الكتب
مراجعه كتب
"دولتي على الفيسبوك
أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب في سلسلة "مدونات عصرية" التي يترأس تحريرها الشاعر السماح عبد الله
الخليج
الأربعاء,12 ديسمبر 2012 - 09:52 ص
مشاهدات: 247
أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب في سلسلة “مدونات عصرية”، كتاباً جديداً بعنوان “دولتي على الفيس بوك” للروائية فدوى حسن، التي سبق أن أصدرت روايتين هما “فدوى” و”أو ما يشبه العشق” .
صفحات الكتاب التي تصل إلى 213 صفحة تعكس مضموناً يتماهى مع العنوان، فنحن أمام دولة (ثقافية) بهذا المفهوم، تتجاور وتتحاور عبرها الأشكال الإبداعية، في حالة نادرة من التصالح، بدءاً بالقصة القصيرة والمقاطع المختارة من روايتيها المشار إليهما، مروراً بالشعر والنقد الأدبي، وصولاً إلى الحوار الصحفي والمختارات التي تشي بذائقة مختلفة، تكشف عن ثقافة عميقة شكلت وعي ورؤية فدوى حسن .
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تختلف آليات التلقي حين تنتقل الكتابة من وسيط له اشتراطات خاصة، إلى وسيط آخر يعمل وفق أطر قارة ومحددة؟ فالفضاء الإلكتروني أو الواقع الافتراضي، وإن كان يتيح مساحة أوسع من التجريب والحرية، والتفاعل بين الكاتب وقارئه في أجواء من الحميمية، كل هذا يخلق علاقة مباشرة بين النص والقارئ والكاتب، إلا أن هذا كله قد يصنع حالة من الاستسهال، دون اعتبار للقيمة، إضافة إلى التسرع في الكتابة التي تحتاج بطبيعة الحال إلى قدر من التأمل والتأني، فأغلب الكتابات التي تحاصرنا بها شبكة الإنترنت لا تنضج على نار هادئة .
لكننا مع “دولتي على الفيس بوك” بإزاء حالة مغايرة، فالجدية في التعامل مع فكرة الكتابة هنا قاطعة، عبر تجلياتها في أدوات التعبير والصياغة المحكمة حد الإتقان، والمعنى الصافي دون تشويش، والجملة المكثفة البعيدة عن الزوائد البلاغية، وكل هذا يعكس الحالة المزاجية للكاتبة، سواء كانت تتفاعل مع أحداث عامة مثل “مذبحة ألتراس أهلاوي في استاد بورسعيد”، حيث يسبق الانفعال لحظة الكتابة، أو كانت تسجل مقطعاً كتبه آخرون، يتماس مع ما تفكر فيه أو تشعر به . بمعنى آخر لم يكن ليختلف الأمر حول القيمة والنضج الفني والمعرفي، حال اختارت الكاتبة وسيطاً إلكترونياً أو ورقياً، هذا ما تكشفه مقدمة الكتاب التي جاءت تحت عنوان “أحلام صالحة للنشر”، ففيها مبررات لجوء فدوى حسن إلى الواقع الافتراضي لتدون على صفحاته ما يخطر في بالها .
تقول الكاتبة إن شبكة الإنترنت “بالنسبة إلينا نحن الجيل الجديد المشتت بين المؤسسة الحكومية مغلقة الأبواب وبين دور النشر الخاصة كانت بمثابة المدينة المجنونة المعلقة بحبال في الهواء” .
وتضيف: “لأنني أنتمي إلى جيل يرى أنه ولد لاختراع شبكة عين يرميها على هذا العالم، اقترحت على نفسي أن أجد بديلا يأخذ مقاس فكرتي وكلماتي ويطير بها إلى آفاق ممتدة، لا أعرف لها حدودا، ولا أضطر لأن يسبقني جسدي، كان البديل “شبكة عين العالم” التي رأتنا كيتامى الكون نستعيض عن الطيران بالسقوط كأم تضع قدم رضيعها على عتبة الدنيا من دون ضجيج” .
نحن أمام رؤية مختلفة للعلاقة بين الكاتب وشبكة الإنترنت فهي ليست مجرد مساحة لتدوين خاطر سريع، إنها “المكان الافتراضي الوحيد القادر على احتوائي أنا وظلي معاً”، كما أنها “تمثل رصيداً جيداً من السعادة، يحمي من مشاق العمل الروتيني وسخافات الشارع” .
وتوضح الكاتبة: “هنا على صفحتي أصدقاء يهنئونني بعيد ميلادي وقراء يسألون عن جديدي، وآخرون يلعبون معي المزرعة السعيدة”، وفي تعبير آخر عن علاقتها بالشبكة العنكبوتية توضح أنها “وطن صنع بحجم جنوني وأحلامي، بل إنني أخذت أبتكر الحيلة وراء الحيلة ضماناً للبقاء داخل حدوده الآمنة أطول وقت ممكن”، وحتى ندرك أهمية شبكة الإنترنت بالنسبة للكاتبة تكفي الإشارة إلى مقطع كتبته على النحو التالي: “إن مت في تظاهرة، أمام وزارة الداخلية، إلى أي تيار ستنتمي جثتي؟” فمن خلال تعليقات القراء تتعرف الكاتبة إلى هويتها، وتحدد انتماءاتها .
على نحو غير تقليدي تقسم فدوى حسن كتابها إلى سبعة أقسام يحمل كل منها عنواناً دالاً، ومنها: “رامبو في زمن الثورات المغدورة، والرسائل تضل الطريق إلى هناك، وغواية اللون الأسود، وهنا بيتي . . هنا أسكن اللغة” .
يتضمن القسم الأول وعنوانه “جثة لا تنتمي لأحد” مقاطع شعرية، كتبتها الكاتبة في أوقات متباينة، تقاطعت خلالها مع ما يحدث في مصر مع اندلاع ثورة 25 يناير، حيث توضح: “في هذا الجزء من الكتاب اخترت هذه المقاطع الشعرية تحديداً في تاريخ ولحظة نشرها، لارتباطها بما تمر به مصر بعد الثورة من أحداث انعكست على حالتي المزاجية، شأن كثير من الناس فكل مقطع عبارة عن حالة عشتها، وحدث يعيشه وطن، مازال يرقب ثورته من خلف زجاج مجروح” .
هذه المقاطع تراوح بين العام والخاص، وتشير إلى انشغالات الكاتبة، وتضيف تعليقات القراء أبعاداً أخرى إلى ما نقرأه من شذرات شعرية لها علاقة باعتقال على سبيل المثال مجموعة من شباب الثورة ومحاكمتهم عسكرياً، وأحداث شارع محمد محمود، وإدارة المجلس العسكري للمرحلة الانتقالية، وسقوط الدولة ثمرة ناضجة في كف الإخوان المسلمين، أو تظاهرات الجمعة في ميدان التحرير، والتي أطلقت عليها القوى السياسية “جمعة قندهار” .
كل هذه الحالات التي تشكل المجال العام، تمارس تأثيراتها النفسية والوجدانية في الكاتبة، وهنا نختار مقطعاً كاشفاً لما يمكن أن تئول إليه حال من يتابع مثل هذه الأحداث كأن تقول صاحبة المدونة: “أي أم ولدتك أيها النوم، لأقبل قدميها، فتأذن لك بزيارتي؟” .
في القسم الثاني من الكتاب وجاء تحت عنوان “رامبو في زمن الثورات المغدورة”، تكشف فدوى حسن عن مكوناتها الثقافية التي تجلت في اختيارات من محمد الماغوط ومحمود درويش وباولو كويلو ونزار قباني وأفلاطون ورامبو ووديع سعادة أنها ثقافة تتمثل الحداثة في أعلى تجلياتها من خلال الأسماء والمقاطع المختارة .
وفي قسم آخر من الكتاب اختارت له الكاتبة عنوان “الرسائل تضل الطريق إلى هناك”، نكتشف جانباً مهماً من تجربتها الإبداعية، فقد ترجمت نصا للشاعرة “سيلفيابلاث” تسبقه مقدمة تمهد الطريق أمام القراء للدخول إلى عالم تلك الشاعرة، التي ماتت منتحرة بوضع رأسها في فرن البوتاجاز، تاركة خلفها قصاصة تقول: “عندما يذهب النوم تنتهي الحياة” .
عندما تنتهي من قراءة “دولتي على الفيس بوك”، تدرك أنك أمام شاعرة ضلت طريقها إلى الرواية، ففي كل حالة إبداعية لديها، حتى لو كانت سردا، ترى نفسك أمام شاعرة تتحرك بحرية في الواقع الافتراضي، هذه الحرية المنقوصة في كل الأحوال، تفتقدها الكاتبة في الواقع الحقيقي، لأسباب كثيرة، منها ما جاء في الحوار الصحفي الذي أجري معها في أعقاب نشر روايتها الأولى، وأعادت نشره في الكتاب، تحت عنوان “الروائية الوحيدة المنتقبة في مصر”، مصحوباً بأكبر مساحة من تعليقات القراء، وأغلبها يدور حول علاقة زي المبدع أو ما يلبسه بما يكتبه، نلتقط من هذه التعليقات ما كتبه الروائي إبراهيم عبد المجيد: “رغم أنني ضد النقاب وكتبت في ذلك كثيرا من المقالات، إلا أن العمل الأدبي بعد صدوره يكون مستقلاً عن كاتبه، ويجب أن يعامل كذلك، وأكبر آفات حياتنا الثقافية أنه كثيراً ما يأخذ العمل الأدبي قيمته من صاحبه وموقعه، أو الفائدة المرجوة منه أو حتى شكله، لكن المهم هو الاستمرار، لأن القراء ليسوا هم القريبين منا فقط” .