المقالات
تطور الإطار التشريعي لجرائم الحاسب الآلى
منذ ظهر الحاسب الآلي عام 1946 في جامعة بنسلفانيا الأمريكية، وشاع استخدامه في العالم بعد ذلك إلي أن وصل الي العالم العربي في مطلع الستينات على يد الشركات الأجنبية والمصارف،
سعيد محمد *
الأربعاء,20 فبراير 2013 - 05:23 ص
مشاهدات: 256
فإن العالم أصبح في مواجهة كائن ميكانيكي جديد بدأ يغزو الحياة بشكل تدريجي وتطور مضطرد في شكل ثورة علمية جديده، جعلت هذا الحاسب يؤدي من المهـام والوظائـف والتعامل مـع المعلومات والوظائف، مالا طاقة لآلاف الأشخاص بها، واصبح هذا الجهاز مستودع اسرار الناس وأبحاثهم وخططهم، وغدا الحاكم الآمر والموجه الأمين، لآلات المصانع والمعامل، والمتحكم في حركة الطائرات، والقاطرات ، والمنظم لعمل البنوك والشركات، والمنجز لمهام وأعمال وخدمات الحكومات.
من هنا يمكن القول بأن العالم أصبح أمام ثورة حقيقية هي ثورة المعلومات، أو العالم الرقمي، وصار الناس أحيانا مختارين وفي أحايين أخرى مضطرين للتعامل مع هذا العالم الجديد أو مجتمع المعلومات كما يحلو للبعض أن يسميه، وما لبث الناس قليلا وهم يفيقون من صدمة ثورة المعلومات الجامحة حتى دهمتهم ثورة جديدة خلقها ذلك التزاوج أو الإتحاد الفريد بين هذا الجهاز وأنظمة الإتصالات الحديثة، لنصل في نهاية القرن الماضي وبدايات هذا القرن الي ما يسمى التواصل عبر شبكة الأنترنت العالمية، التي حطمت الحدود بين الدول وقصرت المسافات بين الأفراد والجماعات، واختصرت الزمن عبر شبكة لامرئية، أو محسوسة، سميت بشبكة الأنترنت العالمية،أو (الشبكة العنكبوتيه) أو (الفضاء السيبراني) والتي بدأ استعمالها للأمور العسكرية أولا في الولايات المتحدة الأمريكيه منذ عام 1969، وبدأ العالم العربي يتعرف عليها في أواخر الثمانينات وبدأت تنتشر فيه تدريجيا، بل إن الأمر تطور إلى حد الاقتراع من خلال جهاز الكمبيوتر مباشرة.
وبعيدا عن الاستخدامات الحميدة أو السلمية للكمبيوتر، يمكن القول بأن التطور المذهل فى هذا المجال، قد ترتب عليه نشوء جرائم ناتجة عن استخداماته المتعددة، وهذه الجرائم إما أن تقع على الكمبيوتر ذاته، وإما أن تقع بواسطة الكمبيوتر حيث يصبح أداة في يد الجاني يستخدمه لتحقيق أغراضه الإجرامية.
ونظرا لازدياد الجرائم المتعلقة بالكمبيوتر شرعت الدول المتمدينة بوضع تشريعات جنائية خاصة لمكافحة جرائم الكمبيوتر التي تعتبر ظاهرة مستحدثة علي علم الإجرام ومن هذه الدول، الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وباقى دول الاتحاد الأوروبي الذي وضع اتفاقية حول جرائم الكمبيوتر سنة 2001م، والتي أوصت فيها الدول الأعضاء باتخاذ كافة الإجراءات التشريعية أو غيرها حسب الضرورة لجعل الدخول إلى جميع نظم الكمبيوتر أو أي من أجزائه بدون وجه حق جريمة جنائية بحسب القانون المحلي، كما أوصت هذه الاتفاقية على مجموعة من المبادئ العامة المتعلقة بالتعاون الدولي في مجال الشئون الجنائية، وحددت كذلك الإجراءات المتعلقة بطلبات المساعدة المتبادلة بين الدول الأعضاء في غياب الاتفاقيات الدولية. وهكذا وجد العالم نفسه في قرية صغيرة، وأصبحت قرية المعلومات هذه محط انظار جميع أصحاب المصالح المشروعة وغير المشروعة، وبدأت تقنية المعلومات تفرز أثارا شاملة على البنية الإدارية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية،والثقافية ،والقانونية للدول ،ذلك أن كل إختراع علمي لابد ان يفتح افاقا جديدة ويرتب أثاراما كانت قائمة قبل وجوده وانتشاره، وهنا كان لابد للقانون أن يتدخل، كيف لا وهو المنظم بقواعده على اختلاف أنواعها، لجميع مناحى الحياة.
ويشير الباحثون في هذا الصدد إلي أن توقيت ولادة قانون الكمبيوتر، بدأ مع شيوع استعمال الكمبيوتر وانخفاض كلفة استخدامه وذلك في نهاية الستينات ومطلع السبعينات، حيث، كانت أولى التحديات القانونية التي أثارها استخدام الكمبيوتر هي اساءة استخدامه على نحو يضر بمصالح الأفراد والمؤسسات، وخاصة في حقل اساءة التعامل مع البيانات الشخصية المخزنة بالكمبيوترعلى نحو يمس أسرارهم وحياتهم الخاصة وحقهم في الخصوصية، والأمر الثاني هو المسئولية عن الأفعال التي تمثل اعتداء على الأموال والمصالح، وحق الأفراد في المعلومات ذات القيمة الإقتصادية .
وطبقا لما نشره معهد (ستانفورد) في الولايات المتحدة فإن أول محاولة لإساءة استخدام الكمبيوتر كانت عام 1958، ليأتي بعدها موجة ظهور القوانين الوطنية في حقل جرائم الكمبيوتر مع نهاية السبعينات، حيث صدر قانون بالولايات المتحدة لأمريكية عام 1978 سبقه إصدار السويد لقانون في العام 1973 يتعلق بحماية الخصوصية، وهكذا نجد أول موجات التشريع التي حظيت بالاهتمام الدولي في مجال قانون الكمبيوتر كانت منصبة على حماية الخصوصية، وحماية تجميع ومعالجة وتخزين وتبادل البيانات الشخصية، وفي بداية فترة السبعينات أيضا، اتضح الإدراك الكبير لأهمية برامج الكمبيوتر وقيمتها بين عناصر صناعة الكمبيوتر وثار جدل حول موقع حمايتها، هل هو ضمن حماية برامج الكمبيوتر؟ ام هي تشريعات حماية حقوق المؤلف مع اتفاق الجميع على وجوب حمايتها؟ لنجد دولة مثل الفلبين تصدر في العام 1973 تدابير تشريعية في حقل حماية البرمجيات ،توج ذلك التوجه الجهد الفعال لخبراء المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الوايبو) الذين وضعو القواعد النموذجية لحماية برامج الكمبيوتر(حماية الملكية الفكرية لبرامج الكمبيوتر) ،والتي كانت من أكثر تشريعات قوانين الكمبيوتر نضجا ووضوحا حسبما يرى الكثير من الباحثين لتأتي بعد ذلك موجة تشريعية ثالثة لتشمل حماية البرمجيات في عقد الثمانينيات.
هذا ويوصف العصر الذي نعيشه بعصر التقنية العالية، عصر وسائل معالجة ونقل المعلومات التي غدت المحدد الاستراتيجي للبناء الثقافي والإنجاز الاقتصادي، وإذا كان خط ميلاد التقنية ونماءها، قد أظهر في البدايات اكتشاف وتطور وسائل التقنية العالية، الحاسب الآلي والاتصال، مستقلة عن بعضها البعض، فإن قطاعات التقنية قد تداخلت وتحقق الدمج المعقد بين الحاسبات الآلية ووسائل الاتصال، وبرز في قضاء التقنية من بين وسائلها الكثيرة، الحاسب الآلي، أداة التحكم بالمعلومات وتجميعها ومعالجتها واختزانها واسترجاعها ونقلها في كافة قطاعات النشاط الإنساني، خاصة النشاط الثقافي والتجاري والصناعي.
وقد أثار إحصاء إجراءات تقنية المعلومات تحديات لها وزنها بالنسبة لقانون العقوبات في كل الأنظمة القانونية ويرجع السبب في ذلك إلى الحقيقة التي مؤداها أنه حتى هذه اللحظة، فإن الأشياء المادية والمرئية هي التي تكون محمية بالقوانين الجنائية، وحماية المعلومات والقيم المعنوي الأخرى وإن وجدت منذ فترة زمنية قصيرة إلا أنها حتى منتصف القرن العشرين كانت أقل أهمية، وقد طرأ تغيير جوهري على هذا الموقف أثناء العشر سنوات الأخيرة، حيث أدى تطور المجتمع من مجتمع صناعي إلى مجتمع ما بعد الصناعي، إلى تزايد قيمة المعلومات بالنسبة للاقتصاد والمجتمع والسياسة، فضلا عن الأهمية المتنامية لتقنية المعلومات خلال فترة زمنية قصيرة، وهو الأمر الذى رتب يعرف بقانون المعلومات.
وتنبع أهمية هذه الدراسة من كونها تتناول الثورة المعلوماتية من زاوية الجانب السلبى منها والمتعلق بجرائم المعلوماتية وتأثيره على مكونات المجتمع. وأمام هذا الشكل الجديد من الإجرام لا تبدو قوانين العقوبات الوطنية في حالتها الراهنة كافية أو فعالة على النحو المطلوب أو المرضي فنصوصها والنظريات والمبادئ القانونية التي تتضمنها أو تقف ورائها موروث بعضها من القرن 19 حيث لم يكن هناك فنيين حينذاك وإنما أصحاب مهن وحرفيين.
وتطبيق بعضها على أشكال جديدة للجرائم التي تستعير من تقنيات الحاسبات الآلية والمعلومات أساليبها، لا يصطدم فقط بصعوبات ناجمة عن الطبيعة الخاصة والخصائص الفنية الفريدة للوسائل المعلوماتية المستخدمة في ارتكابها. وإنما تعترضه كذلك صعوبات رئيسية أخرى مرجعها أن نصوص التجريم التقليدية قد وضعت في ظل تفكير يقتصر إدراكه على الثروة الملموسة والمستندات ذات الطبيعة المادية مما يتعذر معه تطبيقها لحماية القيم غير المادية المتولدة عن المعلوماتية.
والحقيقة التى يجب التأكيد عليها أن وسائل الاتصال لم تخترع الجريمة، بل كانت ضحية لها في معظم الأحوال حيث أن هذه الوسائل تعرضت لسوء الاستغلال من قبل كثيرين ، ومن الثابت أيضاً أن المجرمين وظفوا الاتصال تاريخياً – ضمن أدواتهم المختلفة – لخدمة النشاطات الإجرامية التي يقومون بها. أما الجريمة فهي ذاتها الجريمة في قديم التاريخ، وحديثه، لا يختلف على بشاعتها، وخطرها على المجتمع الإنساني أحد، ولذلك اتفق على مواجهتها، ومن أجلها أقيمت المحاكم، وسنت العقوبات، تستوي في النظرة إليها -كسلوك شاذ - كل الشرائع السماوية، والقوانين الوضعية. وعبر حقب التاريخ المختلفة كانت الظاهرة الإجرامية مرادفة للتجمع الإنساني، تعكس في أساليبها، وأنماطها، أحوال وتطورات المجتمع في مختلف النواحي السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وغيرها. وفي عصر التقنية، وثورة الاتصالات الحديثة تعقدت الجريمة، وتنوعت أساليبها مستفيدة من التطور التقني في كافة مناحي الحياة، حيث وظف المجرمون هذه المستحدثات التقنية الحديثة في تطوير أساليبهم، بل حتى التقنية ذاتها لم تسلم من الجريمة فمنذ بداياتها ظهر معها ما يعرف بجرائم التقنية، أو الجرائم الإلكترونية التي أخذت أبعاداً جديدة مع بداية ثمانينات القرن الماضي بعد انتشار الحاسبات الشخصية، وتطبيقاتها بشكل جماهيري في مختلف أرجاء العالم. ومع مطلع التسعينات من القرن الماضي ظهرت أنماط حديثة أخرى من الجريمة صاحبت انتشار (شبكة المعلومات العالمية الإنترنت) التي برزت كأسرع وسائل الاتصال الجماهيري نمواً في تاريخ وسائل الاتصال.
وإزاء ذلك كان لا بد من تكاتف الدول من أجل مكافحة هذا النوع المستحدث من الجرائم، التي لم تعد تتمركز في دولة معينة، ولا توجه لمجتمع بعينه بل أصبحت تعبر الحدود لتلحق الضرر بعدة دول ومجتمعات، مستغلة التطور الكبير للوسائل التقنية الحديثة في الاتصالات و المواصلات، وتعزيز التعاون بينها واتخاذ تدابير فعّالة للحد منها والقضاء عليها ومعاقبة مرتكبيها
باحث في الدراسات الاعلامية * .