بل وحتى بين المجتمعات في الدولة الواحدة، فيبرز له بصورة منطقية إن هناك اختلافًا في طبائع المجتمع ومستويات النظرة الفردية الاجتماعية إلى الأمور لكونها ترتبط بمفهوم المدنيات المعاصرة. وارتباطها كذلك بمنطق أو نهج التعامل مع الإنسان في المجتمع. فما يكون معد انحلالاً أخلاقيًا في حضارة أو دولة أو مجتمع معين قد لا يكون كذلك في نهج دولة أخرى، وقد يختلف في نهج دولة ثالثة... وهكذا.
لذلك فإنه يلاحظ أنه وإن كان ليس هناك بد من التطرق إلى هذه النوعية من الجرائم حين تتم عبر الإنترنت، فإن ذلك لا يعني سوى التطرق إلى الحلول التي طرحها المشرع لهذه النوعية من الجرائم، من حيث كونها شكلت مشكلة ذات شأن كبير، على الرغم من حركة الإباحة الأخلاقية التي تجتاح بعض المجتمعات غير الإسلامية.
وجرائم الأخلاق وفقًا للتصنيف المصلحي في قانون العقوبات هي تلك النوعية من الجرائم التي تتضمن العدوان على القيم الأخلاقية المتعارف عليها في النظم الاجتماعية الاقتصادية.
ويُعد العدوان في جرائم الأخلاق من ضمن أشكال العدوان على القيم الإنسانية الاجتماعية، مع ما يُصاحب هذا الأمر من تشدد في الطابع الحضاري لتلك القيم، والمستوحى – هذا التشدد – مما تعارف عليه الناس وارتضوه قاعدة أخلاقية، وهو أمر يفترض تباين الحضارات والثقافات في المستوى الأخلاقي، إذ من الممكن أن يكون ما هو غير أخلاقي في حضارة معينة معاصرة معد أخلاقيًا في حضارة أخرى معاصرة أيضًا. وإذا كان ذلك صحيحًا إلا أن ذلك لا يعني عدم وجود حد أدنى لقواعد أخلاقية يمكن أن تكون أساسًا لقانون عقوبات عالمي مستوحى من الأخلاقيات الذاتية للشعوب.
ولقد أولى المشرع المقارن اهتمامًا ملحوظًا بالجرائم الأخلاقية، وفقًا لما تمليه عليه حضارته كما أسلفنا، وذلك يعني تحديدًا إن الاختلاف الحضاري لا يؤدي إلى نزع الأخلاق من الحضارات، وإنما تختلف النظرة إليها من حضارة إلى أخرى فحسب. فالمشرع الليبي رصد الجرائم الأخلاقية في الباب الثالث من الكتاب الثالث من قانون العقوبات لسنة 1953 في المواد من (407) إلى (424) ثم إنه يرتب آثارًا على ارتكاب مثل هذه النوعية من الجرائم في التشريعات الأخرى، لكون العامل الأخلاقي في ليبيا مستمدًا من الحضارة الإسلامية الرشيدة ومنطق التقاليد التي تأسس عليها هذا المجتمع في إحداث البنية الأخلاقية هناك. وذات الأمر ينطبق على التشريع المصري وكذلك التشريع الصادر في الدول العربية والإسلامية، في حين انه في التشريع الصادر في الدول غير العربية وغير الإسلامية فإن الحال أن المشرع يستمد المعيار الأخلاقي من المنطق الاجتماعي الاقتصادي لديه، إلا أن ذلك لا يعني انعدام تواجد العامل الأخلاقي، بل أنه كثيرًا ما يلاحظ قوة العامل الأخلاقي هناك، وعلى أساسه تقوم فكرة الحقوق المدنية هناك.
العلنية والعرض للجمهور والمصطلح الأخلاقي عبر الإنترنت
إن العدوان على الأخلاق عبر الإنترنت يُعد في الحقيقة من المشاكل جعلت الاصطدام قويًا بين المشرع والقضاء في القانون المقارن، ولقد احتلت مشكلة الأخلاق عبر الإنترنت حيزًا كبيرًا في بحوث الفقه المقارن، في عملية صراع كبيرة ما بين حرية التعبير واحترام أخلاقيات الشعوب. إذ أن المشرع المقارن لا يتوانى عن سن التشريعات التي تحمي القواعد الأخلاقية، إلا أن القضاء المقارن يقوم بإلغاء هذه التشريعات سعيًا وراء حماية حرية التعبير، كإحدى الحريات التي تتفوق على الأخلاق. ومع ذلك فإن المشرع، كردة فعل، يقوم مرة أخرى بإعادة سن التشريعات بغرض حماية الأخلاق، بحيث مثلت القاعدة الأخلاقية على هذا النحو تحديًا بين المشرع والقضاء في القانون المقارن.
وفي هذا الفرع سوف نتعرض لثلاثة موضوعات دقيقة في مضمونها حين الارتباط بالإنترنت وهي موضوعات العلنية والعرض للجمهور والمصطلح الأخلاقي عبر الإنترنت لكونها أثارت جدلاً في القضاء المقارن.
أولاً: شرط العلنية: العلنية Publication وصف لحالة حدث أو عمل أو نشاط يباشره الشخص في حدود القانون. فليست العلنية قيمة في ذاتها وإنما تبرز تلك القيمة في مدى تأثيرها في الحدث بحيث تجعله ينتقل بمقتضى هذا التأثير إلى الجمهور، وبحيث يترتب على وصفه بالعلنية نتائج يعترف بها القانون ويرتب عليها آثاره.
وقد ينص المشرع في تشريعه العقابي على نص عام يحتوي منطق العلنية ينطبق على كافة الجرائم، مثلا هو الحال فيما هو مقرر في المادة (16/1- عقوبات ليبي) التي تنص على أنه تعد الجريمة مرتكبة علنية إذا كان ارتكابها: (أ) بطريق الصحافة أو غيرها من وسائل الدعاية والنشر، (ب) في محل عام أو مفتوح أو معروض للجمهور وبحضور عدة أشخاص، (ج) في اجتماع لا يعد خاصًا نظرًا للمكان الذي انعقد فيه أو لعدد الحاضرين أو للغرض الذي عقد من أجله"، ويعد مثل هذا النص قاعدة عامة تضمنها القسم العام من قانون العقوبات يتم تفسير كلمة العلنية كلما وردت في النصوص على ضوئها. ولا يعني رصد قاعدة عامة تؤدي دورها كتعريف أو تحديد امتناع المشرع عن رصد معنى مخصص للعلنية، بل يمكنه القيام بذلك كما هو الشأن في المواد (284-286- عقوبات ليبي) ().
ولعل المثار في مقصود العلنية المدى الذي عرض له المشرع الجنائي هنا، وبالتالي أنواعها المشار إليها، لاسيما فيما يتعلق بالفرق بين المحل العام أو المفتوح أو المعروض للجمهور وبين عبارة الاجتماع الذي لا يعد خاصًا نظرًا للمكان الذي انعقد فيه أو لعدد الحاضرين أو للغرض الذي عقد من أجله. وهذا يقود بالضرورة إلى القول بأن كل اجتماع خاص، بالنظر إلى المكان الذي أعد فيه أو لعدد الحاضرين أو للغرض الذي أعد من أجله، يجعل العلنية منتفية عن الواقعة، كما هو الشأن في الاجتماع الذي يعقد في منزل ما للعائلة إذا حدث وتبادل بعضهم البعض عبارات قذف وسب، ففي هذه الحالة لا تتوافر العلنية. ومن ثم فإن وجود شبكة داخلية بين أفراد العائلة ليست مرتبطة بالإنترنت وإنما تظل بين أفراد العائلة الواحدة في نطاق مكاني موزع وليس محدد فإنه لا تتوافر به صفة العلنية حال وجود واقعة سب أو قذف، حتى مع إمكانية حدوث الاختراق هنا لكون المخترق مرتكبًا لجريمة انتهاء حق الخصوصية ولو كانت الصفة التي تواجد بها هي الحضور مصادفة.
وإذا تأملنا التمييز بين المحل العام أو المفتوح أو المعروض للجمهور وبين عبارة الاجتماع الذي لا يعد خاصًا نظرًا للمكان الذي انعقد فيه أو لعدد الحاضرين أو للغرض الذي عقد من أجله، فإن القضاء المقارن كان قد تعرض له في محض التمييز بين عبارتي To the public وIn the Public، حال التعرض لقانون حق المؤلف، بحيث اعتبرت محكمة الاستئناف الفيدرالية لـ..كيبك/ كندا بأن عبارة To the public أعم من عبارة In the public، فهذه الأخيرة يتناسب مدلولها مع منطق الاجتماع الذي لا يعد خاصًا نظرًا للمكان الذي انعقد فيه أو لعدد الحاضرين أو للغرض الذي عقد من أجله، في حين أن العبارة الأولى تندمج في فكرة المحل العام أو المفتوح أو المعروض للجمهور، وهو الأمر الذي يترتب عليه القول أنه في الاتصال المباشر فإن المجموعات الإخبارية Newsgroups تُعد محلاً عامًا أو مفتوحًا أو معروضًا للجمهور حال وجود إمكانية لأي شخص أني لج إليها دون شروط خاصة، في حين تكون هذه المجموعة الإخبارية اجتماعًا لا يُعد خاصا إذا كان مكان انعقاده على الإنترنت محددًا بموقع معين (إذ يستطيع أي شخص أن يستدعيه)، إلا أنه في ذات الوقت يحتاج إلى تحديد هوية وكلمة مرور لكي يمكن للشخص الولوج إلى موقع المجموعة الإخبارية، وفي هذه الحالة فإن الأمر يصير إلى العلنية أيضًا، أما إذا كانت المجموعة الإخبارية مرتبطة بشبكة خاصة، وهذا الأمر كثير الحدوث كما لو كان هناك شركة أو مؤسسة تملك شبكة خاصة بها فإن تداول الأحاديث بنظام المجموعات الإخبارية والاجتماعات المغلقة عبر الشبكة المذكورة لا تتوافر به العلنية، لكون الولوج إليها من قبل الغير، إنما يعد ولوجًا غير مشروع طالما لم تتوافر فيه المشروعية الكافية لذلك().
وقد لا يرى المشرع ضرورة للنص على قاعدة عامة تتضمن تفسيرًا للعلنية، مكتفيًا بتحديد مصطلح العلنية في نصوص خاصة معتمدًا في تحديد نطاق تفسيرها على ما يقرره القضاء في هذا الشأن. مثلما هو حال المشرع المصري في المادة (171- عقوبات مصري) التي تنص على أنه "كل من أعرى واحدًا أو أكثر بارتكاب جناية أو جنحة يقول أو صياح جهر به علنًا أو بفعل أو إيماء صدر منه علنًا أو بكتابة أو رسوم أو صور شمسية أو رموز أو أية طريقة أخرى من طرق التمثيل جعلها علنية أو بأية وسيلة أخرى من وسائل العلنية يعد شريكًا في وقوع تلك الجناية أو الجنحة بالفعل. أما إذا ترتب على الإغراء مجرد الشروع في الجريمة ليطبق القاضي الأحكام القانونية في العقاب على الشروع. ويعتبر القول أو الصياح علنًا إذا حصل الجهر به أو ترديده بإحدى الوسائل الميكانيكية في محفل عام أو طريق عام أو أي مكان آخر مطروق أو إذا حصل الجهر به أو ترديده بحيث يستطيع سماعه من كان في مثل ذلك الطريق أو المكان أو إذا أذيع بطريقة اللاسلكي أو بأية طريقة أخرى. ويكون الفعل أو الإيماء علنيًا إذا وقع في محفل عام أو طريق عام أو في أي مكان آخر مطروق أو إذا وقع بحيث يستطيع رؤيته من كان في مثل ذلك الطريق أو المكان. وتعتبر الكتابة والرسوم والصور الشمسية والرموز وغيرها من طرق التمثيل العلنية إذا وزعت بغير تمييز على عدد من الناس أو إذا عرضت بحيث يستطيع أن يراها من يكون في الطريق العام أو أي مكان مطروق أو إذا بيعت أو عرضت للبيع في أي مكان".
وفي النص الأخير يلاحظ أن المشرع المصري سوى في التجريم بين القول العلني والإيماءة العلنية والفعل العلني والكتابة العلنية...الخ. فالقول هو الصوت ويمكن أن يكون مصدره مباشرًا كما هو الشأن في جريمة السب وقد يكون غير مباشر كما هو الشأن في التشهير عبر الصحف أو في الإذاعة. والإيماءة هي الإشارة، والفعل هو الحركة العضوية العلنية مادامت تتضمن تعبيرًا ما، والكتابة هي التدوين بلغة مفهومة قصد التعبير عن فكرة أو موضوع ويلحق بها الرسوم والصور الشمسية والتصوير الخيالي كالكاريكاتير والتصوير المرئي والرمزي(). وقد تكون الكتابة بطريق النشر وقد تكون مراسلة خاصة، إلا أنه نظرًا لطبيعة الوسيلة التي تم بها الإرسال تكون قد استقرت في إطار العلنية، كما هو الشأن حين إرسال فاكس أو برقية...الخ، بحيث يكون قد اطلع عدد من الناس عليها قبل وصولها إلى المجني عليه. على أن السؤال هنا يتعلق بالبحث عن مدى أهمية تطلب العلنية في جرائم الأخلاق للقول بإمكانية قيام التجريم في مثل هذه الأحوال. ذلك أن بعض جرائم الأخلاق تتم في السر، بل وإنها تشترط السرية كواقع، وما دور القانون هنا سوى البحث في مدى وقوعها لكي يرتب عليها نتائجه.
والواقع أن العلنية ذات شأن في بعض جرائم الخلاق وليس كلها مثلما هو الحال في الفعل الفاضح العلني والبث الفاضح أو الفاحش العلني والتعرض لأنثى (420 مكرر – عقوبات ليبي) التي تنص على أنه "يعاقب بالحبس مدة لا تقل شهر ولا تزيد عن ستة أشهر كل من تعرض لأنثى على وجه يخدش حيائها بالقول أو الفعل أو الإشارة في طريق عام أو مكان مطروق. وكل من حرض المارة على الفسق بإشارات أو أقوال أو أفعال. وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن شهرين ولا تزيد عن سنة إذا عاد الجاني إلى ارتكاب جريمة من نفس نوع الجرائم المشار إليها في الفقرة السالفة خلال سنة من تاريخ الحكم عليه، ولا يجوز في هذه الحالة الأمر بإيقاف تنفيذ العقوبة المحكوم بها".
ولما كانت الإنترنت من وسائل العلنية – بطبيعتها – فإن ذلك يقودنا إلى ضرورة بحث هذه المسألة، إلا أننا سوف نتجه إلى رصد البحث في العلنية عبر الإنترنت في كل حالة على حده، سعيًا وراء التقرير بأن العلنية عبر الإنترنت ينبغي تطلبها لكون الأفعال التي تعد جريمة عبر الإنترنت كثيرة ومتنوعة، بما يعني أن العلنية متطلبة حال تطلب المشرع لها وبحيث لا تكون العلنية شرطًا عامًا ينبغي توافره كلما كان هناك جريمة عبر الإنترنت.
ويلزم ذلك بالطبع التعرض للمصطلحات القانونية التي يستخدمها المشرع المقارن لتحديد الفعل اللاأخلاقي عبر الإنترنت، ثم تطرق إلى التشريع المقارن ودوره في رصد الإجرام الأخلاقي عبر الإنترنت وذلك كتمهيد إلى تحديد الجرائم الأخلاقية في هذا المطلب.
ثانيًا: مسألة العرض للجمهور الواردة في القانونين الليبي والمصري: ورد مصطلح العرض للجمهور في القانون الليبي في معرض المادة (16/1-ب- عقوبات) حيث قرر المشرع إمكانية عداد الجريمة مركبة علانية إذا ارتكبت في محل معروض للجمهور، في حين قرر المشرع المصري منطق العرض للجمهور في البابا الرابع عشر من قانون العقوبات، في المواد (171) وما بعدها، سيما المادة (178، ثالثًا/2- عقوبات مصري) التي رددت مصطلح "وكل من أعلن عنه أو عرضه على أنظار الجمهور". ففي الحالتين تتوافر العلنية المتطلبة في الجرائم التي يتطلب فيها المشرع لزوم العلنية.
وفيما يتعلق بتحديد الجريمة الأخلاقية التي يمكن أن ترتكب علنًا عبر الإنترنت، يمكن القول بأن المصطلح المستخدم في التشريع المصري يمكن أن يحقق نوعًا من التوافق مع شبكة المعلومات الدولية/ الإنترنت، بحيث أن ما هو موضوع أو موجود على هذه الشبكة من مواد أي كانت يمكن القول بأنه يتم عرضه من قبل شخص ما على أعضاء (جمهور) الإنترنت، في حين لا يمكن أن تكون الإنترنت محلاً معروضًا للجمهور، لأن الإنترنت ليست محلاًن حيث أن مقصود المحل في النص الليبي هو النطاق الجغرافي الذي يجمل على مفهوم الحيز المكاني المادي، في حين أن العرض على الجمهور وفقًا للنص المصري لا يستدعي أن يكون المحل الذي تم العرض فيه محلاً معروضًا للجمهور في معنى الحيز، وإنما كل ما تطلبه المشرع هنا هو العرض على الجمهور بأية وسيلة كانت، سواء كانت في العالم المادي أو في غيره. ولما كانت الإنترنت وسيلة اتصالات جماهيرية فإن المفترض الصحيح، وفقًا للقانون المصري دون الليبي هنا، إنه بمجرد وضع المادة المجرمة على شبكة المعلومات الدولية/ الإنترنت تكون قد تم الإعلان عنها أو عرضها على الجمهور، دون حاجة لإقامة الدليل على أن جمهورًا قد اطلع على المادة الإجرامية من عدمه.
وعندما أن نص المادة (178، ثالثًا/2 – عقوبات مصري) () يمكن أن تجد لها مكانًا من التطبيق في جرائم الإنترنت، دون نص المادة (16/1-ب- عقوبات ليبي). فمثلاً من يسمح للغير بوضع أية مقالة أو أية كتابة من أية نوع عبر أحد صفحات موقعه على شبكة المعلومات الدولية/ الإنترنت، فإنه يكون قد قبل أن يوضع أي شيء مكتوب على موقعه، ويكون صاحب الموقع هنا هو من يقوم بالإعلان عنها أو بعرضها على الجمهور، وفي هذه الحالة تسري عليه نص المادة (178، ثالثًا/ 2- عقوبات مصري) في من يعيب في حق ممثل دولة أجنبية معتمد في مصر بسبب أمور تتعلق بوظيفته، وفي المادة (182- عقوبات مصري) عن طرق كتابة إعلان أو مقال، ولو لم يكن صحفيًا وإنما يتضمن تشهيرًا، ويقوم بوضعه على موقع عبر الإنترنت مسموح فيه بهذا الوضع، لا يكون قد قام هو بالعرض وإنما يُعاقب مقترف لجريمة تشهير هنا، كذلك من يرتكب جريمة المادة (102/1- عقوبات مصري) بإذاعة إشاعة من شأنها تكدير الرأي العام وإلقاء الرعب بين الناس وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة إذا أنشأ موقعًا على الإنترنت تضمن مثل هذه الإشاعة()، فضلاً عن ذلك يعاقب مالك الموقع حتى ولو لم يكن هو كاتب عبارات التشهير، ذلك إن مالك أو صاحب الموقع عبر الإنترنت هو الشخص الذي تولى العرض على الجمهور، فما يعاقب عليه القانون وفق هذه المادة هو مجرد العرض على أنظار الجمهور دون أن يكون متطلبًا أن يكون العارض هو ممن صدرت عنه مواد العيب.
وعندما يمكن القول بصلاحية هذه المادة للانطباق على الجرائم المرتكبة عبر مواقع تسمح باستخدام صفحات فيها للتعبير عن فكرة أو طرح موضوع من قبل الجمهور، ففي هذه الحالة يظل صاحب الموقع عرضة للمسئولية الجنائية والقانونية عما قد يرتكب من جرائم عبر موقعه إذا لم يتخذ الاحتياطات لمنع مثل هذا العيب وكذلك التدابير الكافية لتصحيح مثل هذه الوضعية وبما ينبئ عن حسن نيته في هذا الإطار.
والسبب الذي يجعلنا نتجه إلى اعتناق هذا الذي سلف، هو أنه مادام قد تسيد الاتجاه القانوني المقام في تنظيم الإنترنت، فإنه لا يمكن أن يتم القبول بالخروج عن النظام الاجتماعي الاقتصادي أو النظام العام عبر الإنترنت، ومن ثم يسري على الإنترنت ذات مقومات النظم الاجتماعية الاقتصادية. ولا يمكن الاحتجاج هنا بعدم معرفة أو علم صاحب الموقع الذي يتضمن صفحة إعلانية مجاني بالمادة المنشورة، حال كونها مجرمة، ففي مثل هذه الأحوال يلزم التقرير بأن مجرد فتح الصفحة للجمهور لكتابة ما يشاء فإن مسئوليته تكون قائمة لقبوله المسبق بهذا الإعلان أو العرض على الجمهور للمادة أيًا كانت. ويلاحظ هنا أن القبول بالإعلان أو بالعرض على الجمهور ليس مفترضًا بل أنه واقعي، وهو قائم في الواقع لكون الارتضاء بالإعلان مسبقًا يمكن أن يكون له تشابه مع حقيقة من يملك لوحة إعلانات مجانية معروضة على أنظار الجمهور يضع فيها من يشاء أية مواد معيبة في حق الغير، ففي هذه الحالة يكون صاحب اللوحة المذكورة هو من يقوم بالإعلان عن مادة ليست ملكًا له وإنما للغير، ومن ثم تقوم المسئولية في حقه حتى ولو لم يكن صاحب المادة معروفًا أو كان ممهرًا كتابته باسم مستعار. خاصة إذا كان صاحب الموقع المذكور يستغل الصفحات، التي بعدها الغير مجانًا، في نشر إعلانات.
ثالثًا: المصطلحات غير الأخلاقية التي يتداولها القانون الجنائي: كنتيجة للفارق الحضاري في قوانين الأخلاق والناتج الحضاري الاجتماعي في هذا الشأن، فإن كثيرًا من التشريعات يميز فيها بين الفعل غير الأخلاقي Indecency وبين الفحش Obscenity والدعارة المصورة Pornography. ويترتب على هذه المفارقة نتائج شتى في التشريع المقارن، إلا أنها في الواقع الاجتماعي من حيث الاختلاف الحضاري، فإن وقع أو تأثير كل من هذه المصطلحات له أساس يرتبط بمدى الحرية الأخلاقية التي يمنحها المجتمع لأفراده، وإلى أي مدى يمكن أن تصل، بل إنه في بعض التشريعات المقارنة تمكن المشرع من إلغاء التشريعات التي تعاقب على الزنا الإرادي، مثلما هو الحال في التشريع الفرنسي والأمريكي، تاركًا مثل هذا الفعل منتظمًا في إطار ردة الفعل الاجتماعي وأحيانًا الديني.
ولعل من موجبات التذكير حين التعرض للتعدد الاصطلاحي في القانون المقارن (بل في إطار كل قانون أيضًا) إن المشرع لم يتعرض على الإطلاق لتحديد معنى موحد لمصطلحات الأخلاق الواردة في القانون الجنائي، ففي القانون الأمريكي قرر القضاء إن مصطلح غير أخلاقي Indecent مصطلح غامض Vague(). كذلك لم يرد في على الإطلاق أي تعريف لمصطلح الدعارة المصورة في ذات القانون()، ويبرز ذلك واضحًا في التوسع الكبير الذي تسير عليه المحكمة الفيدرالية العليا الأمريكية في تحديد مصطلح الفحش Obsecenity، حيث يمكن لهذا المصطلح استيعاب المصطلحات الواردة في القسم 1461 وما بعدها من الباب 18 وكذلك القسم 223 من الباب47 من التقنين الأمريكي()، وهي مصطلحات الفاحش Obscene والفسق Lewd والشهوانية Lascivious وكذلك البذاءة Filthy()، سيما تلك النصوص التي تتضمن جرائم غير أخلاقية باستخدام الإنترنت والحاسوب().
ولقد كان القضاء الأمريكي واضحًا في تحديد إمكانية العقاب، بمقتضى القسم (1461)، إذا تم استخدام مصطلحات الفحش بطريق المراسلة، سواء تضمنت هذه المراسلة إرسال كتاب أو بانفليت Pamphlet أو مطبوع Printing أو أية وسيلة إعلانية Publication تحتوي على هيئة لا أخلاقية().
ولقد تأكد هذا التفسير في عام 1962() حيث قررت المحكمة العليا الأمريكية له أنه في إطار الاستخدام العام لمصطلحات الفحش فإنها تتخذ أشكالاً مختلفة من المعاني(). إلا أن المحكمة العليا عادت في عام (1976) لتضع منطقًا جديدًا لمصطلح الفحش، حيث رفضت مطلقًا التحديد القديم المشمول بالغموض Vagueness Challenge حين تفسير القسم 1461 المشار إليه، وذهبت إلى أن هذه المصطلحات الواردة في القسم المذكور إنما هي مجموعة مصطلحات محددة بشكل ظاهر في وصف السلوك الجنسي Hard Core الذي يعطي كمثال في أثناء الكلام(). كما أن القانون الليبي لم يحدد ما هو أخلاقي أو داعر أو فاحش من حيث التعريف، على الرغم من إن القضاء يقوم بدور كبير في رصد القيم الاجتماعية ومدى تفاعلها مع النصوص القانونية في هذا الشأن.
ومثل هذا الأمر يجعل بحث نقاط الاتصال، ومعايير تمييز ما هو أخلاقي وما هو غير ذلك، وكذلك تصنيف الأفعال غير الأخلاقية، من الأمور التي ترتبط بالفهم الاجتماعي الذي يأخذ طابع التعدد حتى في البيئة الواحدة.
لأجل ذلك نجد أن المحكمة العليا الأمريكية استندت حين نظرها قضية Reno v. ACLU، فيما يتعلق بقانون آداب الاتصالات 1996، إلى معيار قاضي المحكمة الابتدائية التي أصدرت الحكم المطعون فيه، وهو القاضي Sloviter، حيث استعان هذا القاضي بمعيار ورد في قضية أخرى هي قضية Sable Communication v. FCC حيث قررت المحكمة في هذه القضية الأخيرة أن العبارات الجنسية تُعد غير أخلاقية، ولكنها على العكس من العبارات الفاحشة فهي مشمولة بحماية الدستور الأمريكي في التعديل الأول منه.
ولكل ما تقدم فإننا نقول إنه إذا كان هناك مجال لتحديد المعيار الأخلاقي عبر الإنترنت، فإن محاولات القضاء المقارن في هذا الإطار إنما تأتي تعبيرًا عن المنطق الاجتماعي السائد، وبحيث يجب الاستعانة هنا فيما هو متعارف عليه في المجتمع ولكن يظل هنا التذكير بأن المنطق الاجتماعي Community Standards له أهمية كبيرة في تحديد عناصر الجريمة الأخلاقية بحيث يتم الاستناد إليه كأساس للبحث في الوقائ.
وربما يعطي مثال استخدام اللهجات العامية العربية وغير العربية – والتي تختلف من محيط اجتماعي إلى آخر، وقد يكون هذا الاختلاف باديً للعيان حتى في إطار الدولة الواحدة – إشارة واضحة المعالم إلى إمكانية التفاعل مع العامل الأخلاقي، بحيث يمكن حين استخدام هذه أو تلك اللهجة أن تفهم على نحو خاطئ من قبل البعض ممن هم ينتمون إلى فئة اجتماعية أو جهة جغرافية قد تكون في ذات الدولة، مثل هذا الأمر يجعل مذهب القضاء الأمريكي له قبول في المنطق والقانون على السواء إذا أدركنا أن المشكلة التي تواجه المشرع والقضاء والفقه هنا يتم التعبير عنها في استحياء شديد سعيًا وراء الإجابة على سؤال مقتضاه "أية معايير اجتماعية هي تلك التي يتم تطبيقها".
ولقد أخذ القضاء الأمريكي في الإجابة على هذا التساؤل منحى جديدًا بعض الشيء فيما يتعلق بتطبيق المعايير الاجتماعية على جرائم الأخلاق التي ترتكب عبر الإنترنت، حيث أخذ في الاعتبار المعايير الأخلاقية السائدة في المكان المرسل إليه المواد غير الأخلاقية، ثم تطور الأمر أكثر بحيث قرر القضاء الأمريكي الاستناد إلى معايير ثابتة غير مختلف عليها اجتماعيًا كما هو الشأن في دعارة الأطفال مثلاً بحيث لا يلتفت القضاء في هذه الحالة إلى بث المعايير الاجتماعية.
ومن الأهمية بمكان الطرق إلى نقطة تفاعل الإنترنت مع الجانب الأخلاقي في الإنسان، فقد أثيرت هذه المسألة بشكل جعل التفاعل التشريعي لازمًا معها، حتى إن استشعار مدى أهمية التدخل التشريعي يوحي بأن هذه مشكلة لم يكن لها وجود في عالمنا المادي، وإن أول بروز لها كان في العالم الافتراضي/ الإنترنت.
ولقد كان المشرع الأوروبي نشطً في نهاية القرن العشرين في مجال حماية الأخلاق عبر الإنترنت سيما بعد قيامه بإصدار التوجيه رقم 95/46/EC المؤرخ 24/10/1995 المتعلق بالتداول الحر للبيانات عبر الإنترنت، فقد أصدر مجلس أوروبا الكتاب الأخضر بشأن حماية القاصرين الذي نشر في شهر أكتوبر 1996.
أما في القانون الإنجليزي فقط أمكن للقضاء هنا التوصل مبكرًا إلى طرح موضوع الفحش Obscene، حيث تعرضت محكمة استئناف إنجلترا عام 1997 لمسألة تحديد تفسير لمصطلح الفحش. ولقد وجدت المحكمة في معرض تفسيرها للمصطلحات الواردة في قانون حماية الأطفال لسنة 1978 وقانون علنية الدعارة لسنة 1959، بأنهما لا يلتقيان مع فكرة التراسل الإلكتروني للبيانات The electronic transmission. حيث كان هناك مشكلتان تعترضان القضاء الإنجليزي في التوصل إلى تفسير محدد لهذا المصطلح، وبالتالي تفسير القانونين بما يتفق وتكنولوجيا المعلومات، الأولى وتتعلق بمحتوى النسخة المرئية The Visual Image الموضوعة Stored في ذاكرة الحاسوب، حيث أنها تعد نسخة من الصورة A copy of a Photograph كما هو مقررة في التشيع، حيث أن المحكمة انتهت في شأنها إلى أنها موضوعة في القرص الصلب، وهي عبارة عن صورة مرئية تم مسحها Scanned() من ذلك القرص الصلب لكي يتم تحويلها Transmission إلى قرص صلب في حاسوب آخر، وهي على ذات الشاكلة دون تغيير في هيئتها وبالتالي تنتقل إلى الحاسوب الآخر كما هي A copy of a Photograph لأغراض تطبيق قانون عام 1978. أما المشكلة الثانية فتتعلق بمدى إمكانية وجود تساو Tantamount بين وضع الصور المذكورة في القرص الصلب لحاسوب ما، وبين حركة توزيع هذه الصور. بحيث تختلف نية وضع هذه الصور عن تلك المتطلبة لتوزيعها.
ولقد انتهت محكمة استئناف إنجلترا في حكمها بالإدانة إلى التقرير بأن مجرد وضع شخص ما لصور دعارة في القرص الصلب لحاسوب ما، وبين حركة توزيع هذه الصور. بحيث تختلف نية وضع هذه الصور عن تلك المتطلبة لتوزيعها.
ولقد انتهت محكمة استئناف إنجلترا في حكمها بالإدانة إلى التقرير بأن مجرد وضع شخص ما لصور دعارة في القرص الصلب لحاسوبه فإن ذلك يعني أن هذا الوضع كان بقصد أن يطلع عليها هو، فإذا قام هذا الشخص بفتح حاسوبه للغير فإن ذلك يقاس على حالة فتح مكتبة للإطلاع على محتوياتها، إذ سمح صاحب المكتبة بمن نسخة من المفتاح للغير هنا().
وبتعديل كل من هذه التشريعات، بسبب تكنولوجيا المعلومات وتأثيرها على القانون المعاصر، بمقتضى قانون العدالة الجنائية والنظام العام لسنة 1994()، وضع المشرع مصطلحًا جديدًا هو Pseudo – Photograph المقرر في القسم (7.7) من قانون 1978، والذي يشير إلى الاعتراف بالمنظر/ الصورة Image، التي تم إعدادها بواسطة برمجيات الحاسوب التصويرية أو بوسيلة أخرى، كصورة Photograph().
إن الاستفهام الذي يمكن أن يثار هنا يتعلق بالبحث فيما إذا كان هناك تنوع في الجريمة الأخلاقية عبر الإنترنت. وهذا الأمر سوف نتولى العرض له في الفقرة التالية توصلاً إلى تحديد تقسيم مصلحي لهذه الجريمة.
رابعًا: تقسيم الجريمة الأخلاقية عبر الإنترنت: إن أشكال الجرائم الأخلاقية عبر الإنترنت تتميز بخصيصة ثابتة تتمتع بها كلها، وهذه الخصيصة تتمثل في أن كافة أنماط الجريمة الأخلاقية عبر الإنترنت تشترك في كونها لا تتجاوز الطابع المرئي/ المقروء، وغير المجسم، بحيث لا تسقط في مرحلة الحس الجسدي أو المادي، إلا إذا تحولت هذه النوعية من الجرائم إلى الاتصال المادي العادي بما يستدعي ذلك الخروج من العالم الافتراضي On line والعودة إلى العالم المادي Off Line، لذلك فمن غير المتصور أن تكون جرائم الأخلاق عبر الإنترنت جرائم مادية. وعليه فكل ما يمكن استحداثه من تقسيمات لنوعية جرائم الأخلاق عبر الإنترنت يجعلها كلها تشترك في طريقة تكوينها اللامادي أو المعنوي. ويظل السؤال هنا كامنًا في مدى إمكانية تعامل النصوص الجنائية الحالية مع جرائم الأخلاق عبر الإنترنت، وما إذا كانت هناك حاجة لتطوير النصوص المتعلقة بالجرائم الأخلاقية لكي تتوافق مع طبيعتها الرسمية وبحيث لا تكون الإنترنت وسيلة لارتكاب جرائم أخلاقية ويظل مرتكبها في مأمن من العقاب.
ولكي يتم لنا صناعة هذا الطلب فإننا هنا سوف نقوم بإحداث تقسيم مصلحي يتفق مع الإنترنت من ناحية، ومن ناحية أخرى يعبر في الوقت ذاته عن إمكانية احتوائه لمثل هذه النوعية من الجرائم دون عناء الاستعانة بطريقة التقسيم التقليدية التي درج عليها الفقه حين تعرضه لهذه النوعية من الجرائم، وذلك بسبب عدم إمكانية ارتكاب كافة الجرائم الأخلاقية عبر الإنترنت.
إذن في هذا المطلب سوف نتناول بالبحث جرائم الأخلاق الممكن ارتكابها عبر الإنترنت، فليس كل الأفعال الأخلاقية المقررة في قانون العقوبات يمكن ارتكابها عبر الإنترنت، ومثل هذا الأمر يقودنا إلى الإقرار بجزئية أو نسبية جرائم الأخلاق عبر الإنترنت. على أن هذه النسبية أثارت موضوع جرائم الأخلاق عبر الإنترنت بشكل جدلي، فمثلت تلك الجرائم أعتى أشكال الجرائم لما تتمتع به الإنترنت من تحرر رقابي غير مسبوق.
وعليه، يمكن استحداث تقسيم لجرائم الأخلاق عبر الإنترنت بحيث نتعرض لفكرة الترويج السمعي المرئي الفاضح، ثم نتطرق إلى موضوع جرائم البث العلني الأخلاقية من حيث جرائم النشر والقذف والسب والتشهير، ثم ننتقل إلى جريمة المطاردة الأخلاقية التي لها أساس في التجريم غير الأخلاقي وانتقل بعد ذلك إلى التجريم الأخلاقي.