عاجل
المقالات

القوة السياسية لوسائل الإعلام الاجتماعية: التكنولوجيا، مجال النشاط العام والتغيير السياسي

في 17 كانون الثاني (يناير) 2001 خلال محاولة إقالة الرئيس الفلبيني جوزيف استرادا، من منصبه صوت الموالون له في الكونغرس الفلبيني ضد عرض الأدلة الرئيسية التي تدينه. وفي أقل من ساعتين على إعلان هذا القرار،

القوة السياسية لوسائل الإعلام الاجتماعية: التكنولوجيا، مجال النشاط العام والتغيير السياسي
اضغط للتكبير

 

 

 

  تجمع آلاف الفلبينيين في ابيفانيو دو لوس سانتوس مكان تقاطع الطرق الرئيسية في مدينة مانيلا وقد أغضبهم بأن رئيسهم المتهم بالفساد يمكن أن ينجوا من التهمة. وكان المحتجون قد نظموا أنفسهم، جزئيا، بواسطة الرسائل النصية. وقد تضخم الحشد بسرعة وفي أيام قليلة وصل إلى أكثر من مليون شخص سدوا الطرق في وسط مانيلا.

إمكانية الجمهور على تنسيق مثل هذا الحملة الضخمة والسريعة – حوالي سبعة ملايين نص رسالة أرسلت في ذلك الأسبوع- أنذرت مشرعين البلد بأن عليهم عكس المسار والسماح بتقديم الأدلة. ونتيجة ذلك تحدد مصير استرادا وفي 20 كانون الثاني (يناير) خرج من السلطة. هذا الحدث مثل وللمرة الأولى مدى مساهمة وسائل الإعلام الاجتماعية في الإطاحة بزعيم وطني من منصبه. وقد اتهم استرادا بنفسه جيل الرسائل النصية بأنه هو الذي أسقطه.

منذ انتشار الانترنت في أوائل التسعينات، نمت شبكات السكان المرتبطة به في العالم من ملايين قليلة إلى المليارات. وخلال نفس الفترة، أصبحت وسائل الإعلام الاجتماعية حقيقة من حقائق الحياة بالنسبة للمجتمع المدني على مستوى العالم، والتي تشمل العديد من الأطراف الفاعلة- المواطنين العاديين، الناشطين، المنظمات غير الحكومية، شركات الاتصالات، منتجي برامج الكمبيوتر، والحكومات. وهذه المسألة تثير سؤالا يطرح نفسه على الحكومة الأمريكية: كيف يؤثر انتشار وسائل الإعلام الاجتماعية على مصالح الولايات المتحدة، وكيف ينبغي أن تكون استجابة السياسة الأمريكية تجاه ذلك ؟

كلما تصبح الاتصالات أكثف وأكثر تعقيدا، وينخرط فيها المزيد من المشاركين، كلما تحقق شبكات السكان تقدما أكبر للوصول للمعلومات، وفرصا أكثر للمشاركة في الخطاب العام، ومن ثم تتعزز إمكانية الاضطلاع بالعمل الجماعي. في الساحة السياسية، كما أظهرت الاحتجاجات في مانيلا، فإن زيادة الحريات هذه يمكن أن تساعد وبحرية تامة على تنسيق توجه الرأي العام للمطالبة بالتغيير.

إستراتيجية الفلبين هذه تم تبنيها عدة مرات من ذلك الوقت. في بعض الحالات، نجح المحتجون في نهاية المطاف، كما في أسبانيا في عام 2004، عندما جرى تنظيم التظاهرات بواسطة الرسائل النصية وقادت بسرعة إلى الإطاحة برئيس الوزراء الأسباني جوس ماريا ازنار، الذي اتهم بشكل غير دقيق مرور مدريد حول تفجيرات الانفصاليين الباسك. وفقد الحزب الشيوعي السلطة في مولدافيا عام 2009 عندما جرى تنسيق احتجاجات ضخمة جزئيا عبر الرسائل النصية، من خلال الفيسبوك وتويتر والتي اندلعت بعد الانتخابات المزورة بشكل واضح. وعلى مستوى العالم واجهت الكنيسة الكاثوليكية دعاوي قانونية حول إيوائها الأطفال المغتصبين، تلك العملية التي بدأت عندما كشفت صحيفة بوسطن غلوب عام 2002 خبر الاعتداء الجنسي على الأطفال في الكنيسة ونشر في الانترنت والذي تعرض إلى فيروس في غضون ساعات.

على أي حال، هناك العديد من الأمثلة لناشطين قد فشلت ، كما جرى في بيلاروسيا في آذار( مارس) 2006، عندما نُظمت احتجاجات الشوارع (جزيئا من خلال الايميل) ضد الرئيس الكسندر لوكاشنكو لاتهامه بمزاعم تزوير الانتخابات بشكل ضخم، لكن بعد ذلك تعثرت القضية وترك لوكاشنكو في منصبه وبات أكثر تصميما من أي وقت مضى للسيطرة على وسائل الإعلام الاجتماعية. وفي انتفاضة الحركة الخضراء في إيران، خلال حزيران (يونيو) 2009 أستخدم الناشطون كل وسائل التكنولوجيا الممكنة من أجل تنسيق الاحتجاجات على الخطأ الذي حدث في عد أصوات الانتخابات لصالح مير حسين موسوي لكن في النهاية تم اللجوء إلى حملة عنيفة ضدهم. كذلك انتفاضة أصحاب القمصان الحمر في تايلاند عام 2010 كانت بشكل مماثل لكن بطريقة سريعة حيث استخدم المحتجون وسائل الإعلام الاجتماعية بمهارة واحتلوا وسط مدينة بانكوك حتى فرقتهم قوات الحكومة وقتلت العشرات منهم.

استخدام وسائل الإعلام الاجتماعية- الرسائل النصية، الايميل، الصور، الشبكات الاجتماعية، وغيرها- لا تملك نتيجة محتومة واحدة. لذلك، فإن محاولات اختصار تأثيراتها على الميدان السياسي كثيرا ما تنتهي بها إلى حالة تشبه المبارزة بالحكايات. وإذا أخذ بعين الاعتبار فشل المحتجين في بيلاروسيا في الإطاحة بلوكاشنكو كنموذج، فسوف تعتبر تجربة مولدافيا كمثال منعزل والعكس بالعكس. إن العمل التجريبي المتعلق بالموضوع الذي يهدف لاستخلاص تعميمات من الصعب أن يأتي بنتائج، وذلك جزئيا بسبب أن هذه الوسائل جديدة إلى حد بعيد وجزئيا بسبب أن الأمثلة المتعلقة بها نادرة جدا.* يتمثل التوصيف الأسلم للمحاولات الأخيرة في الإجابة على السؤال المتمثل بـ هل تعزز الوسائل الرقمية الديمقراطية؟ (مثل محاولات جاكوب غروشك وفيليب هوارد) بجواب يقول أن هذه الوسائل من المرجح أن لا تأتي ثمارها في المدى القريب ويمكن أن تساعد في المدى البعيد- وهي تمتلك : تأثيرات أكثر دراماتيكية في الدول التي يستطيع فيها مجال النشاط العام أن يحد بالفعل من الإجراءات الحكومية.

بالرغم من هذا السجل المختلط، أصبحت وسائل الإعلام الاجتماعية تملك أدوات للتنسيق تُستخدم تقريبا من قبل كل الحركات السياسية في العالم، تماما كما بالنسبة لمعظم الدول ذات الحكومات الاستبدادية حيث مع زيادة أعداد الدول المتحولة إلى الديمقراطية تحاول هذه الحكومات الحد من الوصول إلى هذه الوسائل. وكاستجابة لذلك، ألزمت الولايات المتحدة نفسها "بحرية الانترنت" كهدف سياسي محدد. إن النقاش الدائر حول حقوق الناس باستخدام الانترنت بحرية يمثل سياسة مناسبة للولايات المتحدة ، بسبب إنه يتفق مع هدف استراتيجي يمثل في تقوية المجتمع المدني على مستوى العالم وكذلك بسبب أنه يمثل صدى للمبادئ الأمريكية المتعلقة بحرية التعبير. لكن محاولات دعم فكرة حرية الانترنت كأهداف قريبة المدى- خصوصا تلك المحاولات التي تكرس لبلد معين أو تلك التي تتجه لمساعدة مجموعات منشقة معينة أو التي تشجع على تغيير النظام – من المحتمل أن تكون غير فعالة في المتوسط.

رغم إن قصة الإطاحة باسترادا والحوادث الأخرى المشابهة لها قادت الملاحظين للتركيز على قوة التظاهرات للإطاحة بالحكومات، فإن القوة الكامنة في وسائل الإعلام الاجتماعية تتمثل بشكل رئيسي في دعمها للمجتمع المدني ونشاطات المجال العام- التغيير يقاس بالسنوات والعقود بدل من الأسابيع والأشهر. لذلك ينبغي على الولايات المتحدة الأمريكية أن تصون حرية الانترنت كهدف وأن تنتهج طريقة مبدئية ومحايدة في التعامل مع الأنظمة، وأن لا تستخدم الانترنت كوسيلة للتأثير المباشر في توجهات الأهداف السياسية في كل بلد. وينبغي بالمثل أن تفترض أن التقدم سيكون تدريجيا، ومما لا يثير الدهشة، بأنه سيكون بدوره أبطأ في معظم الأنظمة الاستبدادية.

 

مخاطر حرية الانترنت

في كانون الثاني (يناير) 2010، لخصت كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية كيفية تعزيز الولايات المتحدة لحرية الانترنت في الخارج. وقد أكدت على أنواع عديدة من الحريات، تشمل حرية الوصول إلى المعلومات( مثل أمكانية استخدام ويكيبيديا وغوغل في إيران)، وحرية المواطنين العاديين لإنتاج وسائل إعلام عامة خاصة بهم (مثل حقوق النشطاء البورميين)، وحرية المواطنين للتحدث مع بعضهم البعض (مثل قدرة الجمهور الصيني على استخدام الرسائل الفورية بدون تدخل).

وابرز الأمور، هو إعلان كلينتون تقديم تمويل لتطوير وسائل مخصصة لإعادة فتح موقع الانترنت في الدول التي تقيد الوصول إليها. هذه الطريقة الفعالة تجاه حرية الانترنت تركز على منع الدول من مراقبة مواقع الانترنت الخارجية مثل غوغل، يوتيوب، أو تلك العائدة إلى صحيفة نيويورك تايمز. لكنها تركز بشكل ثانوي فقط على حرية المواطنين باستخدام الانترنت في الخطاب العام وتركز بدرجة أقل من كل ذلك، على الاستخدام الخاص والاجتماعي لوسائل الإعلام الرقمية. وطبقا لهذه الرؤية، فإن واشنطن يمكن وينبغي أن تتخذ إجراءات سريعة ومباشرة ضد الرقابة على الانترنت التي تمارسها الأنظمة الاستبدادية.

هناك مبالغة في تقدير قيمة وسائل البث الإعلامي في الوقت نفسه يتم التقليل من قيمة وسائل الإعلام التي تسمح للمواطنين بالتواصل، خصوصا، فيما بينهم. وهناك مبالغة في القيمة التي يحتلها الوصول إلى المعلومات، خصوصا، تلك المتوطنة في الغرب، في حين يتم التقليل من قيمة وسائل التنسيق المحلية. وهناك مبالغة بأهمية الكمبيوتر في حين يجري التقليل من أهمية الوسائل الأبسط، مثل الهواتف المحمولة.

الطريقة الفعالة يمكن أن تكون خطرة أيضا. مثلا، إذا أخذنا بالاعتبار فشل برنامج التحايل على الرقابة المعروف بـاسم هيستاك، والذي طبقا لمنتجيه كان من المفترض أن يكون متكافئا أي يستفيد منه الطرفان المستخدمان له أي يتصف بالندية وعلاقة ذلك بكيفية تنفيذ النظام الإيراني للمراقبة على الانترنت. هذا البرنامج قد تم الثناء عليه على نطاق واسع في واشنطن؛ حتى أن الحكومة الأمريكية منحت البرنامج رخصة التصدير. لكن البرنامج لم يكن قط قد فحص بدقة، وعندما اختبره خبراء الأمن بدا بأنه ليس فقط فشل في هدفه في إخفاء الرسائل عن الحكومات لكن أيضا جعلها، على حد تعبير أحد المحللين،" من الممكن للعدو تحديد المستخدمين على انفراد على وجه التحديد." بينما بالعكس، واحد من أنجح برامج مكافحة المراقبة، المسمى فري غيت، أي المدخل المجاني تلقى دعما قليلا من الولايات المتحدة، جزئيا، بسبب التأخير الحاصل من الإجراءات البيروقراطية وجزئيا بسبب أن الحكومة الأمريكية حذره من الإضرار بالعلاقات الأمريكية- الصينية: كان البرنامج في الأصل قد أنتج من قبل فالون غونغ، وهي حركة روحية أطلقت عليها الحكومة الصينية اسم " عبادة الشر". إن تحديات برامج فري غيت وهيستاك قد أظهرت كم هو صعب استخدام وسائل الإعلام الاجتماعية من اجل تحقيق أهداف سياسة خاصة بكل بلد وعلى المدى القريب.

تفضي وسائل الإعلام الجديدة إلى تعزيز المشاركة ويمكن في الواقع أن تزيد من الحريات كما أوضحت كلينتون، تماما كما تفعل الصحافة، والخدمة البريدية، والتلغراف، وكما فعل الهاتف من قبل. أحد الشكاوي المتعلقة بفكرة القوة السياسية لوسائل الإعلام الجديدة تتمثل بأن معظم الناس يستخدمون هذه الوسائل ببساطة في التجارة، وفي الحياة الاجتماعية، أو في تسلية الذات، غير أن هذه الميزة تكون مشتركة بين جميع أشكال وسائل الإعلام. كان أكثر الناس في القرن السادس عشر وبدرجة كبيرة يقرءون الروايات المثيرة أكثر من قراءتهم لـ "الرسائل العلمية الخمسة والتسعون" لمارتن لوثر، وكان أكثر الناس وبدرجة كبيرة قبل الثورة الأمريكية يقرءون "تقويم ريتشارد الفقير" أكثر من قراءتهم لعمل لجان الانسجام. لكن مع ذلك ظلت تلك الأعمال السياسية تملك تأثيرا سياسيا هائلا.

تماما كما استفاد لوثر من الطباعة العملية الحديثة للاحتجاج ضد الكنيسة الكاثوليكية، وكما تزامنت مبادئ الثوار الأمريكيين مع استخدام الخدمة البريدية التي صممها بنيامين فرانكلين، في الوقت الحاضر، تستخدم الحركات الاحتجاجية أي وسائل ممكنة لتأطير وجهات نظرها وتنسيق إجراءاتها؛ سيكون من غير الممكن تفسير فقدان الحزب الشيوعي المولدافي للأغلبية البرلمانية بعد انتخابات عام 2009 بدون مناقشة استخدام التلفون النقال ووسائل الانترنت من قبل معارضيه من أجل تنسيق تحركاتهم. إن الحكومات الاستبدادية تعمل على إعاقة الاتصالات بين مواطنيها بسبب خوفها، وبشكل صائب، بأن التنسيق الجيد بين الجماهير سيعيق أو يقيد إمكانياتها في المراقبة.

على الرغم من الحقيقية الأساسية- المتمثلة بأن حرية الاتصالات تكون جيدة للحرية السياسية- فإن الصيغة المناسبة لفن التحكم بالانترنت لاتزال تمثل إشكالية. فمن الصعب بالنسبة لأناس غرباء عن بلد معين فهم الأوضاع المحلية للمعارضة فيه. لذلك يجلب الدعم الخارجي مخاطر تشويه سمعة حتى المعارضة السلمية عندما يجري توجيهها من قبل عناصر أجنبية. ويمكن أن يتعرض المنشقون في بلدان معينة لتأثيرات غير مقصودة من وسائل الإعلام الجديدة. إن مطالب الحكومة الأمريكية بحرية الانترنت خارج البلاد يمكن أن تختلف من بلد إلى آخر، اعتمادا على أهمية علاقاتها مع الدول، مما يقود في النتيجة إلى السخرية من دوافع هذه المطالب.

الطريقة الواعدة أكثر للتفكير بأهمية تأثير وسائل الإعلام الاجتماعية تتمثل بأن هذه الوسائل يمكن أن تعزز من دور المجتمع المدني ومجال النشاط العام على المدى البعيد: لذلك وطبقا لهذا المفهوم، فإن التغيرات الإيجابية التي تحدث في أسلوب حياة بلد معين تشمل تلك المؤيدة للتغيير في النظام الديمقراطي، تتبع بدلا من أن تسبق، تطور مجال نشاط عام قوي. وهذا لا يعني بأن الحركات العامة سوف لا تستخدم بنجاح هذه الوسائل لضبط أو حتى إسقاط حكوماتها، بل أن المحاولات الأمريكية لتوجيه مثل هذه الاستخدامات من المرجح أن تضر أكثر مما تنفع. آخذين في ضوء ذلك، أن حرية الانترنت هي عبارة عن مباراة طويلة ويمكن أن نتصور بأن الهدف منها ليس وضع أجندة منفصلة لاستخدامها بل هي تمثل مجرد مدخل هام لمزيد من الحريات السياسية الأساسية.

مسرح الانهيار

أي مناقشة للعمل السياسي في الأنظمة الاستبدادية يجب أن يأخذ في الاعتبار الانهيار المذهل للأنظمة الاشتراكية في أوروبا الشرقية عام 1989 والانهيار اللاحق للإتحاد السوفيتي عام 1991. خلال الحرب الباردة، استثمرت الولايات المتحدة في أنواع مختلفة من وسائل الإعلام، تشمل محطة إذاعة صوت أمريكا، الجناح الأمريكي في موسكو، وتهريب آلات تصوير المستندات إلى الدول الاشتراكية لدعم الصحافة السرية، مع ذلك، وبالرغم من هذا الاهتمام بوسائل الاتصالات، فإن نهاية الحرب الباردة لم تنطلق من انتفاضة مستمعي صوت أمريكا لكن نتجت من التغيير الاقتصادي. ففي الوقت الذي انخفض فيه سعر النفط ارتفع سعر القمح، حيث يتمثل النموذج السوفيتي في بيع النفط بأسعار مرتفعة وشراء القمح بأسعار رخيصة هذا النموذج توقف عن العمل. نتيجة لذلك، أضطر الكرملين لتأمين القروض من الغرب، تلك القروض التي من شأنها أن تعرض للخطر تدخل الحكومة العسكري في شؤون الدول غير الروسية. في عام 1989، يمكن للمرء أن يناقش، إمكانية المواطنين على التواصل، أخذين بعين الاعتبار دور القوى الاقتصادية الكبرى، ويتضح من المناقشة أن هذا التواصل كان خارج موضوع انهيار هذه الأنظمة.

من الممكن أن يبقى القادة على قيد الحياة أو ينجون حتى عندما يموت الملايين . ستالين فعل ذلك في الثلاثينات، وماو تسي تونغ في الستينات، وكيم يونغ يل فعل ذلك أكثر من مرة في العقدين الأخيرين. لكن كانت هناك اختلافات بين تلك الحالات وثورات 1989 فقد واجه قادة ألمانيا الشرقية، وجيكوسلوفاكيا، وبقية الدول مجتمعات مدنية قوية بما فيه الكفاية وقادرة على المقاومة. لذلك نتج عن التظاهرات الأسبوعية في ألمانيا الشرقية، وميثاق الحركة المدنية 77 في جيكوسلوفاكيا، وحركة التضامن في بولونيا ظهور حكومات ذات توجهات ملموسة كانت في الانتظار.

إمكانية هذه المجموعات المعارضة على إنتاج ونشر الأدب والوثائق السياسية، حتى باستخدام آلات تصوير بسيطة، وفرت بديلا منظورا للأنظمة الاشتراكية. وبالنسبة للمجموعات الكبيرة من المواطنين في هذه الدول، فإن الإفلاس السياسي، وأكثر أهمية من ذلك، الإفلاس الاقتصادي للحكومة لم يعد سرا ولكن أصبح حقيقة عامة. وهذا جعل من الصعب وبعد ذلك من المستحيل على الأنظمة أن تأمر جيوشها باتخاذ إجراءات ضد هذه المجموعات الكبيرة.

لذلك، حدث تغيير في توازن القوى بين الدولة والمجتمع المدني أدى إلى انهيار سلمي بدرجة كبيرة للأنظمة الاشتراكية. فقد ضعفت إمكانية الدولة على استخدام العنف، وزادت إمكانية ممارسة العنف بدرجة أقوى من قبل المجتمع المدني. وعندما أنتصر المجتمع المدني، فإن الكثير من الأشخاص الذين أعربوا عن أفكار معارضة للأنظمة الاشتراكية – مثل تاديوز مازويكي في بولندا وفاسلاف هافل في جيكوسلوفاكيا – أصبحوا القادة السياسيين الجدد لهذه البلدان. إن وسائل الاتصالات خلال الحرب الباردة لم تتسبب بانهيار الحكومات، لكنها ساعدت الناس على أخذ السلطة من الدولة عندما أصبحت في موقف ضعيف.

إن الفكرة القائلة بأن وسائل الإعلام، مثل صوت أمريكا قد لعبت دورا مساندا في التغيير الاجتماعي من خلال تقوية مجال النشاط العام تحاكي فكرة الدور التاريخي الذي لعبته الصحافة المطبوعة. كما ناقش ذلك الفيلسوف الألماني هابيرماس في كتابه الصادر عام 1962 بعنوان "تحول بنية مجال النشاط العام"، حيث ذكر بأن الصحافة المكتوبة ساعدت على دمقرطة أوروبا عبر توفير فضاء للنقاش والاتفاق وسط المواطنين العاملين في المجال السياسي، في الغالب، قبل أن تصبح الدولة ديمقراطية بشكل كامل، وانسحبت مناقشة هذا الموضوع إلى عمل علماء متأخرين، مثل اسا برغس، ايلازبيث يسنستين.

الحرية السياسية يجب أن تكون مترافقة مع مجتمع مدني متعلم بما فيه الكفاية ومترابط بشكل كثيف بما فيه الكفاية لمناقشة القضايا المطروحة للجمهور. ففي دراسة مشهورة تتعلق بالرأي السياسي بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 1948، لعالمي الاجتماع يلهو كاتز وبول لازارسفيلد اكتشفا بأن وسائل الإعلام العامة لوحدها لا تستطيع تغيير أراء الناس؛ بدل ذلك توجد عملية من مرحلتين. المرحلة الأولى، تتمثل ببث أو نقل الآراء من قبل وسائل الإعلام، وبعد ذلك تأتي المرحلة الثانية حيث يتم ترديد ما بث أو نقل من قبل الأصدقاء، وأفراد الأسرة، والزملاء. في هذه المرحلة الاجتماعية، تتشكل الآراء السياسية. وهذه هي المرحلة التي يمكن فيها للانترنت، عموما، ووسائل الإعلام الاجتماعية، خصوصا، أن تعمل بشكل مختلف. وكما هو الحال مع الصحافة المطبوعة، ينتشر الانترنت ليس كوسيلة استهلاك إعلامي فقط لكن كوسيلة إنتاج إعلامي أيضا- فهو يسمح للناس على المستوى الخاص والعام بتوضيح ومناقشة صخب الآراء المتعارضة.

إن فكرة تطور مجال النشاط العام ببطء، حيث يعتمد الرأي العام على كل من وسائل الإعلام والنقاش تشكل جوهر وجهة النظر البيئية (أي التي تأخذ في الاعتبار البيئة الاجتماعية والاقتصادية)* المتعلقة بحرية الانترنت. على العكس من رأي تعظيم الذات القائل بأن الغرب يمتلك أو يحتفظ بمصدر شفرة الديمقراطية- وإذا جعلها فقط في متناول الجميع، سوف تنهار بقية الدول الاستبدادية - وجهة النظر البيئية هذه تفترض بأن التغيير السياسي سيحدث بدرجة أقل ما لم يتم نشر وتبني الأفكار والآراء في مجال النشاط العام. حيث أن الوصول إلى المعلومات يكون أقل أهمية بكثير، من الناحية السياسية مقارنة بالوصول إلى حالة النقاش. علاوة على ذلك، من المرجح أن ينبثق مجال النشاط العام في المجتمع نتيجة استياء الناس من القضايا الاقتصادية أو يوما بعد اليوم من الحكم أكثر مما يفعل اعتناقهم للمثل السياسية المجردة.

لنأخذ مثلا معاصرا، الحكومة الصينية، حاليا، ستكون في خطر في حالة اضطرارها لتبني معايير ديمقراطية متبناة من قبل أفراد الطبقة الوسطى المنحدرين من الهان وهي المجموعة الاثنية التي تشكل غالبية السكان والتي تطالب بحكومات محلية أقل فسادا وسيكون هذا الخطر أكثر من قضية مطالب مكونات البيوغورس أو التبتيين بالحكم الذاتي. وبشكل مشابه، فإن الحملة التي وقع عليها مليون شخص، لصالح حركة حقوق المرأة الإيرانية التي ركزت على إلغاء القوانين المعادية للمرأة، كانت أكثر نجاحا في التأثير في سلوك الحكومة الإيرانية مقارنة مع مواجهات حركة الخضر المتزايدة.

بالنسبة للملاحظين الذين ينظرون بتفاؤل للتظاهرات العامة، فإنه يتبين من العمل التجريبي والنظري أن الاحتجاجات، عندما تكون فعالة، فهي تمثل نهاية عملية طويلة، وليس بديلا عنها. إن أي التزام حقيقي من قبل الولايات المتحدة لتحسين الحرية السياسية على مستوى العالم ينبغي أن يركز على أن العملية- يمكن أن تحدث فقط عندما يكون هناك مجال نشاط عام قوي.


طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك