عاجل
المقالات

الحكومة الالكترونية بين العقبات ومتطلبات النجاح

تفتقر معظم الدول العربية إلى بنية أساسية قوية في مجال المعلوماتية والاتصالات، وذلك في مؤسسات القطاع العام، إضافة إلى التحديات الكبيرة التي تواجه هذه الحكومات في التطوير والربط.

الحكومة الالكترونية بين العقبات ومتطلبات النجاح
اضغط للتكبير

فى ظل ثورة المعلومات والتكنولوجيا التى شهدها العالم في العقدين الأخيرين لم تعد الحكومات بمفهومها التقليدي أمامها خيار سوى الاندماج في ذلك الفضاء الالكتروني العالمي لتحقيق بقائها واستمرارها والتكيف مع متغيرات العصر الحديث، ويعتبر تقديم الخدمات إلى المواطنين بكفاءة عالية وتكلفة اقتصادية منخفضة من أهم مقومات الحكم الرشيد في الدول المتقدمة والنامية على السواء. فلم تعد الحكومة أو الدولة مجرد دولة حارسة تدافع عن الشعب، حيث ازداد التركيز على الدور الخدمي للدولة في مختلف أنحاء العالم خاصة بعد غياب الدور الانتاجي للدولة مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادى والعشرين، عقب انحسار المبادئ الشمولية وعودة الاقتصاد الحر والليبرالية ونمو القطاع الخاص، وهو ما فرض على الدولة بقطاعاتها المختلفة العديد من التحديات المتلاحقة، حيث أصبح لزاما عليها أن تواكب التطور العالمي في مفاهيم وأساليب الإدارة وتطبيقاتها، وهو ما أدى إلى ظهور مفهوم الحكومة الالكترونية.
ولقد نجحت العديد من الدول العربية خاصة الخليجية، مثل السلطنة والسعودية والكويت والإمارات العربية والبحرين، في تحقيق إنجازات كبيرة في مسيرة الانتقال إلى الحكومة الإلكترونية وباتت تحتل مراتب عالمية.
ومفهوم الحكومة الإلكترونية أصبح يشمل طبيعة وأسلوب التعامل سواء بين الجهات الحكومية بعضها وبعض، أو بين الجهات الحكومية ومؤسسات الأعمال، أو بين الجهات الحكومية والمواطنين. ولما كانت الإدارة الحكومية تعمل في الواقع من خلال تبادل الوثائق والمستندات، أو إتاحة وتوفير المعلومات فإن التقدم التقني والمعلوماتي فتح الباب لهذا المفهوم الجديد للحكومة في التعامل مع مؤسسات الأعمال أو المواطنين والتحول إلى الصورة الإلكترونية المتكاملة، من خلال الإتاحة الكاملة والمتساوية لكل المعلومات المرتبطة بالقرارات والإجراءات الحكومية، وذلك لكل المؤسسات والمواطنين وفي التوقيتات التي تسمح للجميع بفرص متساوية في التعاملات الحكومية.
وتشمل عمليات الحكومة الإلكترونية أربعة أقسام: الأول الخدمات الالكترونية، وهي عبارة عن مجموعة الخدمات العامة التي تقدمها الحكومة للمواطنين والمؤسسات ضمن التشريعات المعمول بها في البلاد. والثاني الديمقراطية الإلكترونية والتي تتضمن عملية المشاركة الفعّالة للمواطن في عملية الحكم، من خلال الاطلاع على المعلومات الحكومية بطريقة شفافة عبر نشرها بطريقة مدروسة على الإنترنت، وتنشيط العملية الديمقراطية من خلال تشجيع نشر أجندات الأحزاب والمساهمة في نشر الثقافة السياسية وتدعيم المشاركة السياسية للمواطن في العملية السياسية وفي اختيار المرشحين ومعرفة المزيد عن برامجهم. بل إن كثيرا من الدول الآن تعتمد في التصويت في الانتخابات على التصويت الإلكتروني مثل الولايات المتحدة وهو ما يسهم في تقليل عمليات التزوير عبر التصويت التقليدي. والثالث يشمل التجارة الحكومية الإلكترونية وتسهيل عمليات إبرام التعاقدات والصفقات والتعامل مع المصارف، أما الرابع فيشمل تنمية المهارات الإدارية في القطاع العام من أجل مواكبة التغيير.
وقد تطورت الحكومة الإلكترونية في العالم العربي عبر عدة أشكال: الأول يتمثل في مجرد وجود لمواقع الوزارات على الإنترنت دون تقديم أي معلومات عن طبيعة الخدمات التي تؤديها.
والثاني يتمثل في تقديم معلومات عن الأوراق المطلوبة لأي خدمات تقدمها الوزارات المختلفة. أما الشكل الثالث فيتمثل فيما يطلق عليه الاقتصاد الرقمي، حيث يمكن لأي مواطن الحصول على جميع الخدمات الحكومية عبر حاسوبه الشخصي.
وقد ساهم نجاح تطبيق مشروع الحكومة الإلكترونية في بلدان الخليج مثلا، في توفير العديد من المزايا أهمها:
- رفع انتاجية المؤسسات الحكومية وزيادة فاعليتها، وايجاد فرص عمل جديدة للكوادر المتميزة في مجال المعلومات، وتقديم فرصة ذهبية للحكومة لإنجاز عملية الإصلاح الإدارى داخل المؤسسات الحكومية الذى كثر الحديث عنه ويواجه العديد من المشاكل.
- يمثل عامل جذب للمستثمرين الأجانب، حيث يضفي مزيدا من الشفافية والوضوح على التعاملات الحكومية. بالإضافة إلى ذلك يسهم مشروع الحكومة الإلكترونية في تحقيق هدف قومي من خلال المساهمة في وضع إحدى اللبنات الرئيسية في التحرك العربي الجماعى في المجالات الاقتصادية والتجارية والقانونية وبالطبع التنموية، فمن مزايا الحكومة الإلكترونية أنها تستطيع ربط الاحتياجات والأولويات والإمكانات العربية في شكل جماعي.
- تطوير وتبسيط إجراءات وخطوات العمل وتخفيف الأعباء الإدارية على الموظفين. والربط بين جميع الخدمات والإجراءات الحكومية بما يكفل سهولة ومرونة التعامل بين الأجهزة الحكومية.
- اعتماد مواصفات قياسية موحدة لتبادل المعلومات والبيانات بين الوزارات والجهات المختلفة، ومواكبة التطور التكنولوجى العالمي لإدارة العمل الإداري باستخدام أنظمة الكترونية حديثة.
- زيادة الشفافية وتحسين أداء العمل الإداري ومحاربة الفساد والمحسوبية. وتوفير السرية والأمان للمعلومات.
لكن مع ذلك لا تزال الحكومة الإلكترونية في العالم العربي تواجه العديد من العقبات مثل عدم توافر الأهلية والذي يعود إلى نقص العلم والمعرفة لدى الكثير في الدول العربية لإنجاح تجربة الحكومة على الصعيد الوطني والدولي، وعدم إدراكهم لأهمية بناء قدراتهم بوجهٍ عام، يضاف الى ذلك عدم رغبتهم في التغيير. والعقبة الثانية هي الفجوة الرقمية التي تعاني منها الدول العربية من حيث انخفاض نسب توفر الإنترنت والحواسيب الشخصية. فقد قدَرت منظمة UNDISA عدد مستخدمي الإنترنت العرب بنحو 10 ملايين شخص، بينما رفعت مجموعة مدار للبحث Madar Research Group العدد إلى 26.3 مليون مستخدم مع نسبة ولوج وصلت إلى 8.5% عام 2005. وحاليا لا تزيد نسبة من يمتلكون أجهزة الحاسوب عن 10% من عدد سكان العالم العربى الذى يتجاوز 300 مليون نسمة.
إضافة لذلك البنية الأساسية التقانية، حيث تفتقر معظم الدول العربية إلى بنية أساسية قوية في مجال المعلوماتية والاتصالات، وذلك في مؤسسات القطاع العام، إضافة إلى التحديات الكبيرة التي تواجه هذه الحكومات في تطوير وربط مديريات المعلوماتية في مؤسسات القطاع العام. كذلك من العقبات الأساسية أيضاً ضعف التمويل وذلك بسبب الصعوبات المالية التي تواجهها الدول العربية، حيث لا تعتبر تطبيق الحكومة الإلكترونية من أولوياتها، بل تركيزها يكون على المشروعات ذات التكلفة القليلة، لأنها تعتمد بقدْرٍ كبير على القروض الخارجية واستقدام الخبراء لأجل المشروعات التكنولوجية. وهناك عقبة غياب الأطر القانونية، فاستبدال الإجراءات الورقية مازال في البدايات، مما أدى إلى صعوبات كبيرة في مسائل التحويلات الإلكترونية والتوقيع الرقمي والخدمات الإلكترونية الأخرى. ومن العقبات المهمة للحكومة الإلكترونية ما يتعلق بالأمن المعلوماتي والحماية ضد جماعات التخريب واختراق المعلومات الحساسة للحكومة وانتهاك خصوصية المواطن بما يعرض الأمن القومي للخطر. ويتطلب نجاح الحكومة الإلكترونية في العالم العربي ضرورة تغيير طريقة التفكير الإدارية في مجال العمل العام بحيث تنتقل تدريجياً من البيروقراطية القاتلة للإبداع إلى الشفافية والاحتراف، مع أهمية دعم كبار رجالات الدولة لعملية إعادة صياغة الحكومة الكلاسيكية من جديد وتبنيهم للتغيير. كذلك أهمية أن تصل الحكومة الإلكترونية إلى جميع طبقات المجتمع من الفقراء إلى الأغنياء والتقنيين وغير الملمين بالتكنولوجيا في إطار ما يسميه عملية الاحتواء المجتمعي، وإلا سوف يقتصر النموذج الحكومي الجديد على الأشخاص المسلمين بتقنية المعلومات.
ويمكن القول أن هناك العديد من العوامل التى تتطلب نجاح الحكومة الإلكترونية في العالم العربي مثل:
1- توافر منظمة الإدارة الإلكترونية يعتمد على إعداد منظومة من البنية الأساسية والتكنولوجية، وقاعدة من البيانات والمعلومات على مستوى فني عال في الدقة والشفافية من خلال خبراء نظم معلومات حتى لا تقع في أزمة تضارب المعلومات بين الأجهزة والإدارات كعنصر مهم لإنجاح ثورة الأداء التكنولوجي، فالأمر ليس مرتبطا بوجود شبكة حسابات ذات جودة فنية بقدر ما هو مرتبط بما يحمل عليها من معلومات ذات دقة وكفاءة ومصداقية.
2- كذلك لا بد من وجود ثورة في الأداء البشري وإلا حدثت أزمة في الأداء والمردود على خدمات الجماهير.
3- الانطلاق نحو الأداء الالكتروني، يتطلب وجود مجموعة من النظم والتشريعات لضبط الإيقاع وتحديد الواجبات والحقوق.
4- وضع استراتيجية واضحة من قبل الحكومة لتكنولوجيا المعلومات وتطبيقاتها، لخلق مجتمع معلومات يقوم على احترام حق الأفراد في التعبير، وحرية تداول المعلومات في إطار قوانين وتشريعات محددة.
5- تأهيل العناصر البشرية وتنمية قدراتها لمواجهة التغيير الجديد.
6- نشر الوعي بالمعلومات الإلكترونية لبناء ثقافة مجتمعية مع التأكيد على الهوية الوطنية.
7- تعاون الحكومة مع القطاع الخاص والمجتمع المدني لخلق إطار عام، ووضع السياسات والقوانين.
وبالتالي فإن مفهوم الحكومة الإلكترونية ليست مجرد مجموعة تطبيقات لتقنيات وتكنولوجيا المعلومات، ولكنها البنية الأساسية التي تتيح لأي مجتمع فرصة الانتقال إلى مزيد من التقدم والمشاركة الحقيقية في حضارة القرن الحادي والعشرين التي تعتمد على الوسائل الرقمية الالكترونية، وهو ما تتطلع إليه شعوب وحكومات العالم العربي
طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك