عاجل
المقالات

المتطرفون و الإنترنت بين الأمن والحرية

ظهرت في الاونه الاخيرة عدد من الحركات التي تنادي الى استخدام العنف في المجتمع على نحو منظم وذلك لتحقيق اهداف سياسية ، وظهرت حركات من البلاك بلوك وغيرها من الوايت بلوك والقناع الاسود وغيرها من الحركات السرية

المتطرفون و الإنترنت بين الأمن والحرية
اضغط للتكبير

 تحول الإنترنت إلي شبكة عالمية حملت منافع شتي للبشرية‏,‏ إلي جانب تحولها في الوقت نفسه إلي أداة فعالة في يد جماعات متطرفة سواء كانت ضد الولايات المتحدة أو ضد دول أخري‏,‏ أو حتي إلي أداة تستخدمها الدول ذاتها‏,‏ بفضل السمات الرئيسية للشبكة المتمثلة في سهولة الوصول للمعلومات‏,‏ وضعف أو انعدام القيود والرقابة والأشكال الأخري للسيطرة الحكومية‏,‏ مع وجود جمهور عريض وواسع عبر العالم‏,‏ والتدفق الضخم للمعلومات‏,‏ والتكلفة الزهيدة والحماية والتطوير الرخيص للوجود علي الإنترنت وما يوفره ذلك من وسط إعلامي متعدد والقدرة علي صياغة تغطية في وسائل الإعلام التقليدية التي أضحت تستخدم الإنترنت بتزايد كمصدر للأخبار مع جهل مصدر الاتصالات‏.‏

واستغلت الجماعات المتطرفة تلك المزايا كعنصر حيوي لدعم وتحقيق أهدافها ومنفذ لوجستي داعم وحاضن للنشاط الإعلامي لها في مناطق مختلفة من العالم‏,‏ ليشكل مجتمعا افتراضيا يتحول من مجموعة قليلة من الناس متوزعة جغرافيا لتشكل مجتمعا خاصا بها يساعدها علي الالتحام والتواصل الدائم‏,‏ الأمر الذي يوهم البعض بأن هذا المجتمع غير محدد الأبعاد الكمية‏,‏ وهو ما كان له دور كبير في تضخيم الصورة الذهنية لقوة وحجم تلك المجموعات‏.‏

خطاب اعلامي مختلف

تسعي الجماعات في استخدامها للإنترنت والشبكات الاجتماعية  الي ثلاثة أهداف‏,‏ منها‏:‏ القدرة علي الوصول بمعني وجود وحدة عالمية أحادية‏,‏ والسيطرة أي الإدارة البعيدة‏,‏ والتنقيب أي الحصول علي المعلومات‏.‏بالإضافة إلي الحرب النفسية والدعاية والإعلان والتمويل والتجنيد والترابط وتبادل المعلومات والتنسيق‏.‏
وتمكنت الجماعات المتطرفة بجميع أشكالها ومختلف توجهاتها السياسية من امتلاك مواقع علي شبكة الإنترنت‏,‏ ومنها من يمتلك أكثر من موقع‏,‏ يقدم خدمات موقعة بأكثر من لغة‏.‏ وعادة ما تضم مواقع تلك التنظيمات مواد تهدف الي التعريف بالتنظيم وتاريخه‏,‏ ومؤسسيه وأبطاله‏,‏ وأنشطته‏,‏ وخلفياته السياسية والاجتماعية‏,‏ وأهدافه السياسية والأيديولوجية‏,‏ واحدث الاخبار‏,‏ والنقد الشديد للأعداء‏.‏
‏ منها الدعم الفكري لها وتنظيماتها وتبجيل افرادها‏,‏ او مهاجمة المعتدلين والمفكرين أو مهاجمة الحكومات والاجهزة الامنية‏,‏ وقد تسعي تلك المواقع للتغطية علي موقفها الداعم للارهاب بالسماح بنقد يسير‏,‏ والاستناد إلي ترويج فكرها ببعض الكتابات الايديولوجية والدينية‏,‏ وإلحاقها بتفاسير معينة وقصص تاريخية وضعت ضمن تأويل متعسف لكي تقنع المتلقي بمشروعية عملها حيث يتم استغلال الدين باعتباره مظلة ايديولوجية تؤهلها لاستقطاب عناصر جديدة‏.‏كما يتم نشر تلك الافكار واداراتها من قبل اشخاص ذوي افكار احادية‏,‏ ولا تسمح بوجود احد ينافسها او يعرض رأيا يخالفها‏.‏

إلي من توجه الرسالة؟

تستهدف تلك المواقع ثلاثة أنماط من الجمهور‏:‏ الأول هو جمهور المؤيدين الحاليين والمحتملين وذلك عبر تقديم الموقع لهم معلومات مفصلة حول انشطة المنظمة وسياساتها الداخلية وحلفائها ومنافسيها‏,‏ وعادة ما يكون هذا الجمهور هو جمهورا محليا‏,‏ النمط الثاني من الجمهور هو الرأي العام العالمي وهو الجمهور غير المتورط مباشرة في الصراع‏,‏ ولكن لديه بعض المصالح في القضايا المطروحة‏.‏ من جانب آخر يضم هذا الجمهور المستهدف الصحفيين ووسائل الاعلام التي تستخدم مواقع هذه التنظيمات للحصول علي وجهات نظرها‏,‏ ويساعدهم في ذلك طرح خدمات المواقع بلغات عدة‏.‏ وأخيرا يتمثل النمط الثالث في الأعداء وتسعي مواقع هذه التنظيمات من استهدافهم الي إضعاف معنوياتهم من خلال توجيه التهديدات وتعزيز الشعور بالذنب ازاء تصرفات ودوافع العدو‏.‏

   وتستخدم التنظيمات المتطرفة علي اختلافها ثلاثة خطابات في الدعاية‏:‏
الأول‏:‏ هو الادعاء بأنه ليس أمامهم خيار سوي التحول الي العنف‏.‏ فالعنف يقدم كضرورة أجبر عليها الضعيف باعتباره الوسيلة الوحيدة التي يرد بها علي العدو الظالم‏,‏ ويتم التأكيد علي اعمال القوة التي تستخدمها الحكومات والأنظمة ضدهم ووقوفها ضد تنفيذ مطالبهم‏,‏ كما يتم استخدام مصطلحات كالذبح والقتل والإبادة‏,‏ وتصف المنظمة نفسها كمضطهد تطاردها القوي الكبري أو الدولة القوية‏,‏ وهذا ما يحول التنظيم واتباعه الي ضحية‏.‏

الخطاب الثاني‏,‏ والمرتبط بشرعية استخدام العنف‏,‏ هو هيمنة وعدم شرعية العدو‏,‏ فأعضاء الحركة أو المنظمة يعتبرون أنفسهم مقاتلين من أجل الحرية‏,‏ ومجبرين بما يتنافي وإرادتهم علي استخدام العنف‏,‏ نظرا لكون العدو يسحق كرامة وحقوق شعبهم أو جماعتهم‏,‏ وأن عدو الحركة أو الجماعة هو الارهابي الحقيقي‏.‏
الخطاب الثالث هو الاستخدام الواسع لمبدأ اللاعنف في محاولة لمواجهة الصورة العنيفة عنها‏,‏ فعلي الرغم من كون تلك الجماعات هي جماعات عنيفة‏,‏ إلا أن العديد من موقع تلك الجماعات تدعي سعيها للحلول السلمية‏,‏ وان هدفها النهائي هو التسوية الدبلوماسية التي تتحقق عبر المفاوضات والضغط الدولي علي النظم الجائرة‏.‏

كيف يتم الاستخدام

وتستخدم تلك الجماعات الإنترنت عبر ثماني طرق مختلفة‏,‏ وإن كانت متداخلة أحيانا فيما بينها‏,‏ وهي‏:‏
‏1‏ ـ الحرب النفسية‏,‏ من خلال نشر معلومات ملفقة وتوصيل التهديدات لنشر الرعب والصور المريعة لأعمالها الاخيرة‏,‏ وتستخدم الانترنت كوسيط غير مراقب يحمل القصص والصور والتهديدات والرسائل بصرف النظر عن شرعيتها وأثرها المحتمل‏,‏ وهو ما يكرس أهميتها والتهديد الذي تطرحه‏.‏

‏2‏ ـ الدعاية والإعلان عن أهدافها وأنشطتها‏,‏ فلم تكن وسائل الإعلام التقليدية لتتيح لها هذه الفرص بسبب عمليات اختيار الأخبار في اجهزة الاعلام والوسائل المطبوعة‏,‏ أما مع الانترنت فقد اضحي لتلك التنظيمات المواقع الخاصة بها‏,‏ والتي تسيطر عليها وتمكنها من اعادة صياغة تصورات انماط الجماهير ازاءها ومعالجة صورتها وصور اعدائها‏.‏
‏3‏ ـ التنقيب عن المعلومات‏,‏ حيث تمثل الانترنت وسيلة مهمة ليس للجمع فقط بل ايضا للتنقيب عن المعلومات والتفصيلات حول الاهداف والانشطة المحتملة‏,‏ حيث يتم جمع معلومات صغيرة يتم الربط بينها لتشكل صورة اكبر لمعلومة مهمة‏,‏ وكذلك الخرائط والرسوم البيانية عن اهدافها كوسائل النقل والمباني العامة والمطارات والمواني والاجراءات المناهضة للإرهاب‏,‏ لتحصل علي الأقل ـ دون الحاجة الي وسائل غير شرعية ـ علي‏80%‏ من المعلومات المطلوبة حول الاهداف المحتملة‏.‏

‏4‏ ـ التمويل‏,‏ حيث يتم استخدام الإنترنت للحصول علي تبرعات باستخدام التحويلات المالية عبر الانترنت‏,‏ وتدخل هذه التبرعات في حسابات جماعة قيادة وهي منظمة تكون مؤيدة بشكل واسع النطاق لأهدافهم ولكنها تعمل بشكل علني وشرعي‏.‏ وعادة لا توجد بينها وبين هذا التنظيم روابط مباشرة‏,‏ وقد يتم استخدام منظمات عالمية ذات طابع إنساني أو خيري كمظلة لتوفير التمويل أو تعمل تحت غطائها‏.‏
‏5‏ ـ التجنيد والحشد‏,‏ حيث يتم تجديد وحشد المؤيدين للقيام بدور أكثر فعالية‏,‏ من خلال الحصول علي معلومات عن المستخدمين الذين يدخلون علي مواقعهم‏,‏ وتتمكن بالتالي هذه التنظيمات من الاتصال بمن تراهم اكثر اهتماما بقضايا الجماعة والاكثر ملاءمة لتنفيذ اعمالها‏.‏ كما يقوم المسئولون عن عمليات التجديد بالبحث داخل غرف الحوارات والمقاهي الشبكية عن الأعضاء المناسبين من العامة‏,‏ خاصة ذوي المهارات التكنولوجية من الشباب‏.‏   

 

‏6‏ ـ الترابط‏,‏ فقد اجتاز العديد من الجماعات عمليات التحول من المنظمات الهرمية الصارمة التي تعمل بقيادات محددة‏,‏ إلي تنظيمات فرعية لخلايا شبه مستقلة ليس لها هيئة قيادية تنظيمية واحدة‏,‏ وتتمكن هذه الجماعات عبر استخدام الإنترنت من الحفاظ علي الاتصالات مع بعضها البعض ومع أعضاء التنظيمات الاخري‏,‏ وهو ما يمكن تلك التنظيمات من ادارة أنشطتها بأسلوب لا مركزي عبر الانترنت والتنسيق بينها أفقيا‏.‏
‏7‏ ـ تبادل المعلومات والأفكار والمقترحات والمعلومات الميدانية حول كيفية اصابة الهدف واختراقه‏,‏ وكيفية صنع المتفجرات واستخدامها‏.‏
‏8‏ ـ التخطيط والتنسيق‏,‏ حيث تستخدم الإنترنت في هذه الحالة كوسيلة للتنسيق والتخطيط سواء علي المستوي المعلوماتي أو العملياتي‏,‏ فقد ثبت أن تنظيم القاعدة استخدم الانترنت بكثافة عبر الرسائل المشفرة لتخطيط وتنظيم هجمات الحادي عشر من سبتمبر‏,‏ ولضمان الحفاظ علي سرية المصدر تم استخدام الإنترنت عبر أماكن الاتصال العامة‏.‏

تعدد الفاعليين
 

لعل ما يفرق الجماعات ذات الطابع السياسي عن غيرها أنها لا تهدف الي الحصول علي مبالغ مالية او الابتزاز‏,‏ علي الرغم من ان العمل الاجرامي قد يكون وسيلة لها‏,‏ ولكنها تشترك مع أجهزة المخابرات لدي الدول في بعض اهدافها‏,‏ والتي تقوم هي الاخري باستخدام الانترنت كأداة مخابراتية‏,‏ فأكثر الدول تطورا وتقدما في المجال العسكري والتقني تستخدم شبكة الانترنت كوسيلة تجسس وجمع معلومات عن اعدائها لشن هجمات ضد المواقع الحكومية ومواقع المال والاعمال بغرض تعطيلها عن العمل لأطول فترة ممكنة او لاختراق دفاعاتها الحصينة لسرقة المعلومات المهمة‏,‏ مثل مشروع ايشلون ـ غير معترف به ـ وهو نظام عالمي مخصص لاعتراض معظم الإشارات الرقمية في أنحاء الكرة الأرضية وتديره المخابرات الامريكية بالتعاون مع اجهزة مخابرات في اربع دول اخري هي بريطانيا ونيوزيلاندا واستراليا وكندا‏,‏ بداية من اتصالات الاقمار الصناعية ونهاية بالحركة المختلفة علي شبكة الانترنت بما في ذلك رسائل البريد الالكتروني والملفات التي يتم تبادلها عبر الشبكة بالاضافة الي مجموعة اقمار صناعية مخصصة لنقل فيضان البيانات اليومي الي مراكز التحليل والفحص الأرضية‏.‏ 

 وهذا ما ينقلنا الي صورة صراع فيما بين قوة لينة رمزية بالأساس‏,‏ وقوة تقليدية في عالم الواقع بالضرورة‏.‏ وتختلف الأخيرة عن سابقتها في أن الأولي تعمل بالجذب لا بالضغط‏,‏ وتستخدم لغة تخاطب العقول والقلوب من اجل كسب الآراء لا اكتساب الأرض‏,‏ ومن اجل انتزاع الارادة الجماعية لا نزع السلاح والملكية‏,‏ ومن اجل فرض المواقف وزرع الآراء بدلا من فرض الحصار وزراعة الألغام‏.‏وأصبح توسيع نطاق الإعلام والفضائيات في مقام نشر القوات والأسلحة‏,‏ وتتميز القوي اللينة في ممارستها بالقدرة الهائلة علي المناورة زمنيا وجغرافيا‏.‏ أما القوي الصلدة فلا تستخدم إلا في حالات الضرورة القصوي‏,‏ في حين تمارس القوي اللينة بصورة مستمرة ودائمة‏.‏

 
بين إطلاق الحرية وتقييدها

إن الإنترنت بأوجهه العديدة هو التجسيد الافضل للأفكار الديمقراطية ولحرية التعبير والاتصال المفتوح‏.‏ انها الساحة المفتوحة لعرض الافكار‏,‏ التي لا تتماثل مع اي ساحة وجدت من قبل‏.‏ لسوء الحظ‏,‏ أن الحرية التي قدمتها الانترنت حساسة للاستخدام السيئ من قبل دول وافراد وجماعات هم انفسهم عادة ما يكونون اعداء لحرية الفكر والتعبير‏.‏ لكن اذا ما حدث خوف من تأثير ما يتم عرضه علي الانترنت فإن اي رد فعل تجاهها‏,‏ سيدفع الي تقليص حرية الاستخدام وسيمثل ذلك نصرا لتلك الجماعات وغيرها وضربة للقيم الديمقراطية‏.‏
لقد استغل السياسيون الخوف من الارهاب في تمرير تشريعات تحد من الحقوق والحريات الفردية‏,‏ فاستخدام التقنيات المتقدمة لمراقبة وبحث وتتبع وتحليل الاتصالات يحمل معه اخطارا اخري‏,‏ ملازمة فعلي الرغم من ان هذه التقنيات قد تكون مفيدة للغاية في تتبع تحركات ذلك التنظيم وجمع معلومات عنه‏,‏ إلا ان الحكومات والمؤسسات السلطوية‏,‏ تستغلها كأدوات تنتهك بها الحريات المدنية بالداخل والخارج وتقليص حرية تدفق المعلومات وتقيد حرية التعبير‏.‏

لذا يجب أن يتم نشر المعلومات بشفافية وموضوعية حتي يتم عزل تلك الافكار المتطرفة ومنعها من تضخيم حجمها وحجم المؤيدين لها‏,‏ فالتقييد والرقابة علي الرغم من الحاجة اليها في بعض الحالات إلا ان ظرفية ومشروطية ذلك قد ترتبط بأهداف سياسية دون غيرها‏.‏
فيجب أن يسعي المجتمع الدولي لإيجاد جهة محايدة ذات طابع استقلالي تمارس هذا الدور‏,‏ وأن تصبح ادارة الانترنت مهمة يضطلع بها المجتمع الدولي‏,‏ وكسر سيطرة الولايات المتحدة علي ادارة الانترنت‏,‏ فالأمر يحتاج لتخيل واسع للتعرف علي الآثار طويلة المدي‏,‏ التي قد تكون صعبة ومدمرة للقيم الديمقراطية‏,‏ وتضيف ثمنا باهظا فيما يتعلق بتدمير الحريات المدنية بالقياس إلي الضريبة المرتفعة التي يتطلبها الإرهاب ذاته‏.

طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك