحتلال كان لابد للولايات المتحدة أن تبدأ دورة جديدة مع الإسلام، دورة يعود فيها إلى موقع الصداقة والتحالف ضد العدو الجديد وهو الصين التي أصبحت مصدر قلق لقوة الهيمنة الأمريكية بالفعل بسبب نموها الإقتصادي الذي يرشحها لتتخطى القوة الإقتصادية لأمريكا بعد سنوات، وبسبب بدء الصين في بناء قوتها العسكرية البحرية من العيار الثقيل، ناهيك عن مجال الفضاء. لعلنا لم ننس بعد أنه بعد إنقضاء حكم بوش واليمين المتطرف سارع الرئيس أوباما عام 2008 إلى أنقرة ثم القاهرة ليعلن تصالح قوة الهيمنة الأمريكية مع الإسلام بخطابة الشهير الذي غازل فيه العالم الإسلامي، وإختفى تعبير الإرهاب الإسلامي فجأة من كل وسائل الإعلام الغربية. بهذا التسلسل الزمني وتغير المواقف يمكننا أن نتصور دون خطأ كبير أن الربيع العربي ليس مفاجأة تماما! ربما يكون مفاجأة في التوقيت، ولكن يصعب من خلال المعرفة بالجيوسياسة إعتباره مفاجأة إستراتيجية! من هنا يمكن قراءة وفهم مشهد الربيع العربي من منظور الجيوسياسة بأنه مرحلة جديدة في الجيوستراتيجية العالمية التي تمثل فيها الجيوإستراتيجية الأمريكية الفاعل الأكبر، مرحلة الإعداد للصراع مع الصين كقوة هيمنة صاعدة على تحديد ماهية قوة الهيمنة الجديدة بعد وضوح إنحدار الهيمنة الأمريكية، مرحلة تستوجب التصالح مع الإسلام وهو الجار الغربي التاريخي للصين، ثم تخطط لإستخدامه كما تم إستخدامه من قبل ضد الإتحاد السوفييتي في أفغانستان. هل معنى ذلك أن الربيع العربي هو صناعة أمريكية خالصة؟ ليس بالضرورة، فلو نظرنا على المدى القصير فستكون الإجابة بالنفي غالبا، أما إذا نظرنا على المدى الإستراتيجي البعيد فلن نجد غرابة في أن تكون الولايات المتحدة قد عملت على إنضاج الحالة السياسية في العالم العربي وجعلها قابلة للإنتقال إلى المرحلة الجديدة في الصراع على الهيمنة، أو على أقل الفروض أنها إستقرأت المستقبل وتوقعت وإنتظرت نتائج عامل التكنولوجيا كما رأينا في مقالة شميدت وكوهين في مجلة فورين بوليسي قبل الثورة، وأنها تركت التوقيت التكتيكي للشعوب العربية لكي تحدده، وأن ما بدا من تردد موقفها أثناء الثورة ما هو إلا موقف تكتيتكي تنتظر فيه من هو المنتصر، قوى الإستبداد المتحالفة معها أصلا أم الثوار الذين يمكن إحتوائهم إذا إنتصروا، وذلك في الأجواء التصالحية مع الإسلام والتي تمت بالفعل منذ عامين. ربما جاء من هنا الصعود الصاعق للإسلام السياسي والذي يبدو مفاجئا لمن لا يعرف مدى وعمق الجيوإسترتيجي. إلا أن هذا لايعني بالضرورة أن هناك تحالفا بين قوى الهيمنة وتيار الإسلام السياسي الذي يسيطر على المشهد العربي السياسي الآن، بل إن الأمر قد لا يعدو أن يكون تخطيطا طويل المدى من جانب قوى الهيمنة، إستلهمت فيه الفلسفة بدءا من أطروحة صمويل هاننجتون بشأن صراع الحضارات في مطلع تسعينيات القرن العشرين، وإستوعبت فيه الدورات التاريخية لكوندراتيف، وإستلهمت فيه نظرية قلب الأرض لماكندر، وطبقت فيه إستراتيجية "رقعة الشطرنج الكبرى" لأجنيو بريجينسكي مستشار الأمن القومي الأسبق وقطب الجيوإسترتيجية الأمريكية، بحيث تتغير الإستراتيجيات والسياسات عند حلول مرحلة جديدة، وكما نرى بوادرها الآن. ربما يوضح ذلك أيضا موقف المجلس الأعلى العسكري في مصر، فمن المفترض أن به جنرالات درست وفهمت جيدا مادة الجغرافيا السياسية، سواء بحكم التنشئة والتدريب في أحضان الجيش الأمريكي، أو بالخبرة المتأصلة في الجيش المصري أو بالدراسة الذاتية المحلية. إن هذا الإفتراض يستتبع تفهم المجلس لإستراتيجية قوة الهيمنة الأمريكية، وفي مقدمتها ضرورة الحفاظ على رأس الحربة لهذه القوة والمسمى بإسرائيل. وإذا ما كانت كل هذه الإفتراضات صحيحة إلى حد ما فإن المجلس يكون مضطرا إلى إتباع سياسات توازن بين كل القوى المؤثرة الآن على المشهد المصري وهي قوة الهيمنة الأمريكية ورأس حربتها إسرائيل، وقوة الحليف الجديد لتلك القوة وهو الإسلام السياسي، وقوة مصر وإستقلالها النسبي متمثلا في قوات مسلحة وطنية، هذا بغض النظر عن مسألة إمتيازات أفراد المجلس. قد يبدو الآن سلوك تيار الإسلامي متعجرفا وصادما في كثير من تصرفات بعض رموزه إنتشاءا بخمر الإنتصار أخيرا وبعد ثمانين عاما على تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، كما قد يبدو ساذجا ومزعجا في بعض تصرفات التيار السلفي الذي خرج من أحشاء الإستبداد، مما يثير نفس الأسئلة المتخوفة في كل من مصر وتونس والمغرب رغم الإختلاف النوعي بين التيارات الإسلامية والبنية الثقافية لقياداتها في كل بلد. إن الواقع الجيوسياسي والجيوإستراتيجي سرعان ما سيجبر من لا يعرفه من تيار الإسلام السياسي الصاعد بقوة وغرور بأن ينصاع إلى قوانين صراع قوى الهيمنة، وبأن يتعلم أصول الجغرافيا السياسية، هذا على فرض نجاحه داخليا في حل المأزق الأيديولوجي مع العلمانيين، وملئ الفجوة التنموية والإجتماعية، وإصلاح الوضع الإقتصادي المتردي أصلا، وتلك هي المعركة التي تشغل الرأي العام العربي في غياب المنظور الجيوسياسي. 2 ديسمبر 2011 الإسلام السياسي بين مطرقة الجيوسياسة ماهي ديانتكم؟ هذا هو السؤال الذي يراود معظم المهتمين بأبحاث الفضاء وعلم الكوزمولجي (علم الكون)، وذلك في حال أول إتصال بأي مخلوقات فضائية قد تشبه الإنسان أو لا تشبهه. وقد يكون هذا الإتصال عن طريق زيارة تلك المخلوقات لكوكب الأرض أو بسفر رواد الفضاء البشريين إلى كوكب ما في نطاق قريب داخل مجرة درب التبانة. قد يتصور البعض أن هذا الموقف هو من قبيل الخيال العلمي كما جاء في الفيلم الأمريكي الشهير "إتصال أو Contact". ولكن الذي قد لا يعلمه الكثيرون أنه منذ إنتاج ذلك الفيلم الخيال العلمي منذ 15 سنة حدث إختراق كبير في علم الكون والفضاء حيث تم التأكد من وجود كواكب حول نجوم أخرى في مجرة درب التبانة (ما يقرب من 200 مليار نجم!)، وتم بالفعل إكتشاف "ملايين الكواكب"، بمعنى معرفة موقعها في المجرة وتحليل التركيب الكيميائي لها وحالة الطقس بها ومدى صلاحيتها لوجود حياة بها!، وهناك "المليارات" منها تنتظر الإكتشاف. كما قد لا يعلم البعض ان هناك في هذا الكون الشاسع أكثر من 100 مليار مجرة أخرى مثل درب التبانة، ويحتوي كل منها على متوسط 100 مليار نجم مثل الشمس!. كون يفوق قدرة العقل البشري على التصور في إتساعه ونظامه المحكم، تم ويتم إكتشاف المزيد منه كل يوم بفضل التقدم التكنولوجي المتسارع والمذهل بما ينعكس في شتى فروع المعرفة البشرية، وأول ما يخطر للبشر عند إتصالهم بحياة أخرى هو السؤال عن "إلههم"؟ سؤال يحدد الأهمية المركزية للدين في حياة البشر على الأرض، هذا رغم التناقض والتعارض أحيانا بين بعض من أهل العلم، وبعض من أهل الدين! وقد يزيد هذا البعض أو يقل بحسب الموقع في العالم المتقدم أو النامي، وبحسب الشريحة الإجتماعية والثقافية. منذ سنوات قليلة يدرس ويناقش بعض العلماء مفهوما علميا جديدا بمثابة إكتشاف وهو "حالة الفرادة الإجتماعية أو Social Singularity"، ويدور هذا التوجه العلمي حول نتائج التسارع الكبير للتطور التكنولوجي: أولا، تكنولوجيا الإنتقال والمعلومات والإتصال والتواصل الإجتماعي، وإنعكاس ذلك في تسارع التقارب البشري بين شعوب الأرض ضد طبيعة الجغرافيا، وتأثير ذلك في التمازج الثقافي والإجتماعي بحكم التاريخ، والتوحد في النظام الإقتصادي العالمي بحكم السياسة. ثانيا، وبصفة خاصة، التكنولوجيا الحيوية، وهي المعنية بتصنيع الأجزاء التعويضية البشرية أو ما يعرف بعلم السيبرنطيقا Cybernetics. وفي تلخيص قد يكون مخلا لهذا التوجه العلمي المعقد يمكننا أن نقول بأنه مع تضاعف قدرة الكمبيوتر كل 13 شهر، يتوقع وصول المجتمع البشري في القريب العاجل (2060) إلى حالة غامضة لا يمكن تصورها في فرادتها، حيث سيمتزج الإنسان بالآلة وسيصير الإنسان إلى شكل جديد غير واضح، مكون من جانب تكنولوجي وآخر حيوي. وفي النهاية سيتحول الإنسان إلى معلومات مجردة يمكن تحميلها في الكمبيوتر وبالتالي يعيش الإنسان إلى الأبد!. بلا شك فإن الناتج التكنولوجي لحالة الفرادة الإجتماعية بهذا التصور يصطدم بشدة مع المفهوم البشري للدين، أي دين، من حيث مسألة الخلود البشري تلك. وبالتالي فلا نهاية للأسئلة التي يمكن أن تنطلق من مفهوم الدين والخلق بهذا الشأن، ولا يبدو أن هناك إجابات واضحة تحسم هذا التصور حتى الآن. وهذا هو بالضبط مجال بحث العلماء: ماذا ستصير إليه العقيدة الدينية للمجتمع البشري مع هذا الإندماج التكنولوجي الحيوي غير المتصور؟...وهو سؤال يتوازي مع السؤال الذي بدأنا به عند أول لقاء بالمخلوقات الفضائية: ما هي ديانتكم؟. وهنا قد يتسائل البعض؛ وما علاقة ذلك بالمشاكل الحياتية اليومية للشعب المصري بعد إنتهاء ثورة 25 يناير في أيدي الإخوان المسلمين، مع أدائهم المشوش والهزيل حتى الآن؟ وهو سؤال مفهوم، والإجابة عليه أسهل مما قد يتصور الكثيرون، فقط أنظر للهاتف المحمول في يدك وهو يصلك بالصوت والصورة والكلمة بكل البشر وبكل مصادر المعرفة الإنسانية من علم وأدب وفن وسياسة وإقتصاد! وإرجع قليلا في الزمن قبل عشرين عاما فقط، هل كان يمكنك تصور كل ذلك من قطعة بلاستيك في حجم الكف؟ في الغالب الأعم؛ لا. وللتدليل على مقدار التسارع التكنولوجي والمعرفي، يكفي أن نعرف أن البشرية ظلت عشرات، بل مئات الآلاف من السنين تتبادل المعلومات بسرعة مشي أو جري الإنسان أو الدابة، ولم تتغير تلك السرعة إلا منذ إكتشاف الآلة البخارية منذ أقل من مائتي عام فقط! ولم يتم التبادل الإلكتروني العالمي للمعلومات إلا بعد إختراع الإنترنت منذ حوالي ثلاثين عاما فقط!. وفقط تذكر دلالة هذه الأرقام: 100,000سنة (عمر الإنسان على الأرض)، 10,000 سنة (عمر الحضارة البشرية بعد اكتشاف الزراعة)، 200 سنة (عمر الآلة البخارية)، 30 سنة (عمر الإنترنت)!، ترى كم بقى من الزمن على التغيير الآتي نحو الفرادة الإجتماعية؟! إن التقدم المعرفي والتكنولوجي المتسارع يكاد يصل إلى مرحلة الإنفجار، وهو قادر بالفعل على حل جميع المشاكل البشرية المادية فيما يخص الغذاء والماء والسكن والمواصلات والتعليم والصحة وهي الحاجات الإساسية. تكمن المشكلة فقط في السياسة، وهي تسلط عدد محدود من البشر على مقادير القرية الكونية. ويتبقى مشكلة العمل والبطالة وهي مشكلة إجتماعية تشترك في غموض مستقبلها مع غموض حالة الفرادة الإجتماعية القادمة. وبالطبع فإن مصر، شأنها شأن باقي دول العالم، قد تكون الحلول التكنولوجية أسرع في تطوير وتحسين أحوال المصريين مما يتوقع من حلول الإخوان المسلمين التي لا تبدو لها ملامح بعد إتضاح وهم مشروع "النهضة" المزعوم!. قد يتصور البعض أن ما تقدمت به من الأمل في التكنولوجيا وليس الأمل في الإخوان، هو مجرد ضرب من الأحلام والهروب من إحباط الواقع المصري المكئب، ولكني أزعم عكس ذلك، ولا يتطلب الأمر أكثر من إعادة النظر إلى التليفون المحمول في يدك لتدرك تسارع التكنولوجيا في الوصول إليك وإلى حل مشاكلك أو ربما إحداث المشاكل لك!، من يدري؟! فالأمر يتوقف على مدى إدراكك لأهمية التواصل والإندماج البشري الحاصل لأهل هذا الكوكب، فمن الثابت أن دفع التطور التكنولوجي المتسارع سوف يجعل الأمر أصعب وأصعب أن تتجاهل وجود شعوب أخرى على هذا الكوكب لا يدينون بدينك!. المرونة الجيوسياسية لممثلي الأديان في ضوء توابع المسلسل الأخير من التعرض لنبي الإسلام (صلعم) بالإساءة بالكلمة والصورة، للأسف فإن ما يجري على الأرض الآن يؤكد صحة رؤية ونظرية صمويل هننجتون عن صراع الحضارات (1990) أو بمعنى أضيق: صراع الأديان!. في إطار تلك النظرية دأب الغرب بزعامة أمريكا على دعم النظم الإستبدادية في الدول العربية والإسلامية، وذلك لضمان تقييد تيارات الإسلام السياسي ومنع وصولها للحكم. نجحت الشعوب العربية في كسر ذلك القيد وفي إحداث الربيع العربي الإسلامي في تونس ومصر وليبيا، وبرز وجه الإسلام السياسي بديلا للإستبداد السابق. سارع الغرب لإحتواء ذلك الربيع. ولعل الحالة السورية تقدم أوضح صورة لحقيقة الربيع العربي من حيث تستهدف شعوب المنطقة التخلص من الإستبداد، ويستهدف الإسلام السياسي (حركة الإخوان المسلمين والتيار السلفي) الوصول للحكم والسلطة بأي شكل، بينما يستهدف الغرب إبقاء سيطرته الجيوسياسية على المنطقة رغم تغيير الطبقة أو الفئة الحاكمة، هذا وفي الجانب الآخر تقاوم كل من روسيا والصين تلك السيطرة وتقدمان البديل السياسي في الحالة السورية مقارنة بالحل الدموي والفوضوي في الحالة الليبية والذي أتاح للغرب السيطرة التامة على الحالة الليبية في إطار اللعبة الجيوسياسية بين الغرب والشرق. تشير الدراسات التاريخية للأديان السماوية الثلاثة بوضوح إلى العامل الجيوسياسي باعتباره عاملا محوريا وحاسما في تشكيل التاريخ السياسي لكل الكيانات السياسية الناشئة عن تلك الأديان - قبائل بني إسرائيل ثم مملكة إسرائيل في القدس حتى تدميرها في القرن السابع قبل الميلاد على يد إمبراطورية بابل، وعودتها بعد قرن من الأسر البابلي على يد زيروس الإمبراطور الفارسي، لتتدمر مرة أخرى على يد الإمبراطورية الرومانية في العام 70 قبل الميلاد، ثم الإمبراطورية الرومانية نفسها بعد تبنيها المسيحية في القرن الثاني الميلادي، وأخيرا الإمبراطورية الإسلامية مع مطلع القرن الثامن الميلادي- كما تشير إلى التفاعل العضوي والحيوي بين مضامين ومسارات تلك الأديان والعوامل الجيوسياسية البحتة. قد تفيد هنا الإشارة إلى الفرق الكبير بين سياسات الرسول محمد (صلعم) طوال ثلاث عشرة سنة من الدعوة إلى الإسلام في مكة، وسياساته بعدما هاجر إلى المدينة وإستقر له الحكم فيها. والفرق هو بين سياسة سلمية مستكينة من واقع ضعف حال المؤمنين في مكة حين ذاك في بدء الدعوة، فبرغم رفضه الصريح لعبادة الأوثان والدعوة المحددة للتوحيد وعبادة "الله" الإله الواحد، إلا أن شعار المرحلة كان "لكم دينكم ولي دين". هذا وفي الجانب الآخر في المدينة، نجد سياسة حركية إيجابية بدأت بالإستيلاء على قوافل تجارة قريش التي منعت حقوق المهاجرين من أن تصل إليهم في المدينة، وصارت إلى حروب للسيطرة على الأرض إنتهت بفتح مكة نفسها، ثم تطورت إلى غزو جيوإستراتيجي لكل من دولتي الروم وفارس للتمكين من الفضاء الجيوسياسي ما بين إمبراطوريات تاريخية في بابل وآشور وفارس في الشرق، وإمبرطوريات تاريخية أخرى في مصر واليونان وروما في الغرب. وتشير الدراسات التاريخية لكتاب المسيحية بعهديه القديم (التوراة) والجديد (الإنجيل) إلى الإختلاف الواضح بل والتناقض الصارخ في الجيواستراتيجيات بين مراحل الدعوة اليهودية المختلفة، ففي العهد القديم، وفي بدء تجميع قبائل بني إسرائيل بعد الخروج من مصر ودخول جنوب فلسطين، لم يهتم ملوك بني إسرائل كثيرا بنشر الدعوة خارج حدود قبائلهم في فلسطين، بل كان كل همهم هو توحيد القبائل الكنعانية فيما بين شمال وجنوب فلسطين بمعرفة الملك "إليجا" الذي قضى على عبادة الإله "بعل" في شمال فلسطين، وذلك فيما يعتبره المفسرون التاريخيون مرحلة أو سيناريو السياسة الداخلية. إلا أنه بعد توحد بني إسرائيل وإشتداد شوكتهم تطلعوا بالضرورة الجيوسياسية إلى ممارسة السياسة الخارجية لتوسيع مملكتهم، فكان أن قام الملك "جوشوا" بمحاولة إعادة توحيد بني إسرائيل في الشمال والجنوب، بأمل إستعادة مملكة وفخر بني إسرائيل، فاصطدم بالإمبراطورية المصرية في الجنوب وانهزم وقتل على أيديهم. بعده قام الملك "حزقيال" باستكمال ما بدأه "جوشوا" فاصطدم بالإمبراطورية البابلية في الشرق، حيث حدثت الطامة الكبرى لبني إسرائيل عندما دمر البابليون معبدهم وأخذوهم سبايا إلى ما بين النهرين حيث يعبدون الإله "مردوخ". هذا قبل أن يعيدهم الإمبراطور "زيروس" الفارسي بعد حوالي قرن من الزمان ليقيموا المعبد من جديد ويعبدوا الأله الواحد "يهوا"، وبالطبع لم يعترض بنو إسرائيل على عبادة الفرس الزرادشتيين لإلههم "ياهورا مازدا" لأن الفرس أصبحوا أصحاب الفضل علي بني إسرائيل!. إن هذين السردين التاريخيين من تاريخ الإسلام واليهودية، هما فقط عينة من كثير من الأحداث التاريخية التي واكبت وقت الرسالات السماوية الثلاثة، وهما يشيران إلى حقيقة تاريخية وجيوسياسية واضحة وهي أن الرسالات السماوية نفسها قد تدرجت وتوائمت مع الظروف التاريخية المختلفة باستراتيجيات مختلفة تماما طبقا للظرف التاريخي. ترى، هل تكون الرسالة قد وصلت إلى أصحاب الإسلام السياسي اليوم، إخوانا كانوا أم سلفيين؟! إن المؤشرات الأولية لمدى إدراك حكومة الإخوان في مصر للعامل الجيوسياسي في ظل هيمنة الإمبراطورية الأمريكية تقول بأنهم، أي الإخوان، قد إستوعبوا الدرس بدرجة ما، ولكنهم على ما يبدو لم يستوعبوه تماما، لأن أوباما أعلن في غضب دبلوماسي مكتوم أن مصر "ليست حليفا لأمريكا، وإن كانت غير عدو!"، وهذا مجرد تعبير سياسي، وهو وإن كان صحيحا بشكل فني وليس فيه جديد من هذا المنظور، إلا أنه لم يكن قبل اليوم صريحا إلى هذا الحد الذي يوحي بأن هناك سحابات ما غير مرغوبة تخيم على العلاقة الجيواستراتيجية لمصر بأمريكا. إن التاريخ، كما رأينا، يقول بأن التوائم مع الظرف التاريخي هو من أساسيات البقاء. وقد يقول من يعرف قصة "جوشوا" جيدا أنه لم يتوائم مع الظرف التاريخي المتمثل في هيمنة كل من الإمبراطورية المصرية والبابلية، ولذلك فقد فشل فشلا ذريعا بالمنظور السياسي والعسكري وهو نفسه قد قٌتل، بل وأنه فتح الباب إلى السبي البابلي وتدمير المعبد، الأمر الذي يعتبر أكبر إهانة في تاريخ بني إسرائيل. إلا أن المؤرخين يعتبرو جوشوا صاحب الأهمية الكبرى في تاريخ بني إسرائيل رغم هزيمته، وذلك لأنه هو الذي أحيى الأمل والإيمان بمملكة إسرائيل الموحدة، وهو الأمر الذي تحقق بعد ذلك بقرون. هل يمكن أن نسقط هذه القصة الإنجيلية التاريخية على عبد الناصر ونقول أن مقاومته للهيمنة الأمريكية، هو الأمر الذي أدى إلى هزيمة كبرى وموت عبد الناصر نفسه، ولكنه أكد على فكرة القومية العربية وحتمية الوحدة العربية؟! وهو الأمر الذي إستعصى على الإنكار وأثبت وجوده. وهل يفسر ذلك ظهور صورة عبد الناصر في الشوارع في كل المظاهرات والثورات العربية على مدى 40 عاما ومنذ رحيله عن عالمنا في 28 سبتمبر 1970؟! ربما. أعتقد أن أصحاب تيار الإسلام السياسي بتمكنهم من السلطة في مصر بعد الربيع العربي الإسلامي هم في مأزق تاريخي حقيقي، وأمام مسئولية تاريخية في منتهى الأهمية. حيث أنهم أمام خيارات مفصلية؛ أتصورها كا لآتي: أولا: عليهم أن يتوائموا مع قوى الهيمنة العالمية غربا والقوى الكبرى المناوئة شرقا (أنظر التأكيد على أمن إسرائيل، وزيارة مرس للصين، وعدم زيارته لروسيا!، وغضب أوباما على مصر). وألا يصطدموا بها اصطدام جوشوا أو عبد الناصر. ثانيا: عليهم أن يحلوا إشكالية التصادم مع العلمانيين بشتى أطيافهم، لأن مثل هذا التصادم يحمل في ثناياه، شئنا م أبينا، تصادما من منظور ما مع العلم الحديث، وبذلك يشكل تناقضا صارخا يميز تيار الإسلام الإسلامي من حيث إستخدامه للعلم ومنتجاته التكنولوجية، مع رفض منهجه وبعض نظرياته (النشوء والإرتقاء مثلا). هذا التناقض مع منهج العلم يبدو في ترديدهم أن الإسلام يدعو إلى العلم، وهو الأمر الصحيح والمفهوم، ولكنه غير مطبق بمنهجية العلم وإنفتاحه مع صرامة البحث العلمي. ثالثا: عليهم أن يتمكنوا من المصالحة الداخلية بين فصائلهم ما بين متشدد ومتفهم في مسألة "التفسير الديني" للموقف السياسي المتوائم! وفي قلبه مسألة القدس المحتلة. والموقف من العلم من ناحية أخرى. وهنا، فيما أرى، تقع مسئوليتهم التاريخية الكبرى، ما بين مطرقة الجيوسياسة وسندان التكنولوجيا. مسئولية الحفاظ على قوة العقيدة الإسلامية من خلال تفسير عصري لها يمكنهم من التوائم الجيوسياسي من ناحية، ومن الإنفتاح على العلم وتطبيقاته التكنولوجية المتسارعة والقبول والتوائم مع الآثار الإجتماعية والثقافية المترتبة على ذلك، والمتمثلة في التصور المستقبلي الغامض لحالة الفرادة الإجتماعية في كوكب إنضغط فيه الزمان والمكان والتكنولوجيا بحيث أصبح الكوكب في حجم كرة البنج بونج حقيقة، في كون تتزايد المعرفة به بشكل إنفجاري منذ إكتشاف نظرية "الإنفجار العظيم". حالة هي اليوم علم يشبه الخيال العلمي، وغدا قد تكون حقيقة مذهلة! أما إذا فشلوا في تحقيق ذلك، فالتاريخ ملئ بصفحات بيضاء لم يسجل فيها أصحابها أي شئ!! 20 سبتمبر 2012
طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك