المقالات
من يدافع عن «حقوق الإنسان المصرى الرقمية» فى الدستور الجديد؟
الثلاثاء,20 نوفمبر 2012 - 12:24 م
مشاهدات: 428
قامت ثورة يناير من أجل تثبيت وتطوير وتعميق واحترام حقوق الإنسان المصرى الأساسية التى نصت عليها الشرائع السماوية والقوانين والمواثيق الدولية والمحلية، وهى حقوق لم تعد مادية فقط، بل أصبح بينها شق رقمي يعرفه العالم الآن تحت مسميات مختلفة من بينها
قائمة حقوق رقمية مطلوب إدخالها فى الدستور الجديد
حتى لا يتحجج أحد ممن سيتولون أمر إعداد الدستور الجديد بأن قضية الحقوق الرقمية للإنسان المصرى غائمة أو غير واضحة أو لم يتصد لها أو يوضحها أحد. سأعرض الآن وفى هذا الوقت المبكر جدا - الذى لا تزال اجتماعات لجنة الوفاق الوطنى المسئولة عن وضع تصور للدستور الجديد فى بدايات عملها واللجنة التأسيسية لا تزال فى علم الغيب - قائمة بحقوق الإنسان الرقمية المتداولة فى المحافل والمنتديات والمنظمات العالمية والإقليمية المعنية بهذه القضية؛ ليتولى الخبراء الدستوريون إعادة تركيزها والتعبير عنها فى نصوص عليا داخل الدستور الجديد، بما يفتح الطريق نحو حتمية تجسيدها على نحو أكثر تفصيلا فى القوانين الأخرى التى يعتبر الدستور "أباً" لها جميعا.
تشير الوثائق العالمية المتعلقة بحقوق الإنسان الرقمية إلى أن هذه الحقوق تمضى فى مسارين الأول يركز على القضايا والموضوعات ذات العلاقة بالإنترنت وتداول المعلومات والوصول إليها وحرية التعبير داخل الشبكة وخارجها، والثانى يركز على القضايا والموضوعات ذات العلاقة بقدرة الإنسان على الاتصال والتواصل مع البيئة المحيطة به من خلال خطوط وشبكات الاتصالات والمعلومات، وهنا سنذكر الحقوق الواردة فى اثنتين فقط من هذه الوثائق على سبيل التوضيح، الأولى وثيقة تحمل اسم "إعلان الديمقراطية الرقمية"، وتنتمى للمسار الأول، وهى منشورة على موقع مركز الديمقراطية الرقمية على الإنترنت وبها عشرة حقوق هى:
1 - حق "الاتصال المفتوح بالإنترنت: الذى يفرض أن تكون شبكات الاتصالات مفتوحة ومتنافسة بما يتيح الوصول الدائم للإنترنت، ويتضمن أن يمتلك المواطنون القدرة على اختيار موفر الخدمة الذين يفضلونه، وأن تتمكن الشركة الموفرة للخدمة من العمل والتشغيل بدون أى قيود مصطنعة، يفرضها مالكو الشبكة أو الحكومات.
2 - الحق فى اتصالات غير مقيدة: ويتيح هذا الحق لكل إنسان نقل أى رسالة إلى أى إنسان آخر دون تدخل من أحد، سواء الحكومات أو مشغلي الشبكات.
3 - الحق فى شبكات مجتمعية قوية: أى أن توفر له الدولة شبكات معلومات واتصالات مجتمعية مؤسسية عالية السرعة تربط الهيئات المحلية والمؤسسات الاجتماعية وخادمات بث الوسائط التى توفر برامج غير تجارية وقنوات متطورة للوصول إلى الحكومة والتعليم والخدمات العامة بحيث توفر اتصالات مزدوجة لكل قطاعات المجتمع.
4 - الحق فى حصة بالتليفزيون الرقمي: أى أن يستخدم جزءًا من إمكانيات التليفزيون الرقمى فى تقديم عروض عامة مثل برامج الأطفال والبرامج التعليمية والثقافية والشئون العامة، وينبغى أن تستخدم إيرادات بيع الترددات التى تتنازل عنها المحطات فى المزاد بعد اكتمال الانتقال إلى البث الرقمى فى دعم برامج الخدمة العامة للمواطن.
5- الحق فى الخصوصية عبر الإنترنت: أى أن يتمتع الإنسان بأنظمة اتصالات آمنة من المراقبة والاستغلال بكل أنواعه، ومحمية من سياسات الحكومات والشركات بشأن الخصوصية، بما يوفر له درعا واقيا ضد المراقبة والرصد.
6 - الحق فى الترددات اللاسلكية الشائعة: ويقصد به أن تكون الترددات اللاسلكية التى لا يحتاج استخدامها إلى ترخيص متاحة لكل المواطنين بشكل متكافئ، وتخصيص جزء منها للخدمات العامة وغير التجارية.
7 - الحق فى أجهزة ومعدات خالية من القيود: أى أن تمتنع الشركات المنتجة للأجهزة والمعدات الحكومات والشركات المشغلة لشبكات الاتصالات وتوفير خدمات المعلومات عن وضع أى عوائق أو قيود تحرم الإنسان من تشغيل وضبط وإدارة الأجهزة فى منزله بطريقة مفتوحة تمامًا تناسب رغباته واحتياجاته.
8 - الحق فى برمجيات متحررة من القيود: ويقصد به ألا تؤثر أنظمة وتقنيات حماية الاستخدام وحقوق الملكية الفكرية وإدارة الحقوق الرقمية المصاحبة سلبيًا على حقوق المواطن والمستهلك المحمية بالقانون أو توسيع نطاق أو مجال سيطرة مقدم الخدمة أو السلطة أو حامل أو صاحب حقوق النسخ والنشر.
9 - الحق فى مواقع عامة على الويب: كما أن هناك مساحات عامة مثل الحدائق والمتنزهات والشواطئ والميادين فى مشهد العالم الحقيقي، من حق الإنسان تخصيص جزء من فضاء شبكة الويب لتطبيقات الاهتمامات العامة والخطاب غير التجاري، كمعلومات الجماعات والمشروعات التعليمية والخدمات الاجتماعية والتعبير الثقافى وغيرها، مما يمثل أحجار بناء الديمقراطية التى لا تخدمها عادة مواقع الويب التجارية.
10 - الحق فى خدمة رقمية عامة: أن أن يتساوى كل المواطنين فى الوصول لخدمة الهاتف العامة ليشمل خدمات الاتصالات المتطورة كذلك، وتوفير هذه الخدمات للمناطق متدنية الدخل فى الأحياء الفقيرة والقرى والمناطق المعزولة والوعرة.
وهناك وثائق أخرى تؤكد على الحقوق نفسها لكنها تضيف:
- الحق فى حرية التنقل والحق فى حرية التجمع عبر الفضاء الافتراضى.
- الحق فى حرية التعبير والوصول للمعلومات.
- حق الملكية الفكرية.
- الحق فى التعليم والوصول لتكنولوجيا المعلومات التى يتعين أن تستخدم بلا تمييز.
وفى المسار الثانى الذى يركز على حقوق الإنسان الرقمية ذات العلاقة بقدرة الإنسان على الاتصال والتواصل مع البيئة المحيطة به، نذكر هنا الوثيقة التى كتبها هيربرت بيركيرت أستاذ قانون الاتصالات بجامعة سانت جالن بسويسرا، والتى تنقسم إلى نوعين من الحقوق، الأول هو الحقوق غير القابلة للمصادرة وليست محلا للاختيار والمفاضلة حتى من قبل الفرد نفسه، وتتضمن:
- الحق فى الدخول إلى وسائل الاتصالات: ومن مظاهره القدرة على المشاركة فى الأنشطة المتعددة للإنترنت من ترفيهية واجتماعية وثقافية، والدخول إلى وسائل الاتصالات بشكل عام.
- الحق فى الاتصال الشخصى الذاتى: أى حق الإنسان فى أن يجرى أى نوع من الاتصالات مع آخرين، وأن تكون هذه الاتصالات له هو فقط.
- الحق فى الوصول إلى المعلومات والدخول عليها: ويبنى هذا الحق على أن البيئة الاتصالية الشاملة ليست غاية فى ذاتها، وإنما هى وسيلة تتيح الوصول إلى المعلومات المبتغاة، وهذا الحق من طبيعة شاملة يتوافق مع فكرة حرية التجول المعلوماتى.
- الحق فى المشاركة الاتصالية: بمعنى إن حقوق الإنسان فى البيئة الاتصالية الشاملة يجب أن تقود إلى حقوق المشاركة فيها، ثم إن هذه الحقوق بما تتضمنه من معلومات واتصالات ومشاركة ينبغى أن تندمج فى مفهوم حقوق المواطنة.
أما الحقوق الاتصالية الاستثنائية التى أوردها الدكتور بيركيرت فى تصنيفه، وقال إنها نابعة من طبيعة اختيارية وليست طبيعة أساسية شاملة ملزمة فتتضمن ما يلى:
- الحق فى الخصوصية: أى إمكانية البقاء فى عزلة بعيدا عن المشاركة مع الغير.
- الحق فى الاستعارة: أى حق الفرد فى اختيار شخصية مستعارة أثناء تواصله مع الآخرين.
- الحق فى عدم الظهور: ويقصد به أننا كمواطنين يكون من حقنا فى البيئة الاتصالية أن نكون ظاهرين أو نمتنع عن الظهور "نختفي" دون أدنى تأثير للضغط الاجتماعى كما هو الشأن فى البيئة العادية، بل يمكن أيضا عدم الظهور دون أن يكون لذلك عقاب ما.
كانت هذه نماذج يسيرة وسريعة لجانب من حقوق الإنسان الرقمية كما يناقشها ويتداولها العالم، وقد يتصور البعض أن هذه الحقوق مجرد فرضيات وأفكار نظرية لا أكثر، وهذا اعتقاد خاطئ، فهناك العديد من البلدان التى وضعتها موضع التطبيق فى دساتيرها وقوانينها، وهناك أيضا عشرات المنظمات والمؤسسات الدولية المعنية بأوضاع حقوق الإنسان بدأت تتحرى وترصد مدى احترام الحقوق الرقمية فى بلدان العالم المختلفة، وفى مقدمة هذه المؤسسات منظمة "هيومان رايتس ووتش" التى اعدت الكثير من الدراسات حول أوضاع حقوق الإنسان عبر الإنترنت بالعالم، واحتوت هذه الدراسات على منهجيات لقياس مدى احترام حقوق الإنسان الرقمية، من بينها استطلاعات رأى تتحرى وترصد ما يلى:
- القوانين والضوابط التى تحكم محتوى المعلومات والاتصالات عبر الإنترنت بكل دولة.
- مدى الحرية فى الوصول إلى الإنترنت والمعلومات.
- الموافقات الحكومية المطلوب الحصول عليها قبل الوصول للإنترنت أو قبل إنشاء أى موقع.
- المعلومات المطلوب من موفرى خدمات الإنترنت تقديمها إلى السلطات حول المواطنين المشتركين لديهم.
- القوانين التى تنظم استخدام التشفير فى الاتصالات الإلكترونية والمعاملات الإلكترونية.
ـ أوضاع الرقابة على المحتوى بكل دولة.
- سياسات حجب المواقع ومراقبتها ورصدها.
- المسئولية القانونية لموفرى خدمات الإنترنت وشركات نقل البيانات.
- أوضاع الرقابة فى مواقع إدارة وتشغيل الإنترنت كمقاهى الإنترنت والمكتبات وغيرها من المواقع التى يمكن للإنسان استخدامها فى الوصول للإنترنت والمعلومات.
- أوضاع الدخول المجانى والمنخفض التكلفة على الإنترنت.
لست فى حاجة إلى القول بأن هذه الحقوق تعد حديثة بشكل كبير بالنسبة للمشرعين الدستوريين والقانونيين، الذين اعتادوا على حقوق كانت ترتبها أوضاع حقبة ما قبل ثورة المعلومات وما قبل ثورة يناير، وبالتالى يحتاج الأمر إلى التبصير بها، ليس فقط بين الجمهور العام، وإنما داخل دوائر صنع القرار والجهات واللجان المعنية بكتابة الدستور المقبل، والتحدى الأكبر هنا هو كيفية تحويل المعانى والأفكار الواردة فى هذه الحقوق إلى نصوص محكمة قابلة لأن توضع كمواد فى الدستور الجديد، وهذه مهمة تقع مسئوليتها الأولى على عاتق كل الأطراف الفاعلة فى قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وفى مقدمتها وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وما يرتبط بها من هيئات وأجهزة، ثم منظمات المجتمع المدنى العاملة فى القطاع والتى يتعين عليها التحرك بسرعة لإدارة حوار واسع حول هذه الحقوق، ثم النضال بكل جدية من أجل بلورتها والذهاب بها إلى صانعى وواضعى الدستور الجديد.