عاجل
المقالات

البحث العلمي في الدستور المصري: 6 مواد فضفاضة

من بين 266 مادة في الدستور المصري الجديد، لم ينل البحث العلمي والتعليم سوى 6 مواد اتسمت نصوصها بالعمومية الفضفاضة، على شاكلة «الصدق أمانة والكذب خيانة»! إذ نصّت المادة 59 على «إنشاء المجلس الوطني للتعليم والبحث العلمي لوضع إستراتيجية وطنية للتعليم بكل أنواعه وجميع مراحله، وتحقيق التكامل في ما بينها والنهوض بالبحث العلمي، ووضع المعايير الوطنية لجودة التعليم والبحث ومتابعة تنفيذ هذه الإستراتيجية».

البحث العلمي في الدستور المصري: 6 مواد فضفاضة
اضغط للتكبير

 

وواضح خلو هذه المادة من التحديد، حتى لو بإشارة في الهوامش، خصوصاً عن معايير اختيار أعضاء المجلس المقترح وصلاحياته. وهل من المنطقي أن يشرف مجلس مُفرد على التعليم العالي وما قبل الجامعي، إضافة إلى أكاديمية البحث العلمي والمركز القومي للبحوث؟

 

عمومية مُربِكَة

نصّت مادة أخرى أنه «لكل مواطن الحق في التعليم العالي الجودة، وهو مجاني بمراحله المختلفة في كل مؤسسات الدولة التعليمية، وإلزامي في مرحلة التعليم الأساسي. وتتخذ الدولة كافة التدابير لمدّ الإلزام إلى مراحل أخرى. وتُعنى الدولة بالتعليم الفني، وتشجعه، وتشرف على التعليم بكل أنواعه، وتخصص له نسبة كافية من الناتج القومي. وتلتزم جميع المؤسسات التعليمية العامة والخاصة والأهلية وغيرها، بخطة الدولة التعليمية وأهدافها، وذلك كله بما يحقّق الربط بين التعليم وحاجات المجتمع والإنتاج». ونصّت مادة ثانية على أن «حرية البحث العلمي مكفولة. والجامعات والمجامع العلمية واللغوية ومراكز البحث العلمي مستقلة، وتخصص لها الدولة نسبة كافية من الناتج القومي».

ويلاحظ أن المادتين تحفلان بقواعد عامة تقضي بأن يكون التعليم عالي الجودة ومكفولاً لكل مواطن، وأن الجامعات والمراكز البحثية مستقلة، من دون تفسير لرؤية الدولة في مجال التعليم. إذ أن اللوائح التنفيذية التي تُنظّم العمل في الجامعات والمراكز البحثية، تعتبر أكثر أهمية من القواعد العامة المنصوص عليها في الدساتير، بل غالباً ما ينطبق عليها القول بأن «الشيطان يكمن في التفاصيل». إذاً، كيف نضمن أن تستقّل الجامعات؟ هل تستقّل مالياً أم إدارياً أم سياسياً؟ كيف يحصل المواطن على تعليم عالي الجودة؟ لم يُجب الدستور عن هذه التساؤلات. ويشار إلى أن نص الدستور على توفير نسبة كافية من الناتج القومي للبحث العلمي، هو مثال بارز على مطاطية مواد الدستور. من يحدّد تلك النسبة؟ ما هو المستوى الذي يعتبر «كافياً» للإنفاق على البحث العلمي؟ غني عن القول بأن ما تراه الحكومة كافياً، ربما لا يكون كذلك في أعين الباحثين والمجتمع العلمي.

لم تقف المواد عند حدّ التعميم والفضفاضية، بل تجاوزتهما إلى حدّ العبث في مستقبل تعليم العلوم في مصر. ويتجسّد هذا الأمر في المادة 12 التي نصّت على أن: «تحمي الدولة المُقوّمات الثقافية والحضاريّة واللغويّة للمجتمع، وتعمل على تعريب التعليم والعلوم والمعارف». في هذا المجال، من المستطاع استعادة تعليق للعالم المصري الدكتور مصطفي السيّد، مدير معمل الليزر في جامعة «جورجيا تك» والحاصل على أعلى وسام للعلوم في أميركا. إذ وصف السيّد ما يُسمى بـ «تعريب» العلوم بأنه «جريمة في حق العلم». وأوضح السيد أن الغرب عندما أراد الاستفادة من نهضة المسلمين تعلّم اللغة العربية، مؤكداً أن اللغة الإنكليزية أصبحت لغة العلم التي تتعلمها حتى شعوب دول متقدمة مثل ألمانيا وفرنسا، مشيراً إلى وجوب أن تعمد الدولة التي ترغب في تعلّم العلوم من دولة أخرى، إلى تعلّم لغتها حتى يمكنها فهم ما تقصده تلك العلوم.

ولم يكن مستغرباً الدستور الذي يُعَرّب علوم الغرب، يحتوي المادة رقم 60، التي جاء فيها: «اللـــغة العربية مادة أساسية في مراحل التعليم المختلفة بكل المؤسسات التعليمية، والتربية الدينية والتاريخ الوطني مادتان أساسيتان في التعليم قبل الجامعي بكل أنواعه.

وتلتزم الجامعات بتدريـــس القــيم والأخلاق اللازمة للتخصّصات العلمية المختلفة». وبموجب هذه الكلمات، تبدو العلوم والتعليم في مصر وكأنها محصورة في حرب لغوية بحتة.

 

تجاهل اقتراحات علمية

يلاحظ خُلو الدستور من الإشارة إلى حقوق المُعلّم، واكتفائه بالتحدّث عن «جودة عالية» للتعليم، كشعار عام يصلح أن يوضع في لافتة على الباب الرئيسي لوزارة التعليم، لا أن يكون نصّاً في الدستور.

واقترح معلمون خلال اجتماع مع أعضاء اللجنة التأسيسية للدستور، مادة نصها: «المعلمون هم الركيزة الأساسية في نجاح خطط التعليم وبلوغه أهدافه، وعلى الدولة أن تضمن لهم معاملة مالية تحفظ كرامتهم وتعينهم على التفرّغ لرسالتهم السامية». لماذا لم يتضمّن الدستور هذه المادة؟

من الواضح أن أعضاء لجنة وضع الدستور تجاهلوا كثيراً من المقترحات أثناء وضع المواد المتعلّقة بالتعليم والبحث العلمي. ومن المستطاع تلمّس هذا الغياب في تصريحات للدكتور حسين عيسى، رئيس جامعة عين شمس، الذي قال: «اجتمع مجموعة أعضاء من اللجنة التأسيسية بأعضاء هيئة تدريس الجامعة لتعديل المواد المتعلقة بالتعليم، إلا أنها لم تأخذ بأي من اقتراحاتهم».


طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك