
وبصورة عامة يمكن القول إن السلفية الدينية تعني تأصيل القيم الدينية التقليدية، أي التركيز على نموذج ماضوي للدين، وإحياء هذا النموذج عبر مختلف الطقوس والعبادات الدينية، إنها العودة إلى السلف وممارساتهم الدينية باعتبارها الممارسات التي تقدم النموذج الذي يجب أن يتم إقراره كإطار مرجعي لدى أفراد المجتمع عبر ممارساتهم اليومية.
وعلى الرغم من أن السلفية وأصحابها هم أكثر من يواجه تحديات الحداثة التي تفرض نفسها على المعتقدات الدينية، من خلال اختيار مرحلة زاهية من مراحل تطور العقيدة الدينية، وتم عليه بناء صورة المثال الديني والعقيدي الذي يتمحورون حوله، وهذا ما يعني أن السلفيين يفضلون العقيدة في صورتها الماضوية الزاهية الأكثر اكتمالاً ونضجاً، ويرون فيها إمكانية معالجة الأوضاع القائمة والمعاصرة للدين والعقيدة والمجتمع من ناحية، ومواجهة بعض التحولات التي أفرزتها عمليات الحداثة وعولمتها من ناحية أخرى، إلا أنهم في ذات الوقت يستخدمون بعض أدوات الحداثة ومنتجاتها في إعادة إنتاج سلفيتهم، ونشرها في مساحات واسعة من الفضاء الافتراضي، وهذا ما سوف تحاول الورقة الراهنة عرضه من خلال مفهوم المجال العام الافتراضي.
أولاً : المجال العام .. نحو مقاربة المفهوم :-
يعد مفهوم المجال العام Public Sphere من المفاهيم الهامة والمحورية في الفكر السياسي، والذي يدور حوله في الآونة الأخيرة الكثير من المناقشات والحوارات العلمية، ولعل هذا يرجع إلى أن هذا المفهوم يحمل العديد من المعاني والمضامين المثالية، التي تعبر عن الديمقراطية وما تحمله من معاني إنسانية سامية كحرية الرأي والتعبير، والوصول إلى الاتفاق العام حول الأشياء التي يمكن أن تحقق للإنسان حياة إنسانية طيبة.
ويشير مفهوم المجال العام على أن هناك ثمة قطاع في الحياة مفتوح لتفاعل الكلام والآراء, والتداول الفكري والمناظرات السياسية, والاتصال مابين الأفراد, أنه تلك الساحة التي يخرج إليها أفراد المجتمع بهدف الحوار والنقاش مع غيرهم فيما يتصل بالمسائل العامة, ويعتمد هذا الحوار على عدد من المبادئ العامة؛ تتمثل في عقلانية التفكير, قبول الآخر, التسامح, الإيمان بالتعددية وحرية الرأي والتعبير, ويهدف الجميع من هذا الحوار النقدي البناء إلى التوصل إلى الاتفاق الجمعي, أو تكوين الرأي العام الموضوعي, الذي يبتعد عن أية مصالح خاصة فيما يتصل بالمسائل العامة التي كانت تشكل جوهر الحوار ومادته الكلامية.
يذهب "كيمب" Kemp إلى أن المجال العام هو تلك الساحة من الحياة العامة، والتي يمكن فيها الوصول إلى موافقة عامة على قيم ومعايير تعمل كميكانزمات لحل المشكلات الاجتماعية والسياسية، وهذا ما يؤكده "كين" Keane عندما ذهب إلى أن المجال العام يتضمن تلك الساحات التي يقوم فيها الأفراد بتناول ما يفعلونه ويحيط بهم، ويصلون لقرار في كيف سوف يعيشون معاً، ويعملون بشكل جماعي خلال المستقبل().
وتذهب "بليندا ديفيز" Belinda Davis إلى أن المجال العام هو فضاء للحوار ومكان للتأثير والنفوذ السياسي، والذي يقوم على احترام الآخر وآرائه ومعارفه، وذلك بهدف تحقيق الإجماع على رأى واحد فيما يتصل بالمصلحة العامة().
تشير التعريفات السابقة إلى الصورة المثالية لمفهوم المجال العام، إلا أن المتأمل لواقع هذه الصورة، والتي تتشكل من خلال الممارسات الحياتية للأفراد والمؤسسات، يجد أن الدولة الرأسمالية شهدت العديد من التحولات التي أثرت بشكل سلبي على فكرة المجال العام، وما يتضمنه من اتصال حر، وعقلانية في التفكير، فلقد تدخلت الحكومات الرأسمالية في العديد من المجتمعات واخترقت هذا المجال، ووضعت العديد من القيود والكوابح التي أجهضت تجسيداته.
لقد شهدت العديد من المجتمعات الرأسمالية زيادة ملحوظة في حدة التفاوت الطبقي، وبروز لظواهر الاستبعاد الاجتماعي، حيث أنه من الجلي أن الدخول المنخفضة يمكنها – في ظل ظروف معينة – أن تعوق أو تمنع المشاركة في المؤسسات العامة الأساسية، بيد أن الدخول المرتفعة قد تؤدى كذلك – في ظل ظروف معينة- إلى العزلة الاجتماعية، فإذا شعرت الشريحة الأكثر ثراء
أن بوسعهم أن يتحملوا عزل أنفسهم عما هو متاح لعامة الناس، وأن يلبوا احتياجاتهم بعيداً عن المؤسسات المعنية بخدمة الجمهور، فإن ذلك يخلق الاستبعاد الاجتماعي أيضاً().
ويرتبط هذا التفاوت الطبقي، والاستبعاد الاجتماعي بظاهرة حرمان العديد من الفئات والشرائح من المشاركة في المجال العام والحديث فيه، خاصة وأن حوارهم سوف يمثل خطورة على الدولة والحكومة الرأسمالية.
أضف لذلك أن العديد من آليات تشكيل المجال العام مثال التفكير العقلاني، وإبداع الآراء، والمشاركة في المناظرات السياسية وتوليد الأفكار المرتبطة بالشأن العام، قد تعرضت للتآكل في ظل عملية تسليع جوانب الحياة الحديثة كلها، فحل محل المجال العام عالم من الاستهلاك الثقافي، وقام إجماع مختلق يربط الإفراد بالنظام القائم، ويقوض إمكانية الفهم، والاستقلالية، أو المقاومة، وتم استبدال المناقشات النقدية العقلانية بالمشاهدات المسلية، وانحلت شبكة التواصل الحر للمجال العام إلى أفعال استجابة فردية منفصلة، ولم يعد الجمهور العام الذي
يكون المجال العام قادراً على أن يتأمل نقدياً في المسائل العامة، وإنما صار
مجرد مستهلك().
لم يعد هناك مجال للإبداع داخل المناظرات السياسية، تحول الأفراد إلى مجرد مستقبلين للمعلومات والصور عبر وسائل الإعلام، ومرددين ومستهلكين لها، وبدأ الفرد يعجز عن إبداع وخلق معلومات وصور وأفكار يطرحها في المجال العام، لأنه حتى لو تكلم داخل المجال العام فإنه يتكلم من خلال ما يستقبله من معلومات وصور، والتي هي في النهاية تعبر عن وجهة نظر المسيطر على أدوات الإعلام وانتقال المعلومات.
لذلك ومع تأثير ثورة الاتصال والمعلومات، ومن أهم تجسيداتها شبكة الإنترنت بدأ الحديث عن بزوغ المجال العام الافتراضي.
حيث ساهم الإنترنت في تشكيل علاقات تتجاوز الإطار الفيزيقي المكاني، وتفاعل الوجه بالوجه، وشكل مستخدموه الذين تجمع بينهم اهتمامات مشتركة مجتمع يطلق عليه المجتمع الافتراضي Virtual Community، وهو عبارة عن تجمعات اجتماعية تشكلت في أماكن متفرقة من أنحاء العالم، يتقاربون ويتواصلون فيما بينهم عبر شاشات الكمبيوتر، والبريد الإلكتروني، ويتبادلون المعارف فيما بينهم، والأفكار والآراء، ويكونون الصداقات().
ويعنى هذا أنه مع انهيار المجال العام التقليدي نشأ مجال عام جديد، يثير في الواقع الكثير من التساؤلات، إلا أن هذا المجال العام الجديد يتميز حتى الآن بأنه بتأثير الثورة الاتصالية أصبح مجالاً للمعلومات والمناقشة والمعارضة والصراع السياسي، وهذه الوظائف خلقتها الميديا المتعددة الجديدة وتكنولوجيا الكمبيوتر، ومن شأنها أن تعيد صياغة المجال العام بعد أن اتسعت أفاقه بلا حدود، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه المجال العام الافتراضي().
ثانياً : إعادة إنتاج السلفية عبر المجال العام الافتراضي :-
لا تقتصر السلفية في طرحنا الراهن على الفهم التقليدي لها الذي يعتبرها مجرد إتباع لطريق السلف أو منهج الإقتداء بالسلف في أسلوب العقيدة والحياة، بل يمتد إلى التأكيد على أن اسمها لا يعني عدم حداثتها حسب منطقها الخاص ونظرتها المحددة، فهي تحاول تأسيس مجتمع مثالي أُنجز تاريخياً في مجتمع حديث، وهذا ما أكدت عليه إحدى الرؤي التي أشارت إلى أن الحركات الأصولية السلفية هي حركات حديثة لأنها تعمل على إعادة أساسيات أو أصول نظام مثالي في مجتمع حديث، وفقاً لمواقف سياسية وإيديولوجية نجمت عن علاقة مع قضايا وخطابات معاصرة وراهنة.
إلا أن مأزق الفكر السلفي البيَن هو محاولة الاحتفاظ بالثبات والحركة سوياً في التعامل مع الظواهر، لذلك يلجأ السلفيون إلى انتقائية إرادية يظنونها ممكنة وسهلة، فالتعامل مع التكنولوجيا ممكن، لكن لابد من إبعاد أنماط السلوك والتفكير الذي قد يصاحبها().
ونركز هنا على تعامل السلفية مع المجال العام الافتراضي وما يحمله من مضامين هي بالأساس نتاج النظام الرأسمالي، إلا أن الاتجاه السلفي حاول الاعتماد عليه كآلية لإعادة إنتاج السلفية عبر هذا المجال بشكل واضح، وهذا الفعل في حد ذاته يؤشر على أن الخطابات السلفية تتعايش مع الحداثة قبولاً أو رفضاً، وفي كل الأحوال تسعى هذه الخطابات إلى استهلاك أدوات الحداثة، خاصة أدواتها المادية. فهذه الخطابات تندمج اندماجاً أصيلاً في الأسواق الاستهلاكية بما فيها استهلاك الصور والرموز، فعملية إنتاج الخطاب السلفي وتداوله واستهلاكه وإعادة إنتاجه هي جميعاً أدوات رأسمالية حديثة.
وإذ يندمج الخطاب السلفي على هذا النحو فإنه يتخذ موقفاً رافضاً للحضارة الغربية، ولا يبحث قط عن جذر التقدم في هذه الحضارة، الذي هو العقل الذي يضرب بجذوره في الفكر اليوناني القديم الذي احتفى به المسلمون من قبل().
لم يجد الخطاب السلفي داخل المجتمعات العربية في العقود الأخيرة الفرصة لممارسة وتجسد أفكاره واقعياً، بشكل يعمل على الكشف عن حقيقة هذه الأفكار ومحاولة تطويرها من خلال ما تكشف عنه الممارسة المجتمعية، نظراً لموقف العديد من الأنظمة الحاكمة من معظم هذه الخطابات، ولم تجد السلفية فرصة ملائمة داخل المجال العام التقليدي في أوطانها، وها هي تجد فرصة في المجال العام الافتراضي، فهل تستطيع الاتجاهات السلفية إعادة إنتاج خطاباتها عبر هذا المجال بالشكل الذي يدعم تطوير هذه الخطابات والكشف عن إشكالياتها الفكرية ؟
يحمل هذا التساؤل أهمية كبيرة في الوقت الراهن، خاصة في ظل مجتمع مدني عالمي، يشكل الآن فضاءات لإنتاج الخطابات الدينية والسياسية – التي تؤسس شرعيتها ولغتها على الدين، وفي هذا لا يختلف الدين الإسلامي عن الدين المسيحي – وللحركة السياسية العملية سواء في تجنيد الكوادر، أو التبشير الديني والمذهبي والسياسي، أو التعبئة، أو الاتصال وتبادل المعلومات، أو نشر الأخبار، أو التعبير السياسي خارج الحصارات الأمنية والسياسية والقانونية كما في حالة جماعات الإخوان، والقاعدة، والجهاد الإسلامي والجماعات الإسلامية...الخ، نحن إزاء فضاءات إسلامية معولمة، ضمن فضاءات دينية عولمية أخرى، تتداخل وتتقاطع وتتصارع فيما بينها، ضمن شبكات اتصالية رقمية تزداد حضوراً، وتأثيراً وتتعقد من مرحلة إلى أخرى ().
يتيح المجال العام الافتراضي للاتجاهات السلفية إمكانية وضع أفكارها للنقاش والحوار، ولعل هذا يمكن أن يؤدي إلى تطوير هذه الأفكار والكشف عن مضامينها الخفية، لكن ما حدث كان خلاف ذلك، حيث جاء تعامل التيارات السلفية مع الفضاء الافتراضي تعامل تقليدي لم يعود عليها بالنفع فيما يتصل بتطوير أفكارها وطرحها على الحوار العالمي العقلاني، حيث أن فصائل هذه التيارات دخلت في حملات للدعاية عن ذاتها بصورة شكلانية وعن العمليات التي تقوم بها، من خلال عمل مواقع للإنترنت خاصة بها وبأفكارها من ناحية، والدخول في صراع متعدد الأبعاد من ناحية أخرى، حيث استهلكت قواها في شن الحملات على بعض التيارات السلفية الأخرى، أو ضد قوى العولمة، ويمكن عرض نماذج لهذه الصراعات من خلال حركة بعض الجماعات السلفية الإسلامية في النقاط التالية:
1- أن الاتجاهات السلفية الإسلامية دخلت في صراع مع بعضها البعض، صراع يعمل كل طرف فيه على طحن الطرف الآخر وأفكاره ونظرياته، والمستفيد من هذا الصراع هو قوى العولمة فقط، يمكن أن نستدل على ذلك من خلال متابعة الاشتباك الفضائي بين التيارات السلفية السُنية والتيارات السلفية الشيعية في العالم العربي (
). وهنا يمكن التأكيد على أن المجال الافتراضي ساهم في بروز أنماط صراعية جديدة بين الأديان، أو داخل الدين الواحد.
2- تستخدم بعض الجماعات السلفية الأدوات والوسائل التي يتيحها المجال الافتراضي في تحقيق أكبر مساحة حضور مرئي ورقمي وتخييلي عولمي، من القيام بعمليات عنف عالمية، مثال تنظيم القاعدة وعملياته ضد مبنى التجارة العالمية، ومبنى البنتاجون، ومبنى التجارة العالمية وغير ذلك، وهى عمليات ضحاياها أفراد عاديون ولكنها تؤدي إلى تأثير عولمي من حيث نشر الخوف والرعب، والإعلام المكثف عن الجماعة وأفكارها وقادتها(
).
3- خلق المجال العام الافتراضي حالة من التداخل بين العديد من القضايا والمشكلات في الإطار العالمي، وقضايا ومشكلات في الإطار المحلى، وتحولت بعض القضايا الإسلامية الخارجية إلى موضوع للتوظيف السياسي من قبل الجماعات السلفية على المستوى الداخلى، وهو ما حدث في قضية حجاب الطالبات المسلمات في المدارس الفرنسية العامة على سبيل المثال، حيث استخدمت هذه القضية في محاولة بناء تشبيكات عولمية إسلامية في السياق الأوروبي.
4- استفادت بعض الجماعات السلفية من وجودها في المجال العام الافتراضي من خلال تكيفها مع لغة ومفاهيم المجتمع المدني العالمي، وتجسد هذا من خلال تأسيس مركز سواسية لحقوق الإنسان، وإطلاق مبادرة الإخوان للإصلاح كاستجابة للمبادرات الأمريكية والأوروبية حول إصلاح الشرق الأوسط(
).
5- تحاول التيارات السلفية تأكيد وجودها عبر المجال العام الافتراضي، خاصة في ظل سيطرة الحكومة على المجال العام الواقعي، وبعضها يركز على هذا المجال لما يرتبط به من آفاق واسعة للانتشار، وتلاشي الحدود داخله، لكن هل تنجح التيارات السلفية في تحقيق تطور ملموس على خطاباتها ؟ هذا هو التساؤل المطروح والذي يمكن الإجابة عليه خلال العقد القادم، من خلال تتبع حركة التيارات السلفية في حدود هذا المجال الذي تتلاشي فيه الحدود الجغرافية.
الخاتمة :
تعاني المجتمعات العربية من ممارسات يومية رسمية وغير رسمية تعكس تتداخل الحديث مع التقليدي، وهذا ما يؤشر عليه عنوان هذه الورقة، فالواضح أن مجمل التيارات السلفية يتعايش مع الحداثة قبولاً ورفضاً، وتسعي عادة إلى استهلاك أدواتها الخاصة، ويحاول أصحاب هذه التيارات إعادة إنتاج خطاباتهم عبر هذه الأدوات، ورغم اختلاف الأدوات والمجال الذي يتم فيه طرح هذه الخطابات إلا أن العقلية لم تتغير، والخطاب يحتفظ بكل مقوماته التاريخية.
ولذلك يجب علينا تقديم فهم سوسيولوجي آخر لفكرة السلفية في البلاد العربي، ينطلق من تساؤل أول يدور حول المضامين الكامنة في الخطاب السلفي، والأشياء المخبوءة داخله، وداخل عقول أصحابه، وتساؤل ثاني يشير إلى جذور السلفيات المختلفة، هل ترجع السلفية في المجتمعات العربية إلى النزعة الدينية الكامنة في الإنسان العربي، أم أن هناك شئ أعمق من ذلك في هذا الإنسان ويؤدي به إلى السلفية؟
المراجع :