المقالات
تشويش
بمضمون واحد، وشكلين متقاربين إلى حدّ بعيد، تعمد قناتا «العربية» و?«الجزيرة» إلى تقديم فاصل إعلاني مضاد للتشويش، كما تعتقدان،
بشار إبراهيم
الإثنين,17 ديسمبر 2012 - 03:39 م
مشاهدات: 99
بمضمون واحد، وشكلين متقاربين إلى حدّ بعيد، تعمد قناتا «العربية» و?«الجزيرة» إلى تقديم فاصل إعلاني مضاد للتشويش، كما تعتقدان، فيقوم الفاصل على فكرة مباشرة، تتمثل في أن يقوم مذيع أساسي في القناة بشرح أسباب التشويش الفنية والتقنية، ومن ثم تقديم اقتراحات السبل الممكنة للتخلّص من آفة التشويش، بإعادة ضبط الترددات!
لا جديد في هذه الفكرة أو تلك، ولا اختلافات جوهرية بينهما، بل إن ثمة تبسيطاً شديداً يكاد يصل حدّ السذاجة، فمن تراه بات في عالم اليوم لا يعرف أسباب التشويش الفنية والتقنية، أو لا يعرف قصة إعادة ضبط الترددات الجديدة، تلك العملية التي باتت تحترفها ربات البيوت، من هواة النوع، ممن يتمتعن بأن يتحفن الأسرة كل مساء باكتشاف جديد لقناة وليدة.
لا شك في أن الحافر وقع على الحافر، بين الفاصلين الإعلانين، فما يفعله محمد كريشان على شاشة «الجزيرة»، في هذا الفاصل، لا يبتعد كثيراً عما يفعله طاهر بركة على شاشة «العربية»، والاختلاف بتفاصيل هنا أو هناك لا يغيّر من الأمر شيئاً، خصوصاً أنها في الحالين تنمّ عن عقلية تبسيطية للأمور، وتحوّل الموضوع إلى قصة القط والفأر ذاتها، فالمشوشون يطاردون القناة التي يستهدفونها، والقناة تحاولت الإفلات من قبضة التشويش، جارّة معها مشاهديها من تردّد إلى آخر.
في كل حال، يمثل بثّ هذا الفاصل شكلاً من إقرار هذه القنوات بالهزيمة الفنية والتقنية في مواجهة المشوشين، وقلّة الحيلة تجاه أفعالهم التي يعرف القاصي والداني أنها أعمال غير قانونية من حيث المبدأ، كما تكشف أن التطورات الفنية والتقنية المدهشة، في عالم البث الرقمي، ما زال من الممكن تقويضها بأجهزة بسيطة، أو بمكر ودهاء متضرر من هذه القناة أو تلك.
سبق أن قلنا، في هذا الموضع، إن قصة التشويش التي تنتمي في جانب منها إلى سيرة المنع، هي في الوقت نفسه ذات طابع سياسي، يجري التعبير عنه بالرغبة العازمة على منع وصول خطاب هذه القناة أو تلك إلى قطاعات واسعة من جمهورها المستهدف. ونقول اليوم، إذا كان من غير الممكن خضوع قنوات البثّ إلا لسياساتها واستراتيجياتها، وبالتالي حتمية عدم خضوعها لرغبات المشوشين وأهدافهم، فإن ما يقترحه هذا الفاصل الإعلاني يبقى غير ذي جدوى، إذ إنه لا يتضمّن في النهاية علاجاً للمشكلة، وإنما محاولة هروب أو تصدير لها إلى أجل قد يكون قصير جداً.
لا ندري أيّ حلّ فني وتقني جذريّ يمكن أن يتحقّق، ولا نعرف أيّ إمكانات عملية تتوافر لدى قسم الهندسة، في أي قناة، لضمان وصول بثها نقياً صافياً إلى المُشاهد المُستهدف... لكن ما نعرفه أن دائرة عمل القناة ينبغي أن تكون متكاملة «من الفكرة إلى الشاشة»، وما الاستعانة بالمشاهد نفسه لحلّ المشكلة، إلا إجراءات تدبيرية، سرعان ما سيملّ هو المشاهد، ويتعفّف عنها.